الاستشراق في الفن استكشاف لعوالم جديدة

رسامون رحالة يبحثون عن الضوء الحامي والفوارق المضاعفة.
الأحد 2020/09/20
الدخول إلى العوالم المخفية (لوحة للفنان أوجين دولاكروا)

الاستشراق تيار أدبي وفني من أهم التيارات في القرن التاسع عشر، عُني بالإكزوتيزم، ومثّل استلهاما جديدا، بالنسبة إلى أدباء الغرب وفنّانيه، وقد رافق التوسع الاستعماري في شمال أفريقيا بصفة خاصة، وامتزج بمؤثرات مشرقية (تركية بالأساس)، وشكل موضة اعتنقها فنانون أكاديميون وطلائعيون تختلف أساليبهم كل الاختلاف.

لئن كان انجذاب الأوروبيين إلى الثقافات الشرقية يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر مع ترجمة أنطوان غالان لحكايات من ألف ليلة وليلة، وكتاب مونتسكيو “رسائل فارسية” مثلا، فإن الحركة الاستشراقية انتشرت على نطاق واسع مع الغزوات الكولونيالية في شمال أفريقيا، التي عقبت حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، وكانت فرصة للفنانين كي يحلموا بفضاء آخر، بعيد ومختلف، ويكتشفوه بطريقة ملموسة.

لم يكن الاستشراق في الفن تيارا فنيا بأتم معنى الكلمة شأن الانطباعية والتوحشية أو التكعيبية، بل كان موضوعا تصويريا ساهم في التعريف بالشرق (وجنوب المتوسط في نظر الغرب شرق هو أيضا في ذلك الوقت).

البحث عن الضوء

 لقد انحصرت ثيمات الاستشراق في الفن التشكيلي في رسم مظاهر من العالم العربي ومناخه الشرقي، كما لم يكن ثمة فنانون تخصصوا في الاستشراق وحده، بل كانوا رسامين معروفين، لهم أساليبهم الخاصة، خلّدوا مشاهد ومناظر وشخصيات بألوان هذا الفضاء الجديد، مع المحافظة على أساليبهم الفنية الأصلية.

 محظيات دولاكروا، ورونوار، ودانغر على سبيل المثال هي لوحات استشراقية، ولكن أسلوبها مختلف جوهريا لأن أصحابها لا ينتمون إلى نفس المدرسة. أي أن الرسامين الذين سافروا إلى “الشرق” كانوا قد امتلكوا أدوات فنهم وتقنياتهم قبل خوض هذه التجربة، وما الجديد في أعمالهم إلا تطور في استعمال الطلاء، حيث الألوان أكثر حرارة، والفرشة تضفي أصباغا أكثر حمرة أو اصفرارا أو رمادية بحسب الجهات أو المراحل. فالضوء حام، والفوارق مضاعفة، والألوان أكثر سطوعا وبريقا.

أغلب الرسامين المستشرقين التزموا الأمانة في تصوير المشاهد والحياة اليومية والمناظر الطبيعية للبلدان التي زاروها

ثم صار الاستشراق مشغلا عاما في مطلع القرن التاسع عشر منذ احتلال الجزائر، ولم يتخلف عنه الكتاب الكبار مثل فيكتور هوغو وفلوبير وشاتوبريان وجيرار دو نرفال وبيير بونْوَا في وقت كانت الإمبراطورية العثمانية تشهد انحطاطا بطيئا، والقوى الغربية تتنافس في مطامعها الاستعمارية، خاصة فرنسا التي غزت مصر، وساهمت في حرب التحرير اليونانية ثم احتلت الجزائر.

 وكانت أبواب الشرق تنفتح مع كل غزوة، عبر المبادلات والتبشير والأسفار. وكان من بين من سافروا بصفة شخصية أو في إطار مهمة علمية غوستاف غيّومي، وليون بيلّي، وأوجين فرومنتان الذين جابوا “الشرق” تسكنهم رغبة اكتشاف مظاهر الحياة فيه.

