"الاستشراق والوعي السالب" يصور الاختناق بنير الطغاة ومرارة الهزيمة

الثلاثاء 2015/04/07
نسلم دائما بوعي سالب للمنتصر حتى في أكثر أكاذيب المنتصر مدعاة للسخرية

أكثر من ستين ألف كتاب في الاستشراق وعنه وحوله، صدرت عبر القرون الخمسة الأخيرة، وبعد تلك الكتب كلها التي لم ينقطع سيلها حتى الآن، ولا يلوح في الأفق ما يوحي بأنه سيتوقف، يبقى سؤال الاستشراق سؤالا مترسخا، والإجابات المتعاقبة سواء في تداخلها أو خارجها تعيد شحذ السؤال وشحنه بالمزيد من الفضول، فهو الذي مهّد للأساطيل والأباطرة بعد أن مهّد للمبشرين. هذا الاستشراق صادر عن أناس ينظرون إلى الحضارة العربية الإسلامية من خارجها.

في كتابه “الاستشراق والوعي السالب” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يذكر خيري منصور “إن القرون الستة الميلادية الأولى، لم تدخل بلاد العرب -كمثال- في حسبان أحد من رجال السياسة والحكم في أوروبا” معزيا الأمر إلى التمدد العربي الذي أدّى بدوره إلى تأسيس الاستشراق، اعتقد أن الأمر ليس على هذا النحو وفقا للمؤرخين الإغريق، بلاد العرب أو العربية تشمل العراق وبلاد الشام ودلتا النيل ومناطق شاسعة من تركيا اليوم، بل إن زينوفون، في كتابه أناباسيس، يجعل العربية تمتد إلى نهر آراس قرب أذرابيجان ويصف العرب بالثراء الفاحش، وأما بليني فيجعل العرب يعيشون عند ضفتي النيل حتى مروي (السودان) وأن مدينة عين شمس أسسها العرب، وهيرودوت يتحدث عن مناطق شاسعة عند ساحل البحر المتوسط في بلاد الشام حتى سيناء تحت حكم ملك عربي. إن الأدلة التاريخية كثيرة لوجود العرب قبل الميلاد في عموم المشرق العربي وأجزاء من إيران وتركيا اليوم.

لكن السؤال ما الذي يجعل المؤرخين الإغريق والرومان يكتبون عن العرب عكس الروايتين الفارسية والاستشراقية؟ أعتقد أن السبب الرئيس هو أن العرب في عصر الإغريق والرومان، لم تكن لهم إمبراطورية مدججة بعقيدة سماوية ولغة خاصة بهم جعلوها لغة عالمية وأثروها بإبداعاتهم الخلاقة، كما حدث بعد الربع الثاني من القرن السابع الميلادي. فقبل هذا التاريخ لم يكن الاحتكاك مؤدلجا برسالة سماوية، بل كانت ممالك لم تتبلور شخصيتها ولم تكن قطبا منتصرا في التبادل الثقافي لدرجة أن تفرضها على الآخرين، كان العرب على الرغم من ممالكهم في أعالي دجلة والفرات (في تركيا اليوم) وفي شمال العراق (الحضر) وجنوبه (ميسان) وفي بلاد الشام، لكن الثقافتين الآرامية والإغريقية هما المسيطران، مع التنويه أن الآرامية والعربية في ذلك الزمن كانتا من التقارب بما يجعلهما لهجتين.

خلط المستشرقين

الغرب حين تعامل مع العرب استشراقا كان بدوافع الانتقام، هكذا بدأت في أسبانيا الدراسات العربية في خدمة التبشير

يتصدى عمر فاخوري في كتابه “آراء غربية في مسائل شرقية” الصادر عام 1925، وفيه يقرأ جهود الاستشراق على أنها تأويلات قبل أي شيء آخر، لأن جهلهم بالحقيقة حسب تعبيره حال دون شفائهم من داء الأحكام السابقة، ويضرب مثالا على الاستشراق المعكوس بقوله “ما رأي الأوروبيين في عالم من أقصى الأرض يتناول المتناقضات التي تكثر في بلاد الفرنسيس (فرنسا) ويمحصها بمنطقه الشرقي البعيد، ثم يهدم قصة الكاردينال (ريشيليو) كما نعرفها ليعيد إلينا ريشيليو آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وطباعه”، ونستنتج من هذا الوعي المبكر عند فاخوري إلى ما يسميه إدوارد سعيد وغيره من دارسي الشرق في الأعوام الأخيرة: نفي الآخر. فإن تصور الغرب للشرق هو تصور ينتج فيه الغرب ذاته أيضا لهذا ستكون له حصته من النفي لذاته.

