الاستزراع السمكي يضع مصر على خارطة الإنتاج إقليميا

افتتاح أكبر مزرعة في الشرق الأوسط على البحر المتوسط.
الخميس 2021/01/28
الإنتاج السمكي يواكب حاجيات الأسواق

تصدرت مصر قائمة الدول المنتجة للأسماك إقليميا بعد افتتاح أكبر المزارع في منطقة الشرق الأوسط للاستزراع السمكي على ساحل البحر المتوسط، وذلك من أجل مواجهة الطلب المتصاعد على البروتين الحيواني بسبب الزيادة السكانية الكبيرة التي تصل إلى نحو 2.5 في المئة سنويا.

القاهرة - توسعت مصر في نشاط الاستزراع السمكي بغرض سد فجوة اللحوم المتصاعدة، وأمعنت في تدشين المشروعات العملاقة في هذا المجال، وتأتي في المركز السادس عالميا بعد الصين والهند وإندونيسيا وفيتنام وبنغلاديش بإنتاج وصل إلى نحو مليوني طن.

ولجأت القاهرة إلى الاستزراع السمكي بوصفه الأسرع في تلبية احتياجات الأسواق، ولكون دورة حياته سريعة، ويمكن أن تتكرر مرتين في العام بخلاف اللحوم الحمراء التي تحتاج لحوالي عامين على الأقل لحصد مردودها.

وافتتح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل أيام، أكبر مزرعة استزراع سمكي في الشرق الأوسط في منطقة شرق التفريعة بمحافظة بورسعيد شمال شرق القاهرة، على مساحة 26 ألف فدان بمحاذاة ساحل البحر المتوسط وعمق 10 كيلومترات في شرق بورسعيد، وتضم 5908 أحواض استزراع سمكي.

ويعد المشروع الأكبر في منطقة شرق قناة السويس، ويوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل في العديد من المهن والتخصصات، فضلا عن المساهمة في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتحقيق الاكتفاء الذاتي والحد من الاستيراد.

وفتح المشروع الجديد فرصا جديدة للتصدير إلى أسواق المنطقة العربية وأفريقيا وبعض الأسواق الأوروبية القريبة من ساحل البحر المتوسط.

وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) عن اتفاق تعاون مع وزارة الزراعة المصرية لإعداد خارطة استثمارية لاستغلال مياه البحر في الاستزراع السمكي عبر اختيار المواقع المناسبة، وأصناف الأسماك الملائمة للاستزراع وسرعة التيارات المائية.

نادر نورالدين: التوسع في مشاريع الاستزراع لترشيد المياه بدلا من تربية الحيوانات

ودشنت مصر قبل عامين مشروع “غليون” للاستزراع السمكي في محافظة كفر الشيخ شمال الدلتا للمساهمة في سد فجوة استهلاك اللحوم بالبلاد.

ودفع اتساع فجوة استهلاك الأسماك قبل التوسع في الاستزراع السمكي القاهرة إلى فرض رسوم على تصدير الأسماك الطازجة لمدة عام، انتهت في يوليو الماضي بنحو 680 دولارا للطن بهدف توفير احتياجات السوق المحلية.

وقال نادر نورالدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن “مشروعات الاستزراع السمكي مهمة للغاية لأنها توفر بروتينا صحيا للأفراد، إذ تعد الأسماك أفضل أنواع البروتين لصحة الإنسان، لأنها تحتوي على ‘أوميغا 3 ‘ ومذيبات الكوليسترول”.

ورجح في تصريحات لـ”العرب” تركيز مصر على مشروعات الأسماك لأنها لا تستهلك مياها، وتتطلب فقط تجديد الأكسجين، ولا تستهلك الأسماك مياها على الرغم من أنها تعيش فيها، بينما تربية المواشي والأبقار واللحوم الحمراء عموما شديدة الاستهلاك للمياه العذبة.

وتستهلك الرأس الواحدة من الماشية نحو 5 آلاف متر مكعب من المياه حتى تصل إلى وزن 400 كيلوغرام، أي ما يكفي لري فدان أرض على مدار عام بأكمله.

وتتركز تربية اللحوم الحمراء في الدول ذات الوفرة المائية أو التي تتساقط فيها الأمطار الغزيرة، مثل إثيوبيا وهولندا وأيرلندا، حيث تنمو المراعي الطبيعية والأعشاب دون مشقة وتتغذى عليها المواشي، بينما مناخ مصر الجاف يصعب معه تواجد المراعي الطبيعية ما يتطلب زراعة البرسيم لتربية الحيوانات.