ارتبط الفن الاستشراقي بالسفر، إذ زار معظم الفنانين المشرق والمغرب بحثا عما صار وقتها موضة، فقد سافر أوجين دولاكروا إلى المغرب والجزائر، وسافر ألكسندر غابريال دوكان إلى اليونان وآسيا الصغرى، وشارك بروسبر ماريلا في بعثة علمية إلى اليونان وسوريا ولبنان وفلسطين والصعيد المصري ودلتا النيل، كذلك تيودور شيسيريو الذي زار قسنطينة ثم الجزائر العاصمة، وشارل كورديي الذي حط رحله في السودان، وجان لوي جيروم الذي جاب أغلب بلدان الحوض المتوسط.

وتواصلت الأسفار حتى مطلع القرن العشرين ولم يتأخر عنها أهم وجوه الحداثة في ذلك الوقت أمثال رونوار وماتيس وكادينسكي وبول كلي. إذ كان الجميع يسعون لاكتشاف مناخات وأضواء مغايرة يستلهمونها في أعمالهم وخاصة الألوان. يقول أوغست رونوار “في الجزائر، اكتشفت اللون الأبيض. كل شيء أبيض، البرانيس، الجدران، الصوامع، الطريق“.

عين على التاريخ (لوحة للفنان أوجين دولاكروا)
عين على التاريخ (لوحة للفنان أوجين دولاكروا)

غير أن بعض من ولعوا بالاستشراق، اكتفوا بالصور المنشورة والبطاقات البريدية وحتى السرديات التي ألفها العائدون من بلدان الشرق، ولم يغادروا أوروبا ولا أميركا، مثل أنطوان جان غرو وجان أوغست دانغر، ولم يرسموا الشرق إلا من وحي خيالهم. دولاكروا نفسه عاش هذه التجربة، فقد انتقل من رؤية متخيلة استخلصها من قراءاته عن الشرق لرسم لوحات استشراقية وهو في فرنسا مثل لوحة “موت سَردانَبال” التي استوحاها من قراءة روايات لورد بايرون، قبل أن تتاح له فرصة زيارة المغرب عام 1832 ضمن بعثة دبلوماسية، حيث تغيرت نظرته فاختار رصد المشاهد الحية، وملامح من الحياة اليومية ورسم خطوطها الأولية قبل المرور إلى القماشة.

أغلب المستشرقين التزموا الأمانة في تصوير المشاهد والحياة اليومية والمناظر الطبيعية للبلدان التي زاروها، ولكن بعضهم مزجوا ثيمات الفن الأوروبي في أعمالهم، مثل دانغر في لوحتي “المحظية” و”الحمّام التركي” وتيودور شاسوريو في لوحة “إستر تستعد لمقابلة الملك أسويروس”، وجان ليون جيروم في لوحة بعنوان “الحمّام التركي” هي أيضا، حيث يبدو التأثر بالفن الكلاسيكي الأكاديمي واضحا، رغم بعض اللمسات التي يراد منها جعل الفضاء المرسوم مشرقيّ السِّمات.

ولئن انبهروا كلّهم خلال تجوالهم بالعنف الطبيعي للصحراء، فإن غيّومي هو خير من قدّم عنها أكثر الصور جدّة، حيث يبدو هيكل عظمي لجمل في فضاء رملي شاسع تنصلت عليه شمس حارقة، وتلتقي فيه الأرض بالسماء في طبقات أفقية من الألوان، ويلوح في أفقه كالسراب طيف قافلة غائم.

 وكان من ولع غيومي بالجزائر أن سعى إلى وصف حياة سكانها، ففي لوحة “نسّاجات بوسعادة” صورة ثلاث فتيات ينسجن الصوف في عتمة حجرة بقبو بيت صحراوي. ورغم أننا لا نميز تعبير الوجوه، فإن اللوحة توحي بالصبغة المتعبة لهذا العمل التقليدي.