لأحمد فارس الشدياق رأي في المستشرقين الذين عمل معهم مدة مكنته من إبداء حكم، أرى في ذكره توضيحا لواقع حال علينا أن نتعامل معه بجدية، يقول الشدياق: ومن يعرف منهم بضع كلمات من اللغة العربية ومثلها من الفارسية أو التركية.

فإذا ألّف كتابا بلغته أدرج فيه كل شيء يعرفه عن غيرها، ليوهم الناس أنه لغويّ. ولأنه عاش بين المستشرقين رديفهم في العمل ورأى المسألة كلها من الداخل؛ فهو يواصل السخرية مثلا من كتاب (ريتشاردسون) اللغوي فيقسم بأنه -ريتشاردسون- لم يكن يدري من لغتنا نصف ما يدريه هو. ويواصل الشدياق تعرية المستشرقين الذين عمل معهم، ولو لم أكن قرأت كثيرا عن تاريخ العراق والتنوع اللغوي والديني والمذهبي والعرقي والقومي لقلت إن الشدياق ربما يبالغ، ولكن تجربة القراءة هذه التي أخذت مني أكثر من ربع قرن، جعلتني أقف مستنكرا أمام من يخالف ما ذكره الشدياق.

ثمة أحكام أطلقها المستشرقون والرحالة، تدعو للضحك حقّا فهؤلاء صبّوا جام غضبهم على العرب، عبر تمجيد الأقليات، ورسم خرائط لوجود هذه الأقليات حتى لو كان وجودهم لا يزيد عن واحد بالمئة من السكّان، وعدّوا هذه الأقليات جميعها أصيلة في ذات مناطقها، أما العرب فهم بدو صحارى لا أكثر. هنا يصبح كلام الشدياق ليس تشدقا بهوية يرى الآخر يسيء إليها، إنما انعتاق من الوعي السالب الذي تحكّم بأغلب مثقفينا، إذ لم ينتبه الوعي السالب إلى أن اعتراف الآخر اقتصر على الآثار فقط، أي بما لم يعد كائنا.

الوعي السالب الذي ناقشه خيري منصور، نراه يكشف عن تجاهل بعض الأدباء للتراث العربي الغزير والتباهي بقراءاتنا للأدب الغربي

من مفارقات القدر أن كثيرا من الأجانب الذين كتبوا عن العرب والمنطقة العربية وأعلوا من شأن الأقليات، هم من غير ذوي الاختصاص، وكأن مرور هؤلاء في منطقتنا أو مكوثهم بضعة أعوام تكفي للحكم على ثقافة كاملة ابتداء من اللغة العربية ولهجاتها وليس انتهاء بالأقليات وعراقتهم المزعومة في المنطقة على حساب العرب البدو الأجلاف مثل ما يدّعي المستشرقون، وإلاّ ما هي مؤهلات قاض بريطاني ليحكم أن العامية تنحدر مباشرة من لهجة قديمة أوثق اتصالا باللغتين العبرية والآرامية من العربية الفصحى، وآخر يرى أن الفصحى عبء خطير على “رجل الشعب العادي”، ويقترح أن تبقى لغة للصلاة والطقوس الدينية.

هذا الجهد الجبّار في الاستعلاء والتزوير وفي الحطّ من العرب والعربية، هو الذي فتح الطريق سالكة أمام الوعي السالب أولا ليساهم مع المستشرقين في ترك الحبل على الغارب لمتطرفي الأقليات، حتى أصبح الردّ على أكثر طروحات الأقليات عنصرية وإساءة وتزويرا يحتاج إلى كتابة فقرة في تمجيد هذه الأقلية والاعتراف لها بالمظلومية والحق التاريخي وحق تقرير المصير، ومن ثم يبدأ الرد خجولا، ومع ذلك لا يسلم من هجوم كاسح تمارسه صقور الأقلية ولا سيما التي لم تعرف الكتابة حتى ماض قريب، وليس لها بضعة وعشرون شاعرا بلغتها قبل دكّ مدافع الأوروبيين للمنطقة العربية.

