الاستعارة الضائعة

الثلاثاء 2017/05/02

هذا حديث عن الاستعارة باعتبارها شكلا من أشكال التعبير اللغوي وليس حديثا عن الاستعارة كما في أخذ الكتب من المكتبة العامة وإعادتها بعد أسابيع. أهم ما في الاستعارة أن تكون مفهومة وواضح إنها تشبيه لشيء محذوف. يعني أن تقول إن “جنودنا يحاربون مثل الأسود” ليست استعارة ولكن أن تقول “أسودنا خاضوا معركة” تكون استعارة.

وينبغي هنا توخي الحذر مع استخدام الاستعارات أمام الأطفال. فهم الاستعارة يحتاج إلى فهم عميق للأفكار وخبرة في احتمالات وقوعها. عندما تقول أسودنا في المعركة لا يفهم السامع الذكي أن عندك حديقة حيوانات فيها أسود تخرج من أقفاصها لتتعارك وتعود مع موعد تقديم وجبة المساء.

الإنكليز مولعون بالاستعارة، وبالاستعارة الملطفة بالذات. يتحاشون الكلمات القاسية والجارحة ويستعيرون تعبيرا لطيفا ليؤدي المعنى. عندما جئت إلى إنكلترا لم أكن أعرف هذا، كنت مثل الأطفال يصدقون المعنى الحرفي للكلمات. انتبهت إلى أن نشرات الأخبار تقول لدى ذكر جريمة ما، تقول إن أحدا ما يعين الشرطة في تحرياتها. كنت أقول يا لهم من شعب طيب: ما أن تقع جريمة حتى يتطوع من يساعد الشرطة.

لكني بمضي الوقت عرفت أن هذه استعارة ملطفة وأن الرجل الذي يقولون عنه “يساعد الشرطة في تحرياتها” هو في الواقع شخص ألقي القبض عليه وهو رهن التحقيق يعني الآن في غرفة موحشة والمحققون يتوالون عليه صراخا وقسوة. اكتشفت أن “الرجل الذي يعين التحريات” استعارة ملطفة عمن ألقي القبض عليه وانتزع من فراشه في ساعات الفجر الأولى وهو يرتجف في غرفة التحقيق وضوء مصباح ساطع مسلط على عينيه.

عندما تقول سيصيبنا الفقر وسننام في الشوارع أمام الأطفال يتصورون المبيت في الشارع حقا وليس حتى على الرصيف بل الإسفلت نفسه، ويصور لهم عقلهم مرتبات مفروشة ومخدات وبطانيات على الإسفلت بين السيارات وهدير المواصلات العامة.

كنت في القاهرة في إحدى الحواري وسمعت امرأة تجادل بائع الخضار في سعر الباذنجان وترمي البائع بصفات الجشع والاستغلال وهو يؤكد أن الباذنجان غال من عند بائعي الجملة ويقول “هو سعره جنيهان إلا ربع بالجملة، ماذا أفعل؟ هل أقطّع نفسي؟”.

هنا انشقت الأرض عن ولد صغير في الخامسة، دامع العين حانقا ممسكا بيد البائع الذي يبدو أنه أبوه وصرخ بالمرأة بكل الهلع الممكن “ماذا تريدين من أبي؟ هل تريدينه أن يقطع نفسه إلى قطع صغيرة بسكينة اللحم التي عندنا في المطبخ؟”.

ملاحظة: “الأرض تنشق عن الأطفال” لأننا لا نراهم قادمين لصغر حجمهم وننتبه إلى وجودهم فجأة حين يقومون بشيء.

24