أما فرومنتان، فقد سعى إلى رسم حياة البدو الرحل وعاداتهم. ففي لوحة “الصيد بطيور الباز” ينقل اللحظة التي يجتمع الصيادون خلالها لمكافأة تلك الطيور بقطعة من الطريدة التي صادتها. وقد انبهر فرومنتان بهذا التقليد الذي يجمع بين الصيد والقتال، وصاغه بطريقة تهتم بتفاصيل الحيوانات ولاسيما الفحل الأبيض الموتور، إضافة إلى ملامح الشخصيات، ولو أنه جعل هيئتهم شبيهة بهيئة فرسان العصر الوسيط الغربي. وأمّا بيلّي فقد توقف عند حجيج ذاهبين إلى مكة، ورسم قافلة تغذ السير في الصحراء باتجاه الأراضي المقدسة تحت سيل من الأضواء، وأبدع في الإمساك بدقائق الجِمال وخاصة الشخصيات في لباسهم التقليدي، حتى لكأن اللوحة صورة شمسية قبل الأوان.

أفول نمط فني

نقل الحياة كما هي (لوحة للفنان إيتيان دينات)
نقل الحياة كما هي (لوحة للفنان إيتيان دينات)

لم يكتف المستشرقون برسم المناظر الطبيعية ومشاهد الحياة في الفيافي والقفار والقرى والمدن، بل نقلوا أيضا مشاهد من داخل البيوت وثبّتوا بعض عادات أهلها والأدوات التي يستعملونها ومظاهر الفقر أو الثراء داخلها، بل إن ثمة من ركز على المظاهر الدينية كلوحات إتيان ديني (الذي أسلم وصار يعرف بإتيان نصرالدين ديني) عن المصلين أمام الجامع وعدد زوجات العربي وغسل الصوف على عدوة الوادي وجلب الماء من العيون.

 ورغم تلك النقاط المشتركة، فإن كل فنان يعالج مواضيعه بحسب حساسيته، وخياراته التقنية ودرجة نبوغه ومهارته. فالتقنيات التصويرية وكذلك الأساليب تطورت على مدار قرن بتطور تجارب الفنانين وظهور حركات فنية جديدة.

 وإذا كان القرن التاسع عشر شاهدا على ميل إلى رسم مشاهد الحريم والصيد والمعارك أو وصف مناظر مخصوصة كالصحاري والواحات والنشاط في أنهج المدن، ويتم التركيز على بعض التفاصيل كالأزياء، ومميزات الفن المعماري، وأشياء الحياة اليومية والمسكن، فإن أواخر القرن التاسع عشر، أي حوالي 1880، شهدت تراجع بعض الثيمات قبل أن تُهمل تماما مثل ثيمة الحريم، لتحل محلها دراسة إثنوغرافية أكثر دقة ومناظر طبيعية أقرب إلى الواقع من الصور المتخيلة.

رغم أن في تلك الفترة، بداية من 1870 تحديدا، ظهرت وجوه جديدة من رسامين ألمان وطليان وإنجليز وأميركان جابوا عدة أقطار عربية في شمال أفريقيا ومصر وإسطنبول، واستوحوا منها لوحات عديدة، عرضت في باريس منذ افتتاح صالون للمستشرقين عام 1893، ثم في مختلف متاحف وأروقة المدن الأوروبية.

لقد ظل الرسامون مولعين بهذا النوع من الفن حتى مطلع القرن العشرين وظهور حركات جديدة، وبذلك اختفت الثيمات الاستشراقية تدريجيا، ثم كانت الضربة القاضية باستقلال الجزائر عام 1962، وغلق دار عبداللطيف في عاصمتها، ذلك القصر الذي كان يضم رسامي فرنسا منذ عام 1907، ليعلنا عن نهاية الاستشراق.

Thumbnail
13