الاستعصاء السوري

الاثنين 2014/12/29

لا ينبع الاستعصاء السوري من التفوق العسكري للنظام، وقدرته على السيطرة، واستناده إلى شبكة سلطوية واجتماعية متماسكة، وإلى تحالف إقليمي ودولي، فقط، وإنما هو يستمده، أيضاً، من عوامل أخرى. فعدا العوامل الخارجية المتمثلة في الخذلان الدولي لثورة السوريين، والمداخلات غير المناسبة، أو المضرة، للأطراف الدولية والإقليمية والعربية، التي تلاعبت بالثورة، ثمة أيضاً المشكلات الذاتية التي أعاقت تطورها، وحدت من قدرتها على جذب مزيد من القطاعات الشعبية إليها، وسهّلت صعود الجماعات العسكرية المتطرفة التي تتغطى بالإسلام، مثل داعش والنصرة.

يأتي في مقدمة هذه المشكلات عدم قدرة هذه الثورة على الانتظام، كبديل للنظام، وضمن ذلك تعذر قدرتها على تنظيم أوضاعها، في هيكلية سياسية وعسكرية ومدنية وإغاثية، علما أننا نتحدث عن مدى زمني قدره أربعة أعوام. والقصد أن العفوية التي اتسمت بها ثورة السوريين، في بداية انطلاقها، والتي كانت تعبيرا طبيعيا عن حرمان المجتمع السوري من السياسة. والتشكيلات السياسية، باتت بمثابة عامل تأخير وفوضى واستنزاف للثورة. فمن غير المفهوم استمرار ضعف المبنى التنظيمي للثورة، في إطاراتها السياسية والعسكرية والمدنية، لاسيما مع تعثر الائتلاف الوطني، وكل التشكيلات المنضوية فيه، أو المتفرعة عنه (حكومة مؤقتة، مجلس عسكري، لجنة الإغاثة، المجالس المحلية).

مشكلة الثورة السورية تكمن، أيضاً، في التحول نحو العسكرة دون أن تسبق ذلك أية محاولة لترتيب مرجعية أو إطارات سياسية وتنـظيـمية لها، ودون التبصر في كيفية إدارة الصراع في الميدان العسكري، مع ملاحظة التفوق العسكري للنظام، واستناده إلى قـوى عسكرية إقليمية ودولية، في ظل افتقار الـثورة للإمكانيات العسكرية المناسبة.

ثمة هنا أسئلة تطرح نفـسها، مع التـسـليم جدلا بمـشروعيـة التحول نحو العسكرة. مثلا هل كان ضروريا أن تـسير الأمور على النحو الذي سارت عليه عسكريا؟ وبمعنى أدق، هل السيطرة على أجزاء من بعض المدن كانت عملا ضروريا لإضعاف النظام، أم كانت ثمة خيارات عسكرية أخرى ربما أنسب وأجدى؟ ثم هل خدمت هذه الاستراتيجية الثورة ومجتمعها أم أضرت وأفادت النظام؟ أيضا، هل زجّت السيطرة على هذه المناطق كتلاً شعبية أكبر في الصراع ضد النظام أم أخرجتها من هذه الدائرة؟ وأخيرا، هل ساهم ذلك في تشتيت القوى العسكرية للنظام أم سهّل تحشيدها وتحسين إدارتها، لاسيما مع فرض الحصار على كثير من المناطق “المحررة” في حمص وحلب ودمشق؟

المشكلة الثالثة تتعلق بخطابات هذه الثورة التي انطلقت، أصلاً، لإسقاط نظام الاستبداد والفساد، ومن أجل الحرية والكرامة والمساواة والمواطنة والديمقراطية، والتي باتت اليوم وكأنها تعرض خطابات أخرى تتعارض مع الخطابات الأصلية. ومع التأكيد بأن هذه “الانحرافات” هي نتاج انتهاج النظام سياسة الأرض المحروقة، ونتاج تعمده تدمير البيئات الشعبية التي يعتبرها معادية، ما تسبب في إزاحة المجتمع السوري من المشهد، فإنها أيضا بمثابة انعكاس لحال الانفلات في الثورة، وتصدر الجماعات المتطرفة، التي استبدلت الخطابات السياسية بالخطابات الدينية، الأمر الذي أضر بصدقية الثورة وشوش على مقاصدها، وأضعف قدرتها على خلخلة القطاعات المجتمعية المرتبطة بالنظام، أو القلقة على مستقبلها.

هكذا، يبدو الوضع السوري اليوم في حال استعصاء، فالنظام لم يعد يستطيع الاستمرار، والثورة لم تثبت ذاتها بعد كبديل شرعي ومناسب، في حين أن القوى المتطرفة غير مقبولة لا سوريا ولا إقليميا ولا دوليا، علماً أن أزمة النظام تتعلق بكيفية نهايته أو رحيله، في حين أن أزمة الثورة تتعلق بكيفية إثبات ذاتها إزاء السوريين وإزاء العالم.


كاتب سياسي فلسطيني

9