إن الوعي السالب للاستشراق الذي كان ناقشه كتاب خيري منصور “الاستشراق والوعي السالب” في فصوله العشرين، يظهر جليّا في مصطلح “العراق” فهذا المصطلح الذي أطلقه العرب في أقرب تقدير خلال القرن الخامس الميلادي، إن لم يكن قبل ذلك بزمن طويل، قد اتفق عليه أنه من تخوم الموصل (جنوب ماردين) شمالا إلى بلاد عبادان على ساحل البحر جنوبا، ومن حلوان (بعد خانقين) شرقا وإلى البوكمال غربا، أصبح معروفا ومتفقا عليه بين المؤرخين والبلدانيين العرب والمسلمين، ومتوغلا في الذاكرة الجمعية العراقية بما في ذلك بسطاء الناس، وهو ما لمسته وأنا طفل عند كبار السنّ ممن ولدوا في نهايات القرن التاسع عشر أو غرة القرن العشرين؛ فهؤلاء كانوا يتحدثون عن عراق كإقليم جغرافي حفر عميقا في الوجدان.

ما ذكره الشدياق عن الأنكليز ونرجسيتهم وحبهم للظهور تجلى بما زعمه الضابط الأنكليزي فادّعى ما ليس له، أي أنه من أطلق اسم “العراق” على هذه البلاد، والوعي السالب الذي ناقشه الكاتب خيري منصور، نراه يكشف عن تجاهل بعض الأدباء لهذا التراث العربي الغزير الذي يتحدث عن العراق وحدوده والوعي الشعبي بالمصطلح – التسمية، ويذهب إلى القول إن تسمية العراق أطلقها ضابط بريطاني على وطننا وهو ما ذكره في كتابه متباهيا، أي نسلّم بوعي سالب وخضوع المهزوم للمنتصر حتى في أكثر أكاذيب المنتصر مدعاة للسخرية.

أخطر ما في المشروع الاستشراقي، يمكن حصره في "الوعي السالب"

“قدرنا تغيير العالم” هذا ما أعلنه الرئيس الأميركي تيودور روزفلت عام 1898. ومن هذه الجملة التي تتصدر الفصل السادس “مقدمة في الاستشراق الأميركي” بعد مقولة ألكسندر هيج، تتكشف الولايات المتحدة بلا رتوش وبادّعاءات كاذبة، فالأغنية التي انتشرت في العام 1776. والتي تقول:

هذه الأمة الصلبة والهائلة، هذه المستعمرات الضخمة سترى قريبا أسطولنا يندفع هنا وهناك في جميع البحار، وليس الأغنية وحدها، شعراء وساسة ومبشرون بعالم جديد ينتمي إلى نفسه ونفسه فقط.

حين لا يتردد أحد المبشرين في الإعلان: إن شعبا مختارا فقط هو الذي يستطيع الإقامة في هذا البلد الموهوب، ولذلك فإن الله غربل أمّة بكاملها حتى يتمكن من أن يرسل إليها أفضل حبوب عنده. فهو نتيجة لترسيخ نظرية لاهوتية ذات ثلاثة أقانيم: أمرك، نوّر، جدد، مما يعني رفض التاريخ وتحويله إلى أسطورة، وحين أدركوا أن العربية مفتاح اللغات السامية، بدأوا بدراستها، وبعد نصف قرن تماما من بدء الاستشراق الأميركي كمؤسسة، بدأ الوجود الأميركي يظهر كتأسيس لمرحلة أمبريالية جديدة. في ذلك الوقت أصدر المبشر البروتستاني (جوزيا سترويخ) كتابا بعنوان “بلادنا” أعلن فيه “لقد جعلنا الله جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية والهرمة، وقد اختار الله الأميركيين كشعب مختار لكي يقود العالم.