وجاء التوسع في زراعة البرسيم في مصر لتربية الأبقار خلال السنوات الماضية على حساب محصول القمح، لذلك أصبحت مصر أكبر مستورد للقمح عالميا، نتيجة تفضيل الفلاح المصري زراعة البرسيم على القمح لإطعام المواشي.

وتزرع مصر نحو 3.5 ملايين فدان من البرسيم لتربية 8 ملايين رأس ماشية بأنواعها المختلفة، بينما تتم زراعة أقل من 3 ملايين فدان من القمح لنحو 100 مليون مواطن، ومن ثم فإن تربية المواشي تستهلك كميات كبيرة من المياه في الدول قليلة الأمطار، فضلا عن أنها تأتي على حساب السلع الإستراتيجية مثل القمح والفول والعدس.

وفتحت مزارع الاستزراع السمكي آفاقا استثمارية جديدة لرؤوس الأموال الأجنبية، فيما أعلنت شركة “هايدا إيجيبت” الصينية عن إنشاء مصنع لأعلاف الأسماك في منطقة “مطوبس” بمحافظة كفر الشيخ شمال القاهرة، لتوريد الأعلاف لمزارع الأسماك.

ويصل متوسط استهلاك المواطن المصري من الأسماك إلى نحو 20 كيلوغراما في العام، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وتتصدر القاهرة المركز السادس على مستوى الوطن العربي في استهلاك الأسماك.

عبدالعزيز السيد: الاهتمام ينصبّ على الأسماك، والدواجن في حاجة إلى التفاتة حكومية

ويعد السمك البلطي أكثر الأنواع استهلاكا بوصفه الأرخص بين الأنواع المختلفة، فيما تتصدر مصر المركز الأول أفريقيا والثالث عالميا في إنتاجه.

وتستهلك تربية الدواجن كميات كبيرة من المياه، لكنها أقل من المواشي، ولذلك تعد الأسماك الخيار الأفضل للبروتين الحيواني للمصريين لانخفاض نصيب الفرد في تناول البروتين عن المعدلات العالمية.

وتحتاج هذه الخطوة إلى نشر ثقافة تناول الأسماك عند المصريين، وفي سبيل ذلك قال المسؤول عن مشروع الفيروز للاستزراع السمكي للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إنه سيتم الاستعانة بالشيف الشربيني، وهو الأشهر والأكثر شعبية في برامج الطبخ المصرية، للتوعية بأهمية تناول الأسماك.

وشهدت مساحات الصيد المفتوح في جميع أنحاء العالم نضوبا ملحوظا، كما أن مستوى الأسماك في البحار والمحيطات انخفض بشدة نتيجة الاستنزاف خلال الأعوام المئة الماضية، وشهدت توسعا للصيد الجائر للأسماك تزامنا مع الزيادة السكانية عالميا.

وأصبح الصيد المفتوح لا يمثل سوى 20 في المئة فقط من الأسماك المتاحة عالميا، بينما 80 في المئة مصدرها المزارع السمكية، وهي نفس النسبة الموجودة بمصر التي تحقق حاليا اكتفاء ذاتيا من استهلاك الأسماك بنحو 85 في المئة، فيما يمكن سد هذه الفجوة بالكامل مع تنمية مشروعات الاستزراع السمكي.

وهناك بعض أنواع الأسماك مثل “الماكريل” الذي يطلق عليه “سمك الفقراء” لرخص سعره، وسوف تتراجع جدوى استيراده من روسيا بعد دخول المشروعات السمكية المصرية مرحلة التشغيل الكامل.

وقال عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بالغرفة التجارية للقاهرة، إن مشروعات الاستزراع جعلت مصر ضمن قائمة الدول مرتفعة الإنتاجية السمكية.

وأوضح لـ”العرب”، أنه رغم هذه الفورة الانتاجية، إلا أن الدواجن لها أهمية كبرى لأنها توفر نحو 75 في المئة من البروتين الحيواني لكل أفراد المجتمع، وهي بحاجة إلى رعاية حكومية قصوى.

وتعد تربية الدواجن الأكثر جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر، مقارنة بالأسماك، إذ شهدت خلال السنوات الماضية تدفق كبيرا لرؤوس الأموال من شركات عربية عدة، لسرعة حركة دوران رأس المال وارتفاع معدلات الطلب الاستهلاكي عليها.

11