من هنا ليس مستغربا أن يكتب (أيميب يترل) في مجلة هاربر “إن العرب أساسا قتلة والعنف والخديعة محمولان في الموروثات العربية”، هذه العنصرية المفرطة لا نستغرب ونحن نسمع أو نقرأ لمثقفي الوعي السالب ممن يرون كلام الغربيّ في غاية الدقة، مهما تمادى في عنصريته وتطرفه، فيعد كلام (يترل) أعلاه أيقونة يتباهى بها لجلد الذات مثلما حصل حين راحت مواقع التواصل الاجتماعي تضع كلاما لابن خلدون يذكر العرب بكل سوء لا يقل عن الكلام أعلاه، على الرغم من أن العرب حين كتب ابن خلدون كلامه كانوا قد أنجزوا أضخم تراث مكتوب عرفته البشرية، وعدد المدن التي تم بناؤها يزيد على المئة، لكنه الوعي السالب وجلد الذات هما ما يميّزان الكثير من عرب اليوم، إذ اختنقوا بنير الطغاة وحنظل الهزيمة.

النرجسية والاستعلاء والجهل

المستشرقون والرحالة، صبوا جام غضبهم على العرب، عبر تمجيد الأقليات وعدها جميعها أصيلة في ذات مناطقها، أما العرب فهم بدو صحارى لا أكثر

التعميم هو ابتعاد تام عن العلمية ومعاداة للمنهجية، ولكن هذا الاستعلاء فعل فعله في الثقافة العربية، فأصبح بديهيّا التباهي بقراءاتنا للأدب الغربي، وكأن قراءة تراثنا ومنجزنا الثقافي يصبح ناقصا بل ومخجلا إن لم نذكر في معرض حديثنا أسماء غربية، وعناوين كتب مترجمة، أما لو أضفنا جملة “إنني قرأت الأدب الأنكليزي بلغته الأم” على سبيل المثال، فإن أوداجنا تنتفخ فخرا.

إنه الوعي السالب الذي يجعل معظم مثقفينا يتباهون بقراءة الأدب الغربي ولكنهم لم يفكروا للحظة، أن أي حديث عن العرب قبل الإسلام وبدايات تكوّن الدين الجديد والفتوحات، يجب أن تسبقه قراءة واعية لعدد كبير من الكتب تقف موسوعة العلامة جواد علي “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” في مقدمتها، وأن جميع ما أنتجه الغرب من أدب وفكر وفلسفة، لا يغني عن قراءة هذه الكتب؛ وأن أكثر صور الاستلاب والوعي السالب تتجلى في ترديد مثقفينا ما قاله ويقوله الغربيون وهم لا يحسبون حسابا لاختلاف الأزمنة كما يقول فاخوري، فالديمومة التي تمثلها الصحراء كخلفية مكانية وساحة للفكر العربي كما يصر المستشرقون، إنما هو إصرار على تثبيت المشهد في “اللازمانية”، في حين لم يأخذ أحد على عاتقه منهم (مثقفو الوعي السالب) دراسة جغرافية المنطقة، ولا تاريخية الوجود العربي عند الأنهار الكبرى (دجلة، الفرات، النيل، بردى) وسواحل البحار المهمة وفي مقدمتها البحر المتوسط، لما لا يقل عن ألف سنة قبل الإسلام، كذلك عدم التوقف عن حقيقة التغير المناخي وأنه لا يمكن لمنطقة مثل منطقتنا العربية أن تبقى على حالها لا مناخيّا ولا سكانيّا.

الخيال والحقد

يقول رينهارت دوزي “إن البون بيننا (الأوروبيين) وبينهم (العرب) شاسع، فنحن أغنياء الخيال بدرجة تسمح لنا بتذوق الراحة العقلية وندين بتقدمنا لهذا الخيال الذي يرجع إليه الفضل في تفوقنا، وحيثما أعوز الخيال استحال النجاح… إنهم (العرب) أقل أهل الأرض خيالا، وليس علينا للتحقق من ذلك إلاّ اختبار ديانتهم وأدبهم”. في حين نلاحظ رأيا مناقضا تماما عند المستشرق الإسباني أميليو غرسيه غوميس بقوله “إن الشعر العربي لم يكن مترعا بالأخيلة فحسب، بل كان مثقلا بها، حمل منها فوق ما يطيق”، نكتفي بهذين المثالين لتوضيح تناقض المستشرقين والتي لا شكّ أنها تنطلق من موقف أيديولوجي معاد للعرب، وهو ما يعترف به (بوزاني) قائلا: بالرغم من حداثتنا وسعة بالنا فإنه من المؤكد أن شيئا من هذا الحقد المتبادل بين الغرب والعدوّ الأول في تاريخنا -وهو الإسلام العربي- لا يزال موجودا.

في حديث مع شاعر وكاتب، راح يكيل التهم للعرب متهما إياهم بفرض اللغة العربية على العراقيين والشاميين، إلخ… وراح يفخر بالبلد الذي يعيش فيه وكيف يحترمون الثقافة الأم، لكنه بعد أيام قلائل فقط، نشر رسالة من ابنه المراهق بلغة البلد ومعها الترجمة العربية. الشاعر – الكاتب لم يمض عليه في هذا البلد سوى سنوات وابنه هذا كان يكتب لي بالعربية بشكل ممتاز قبل سبع سنوات فقط لا غير، الآن العربية أصبحت ضعيفة، أما الذين ولدوا في بلد التوطين فلا علاقة لهم بحرف عربي واحد، السؤال أيهما الذي أنسى الشعوب لغتها؟

المستشرقون عاملوا العرب على أنهم بدو في الصحراء

نماذج الوعي السالب، يبحثون عن كل ما يسيء للعرب وللإسلام، لا يلتفتون للشعوب والإمبراطوريات الأخرى وما ارتكبته من مجازر ومحو هوية، بما في ذلك ممن جاء من وراء المحيطات، يتحدثون عن طمس للهويات مارسها العرب، في حين المخطوطات السريانية والعبرية والأرمنية لم تمس بسوء، وأن سومر التي يتحدثون عنها تم إخراجها من التاريخ نهائيّا قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة وبقيت مجهولة حتى منتصف القرن التاسع عشر، وأن المنجز البابلي والآشوري والكلدي تم تدميره على يد الفرس ومــن شاكلهم كالميــديين والأخمينيين والفارثيــين والساسانيين، فضـــلا عــن الإغريــق والــرومان. يتجاهلون (نماذج الوعي السالب) عن عمد أن جيش المأمون كان فارسيّا والمعتصم كان جيشه تركيّا، وهؤلاء جميعا عاثوا فسادا ببلادنا وعرب العراق وبلاد الشام من ضمن الضحايا، مثلما يتجاهلون أن أدبيات اللغة السريانية تذكر العرب بخير.

للتذكير فقط أن سقوط نينوى سبق فتح العراق والشام بـ1250 سنة، وسقوط بابل بـ1175 سنة لا غير، وهذه مدة كافية لجعل الشعوب تفقد الكثير مما كانت عليه من ثقافة.

وللتذكير أيضا أن العرب هم من أشاعوا ثقافة الزهور بحيث راجت تجارته وكان مقدار ضريبته يدل على ترف عرف به أهل العراق زمن السطوع الفكري والثقافي العربي. يقول (مومسن) المؤرخ الألماني عن سقوط الإمبراطورية الرومانية “أسوأ ما تتركه مراحل الانحطاط في حياة الشعوب، هو ما يتعلق بذاكرتها التاريخية من هشاشة وضعف بسبب الهزات المتلاحقة التي تفرض عليها الخضوع لما تفرضه تجارب شعوب أخرى”.

إن أخطر ما في المشروع الاستشراقي، يمكن حصره في “الوعي السالب” الذي خلفه هذا المشروع، ولا يزال ينحته حتى أيامنا وما بعد أيامنا، فهو الرديف لفكرة المستعمر عن نفسه، تلك التي يزرع بذرتها المستعمر قبل رحيله؛ ولا يكتفي المستعمر بتبني البذرة بل يتولى رعايتها وتنميتها حتى تصبح لا تظلل مثقفي الوعي السالب فحسب، بل تغذيهم.

خيري منصور: الاستشراق والوعي السالب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر

15