الاستعصاء السياسي اللبناني: اغتيال الطائف بين السلة والمؤتمر التأسيسي

قبل أن تحل أزمة الرئاسة في لبنان كان الكل يتطلع، محليا وإقليميا ودوليا، إلى تسوية سياسية بين الأطراف اللبنانية ويحاول أن يقنع نفسه بأنها مفتاح الأزمة، لكن، وعلى ضوء ما ألقت به رياح هذه التسوية لا يبدو أن الغيوم ستنقشع قريبا من أجواء الاستعصاء السياسي الراهن.
الثلاثاء 2016/11/29
العين على ما بين السطور

بيروت – يكشف الاشتباك السياسي الحاد بين مختلف القوى السياسية في لبنان عن واقع صراعي يتجاوز بكثير الخلافات حول الحقائب الوزارية في الحكومة المنوي تشكيلها ويتعداها. يتخذ الخلاف كما تدل المعطيات الواردة من كل الاتجاهات شكل صراع على هوية البلد، وعلى الصيغة التي يجب أن تسوده وتحكمه.

لا يأخذ هذا الصراع في الاعتبار كل الصيغ السابقة والمعمول بها من اتفاق الطائف أو ميثاق 1943 أو حتى الدستور اللبناني نفسه، بل لا يأخذ في الحسبان سوى أمر واحد هو موازين القوى.

ويعلم الجميع أن موازين القوى في المنطقة تميل لصالح الطرف الشيعي وتحالفاته، حيث يكشف المشهد الحربي في المنطقة عن هزيمة واضحة للسنة في سوريا والعراق. ويدل مجرى المعارك في مدينة حلب السورية على أن هذه المدينة التي تمثل أكبر معاقل المعارضة في البلاد ساقطة عسكريا، وأن إعلان سقوطها الفعلي لن يتأخر كثيرا.

ولا تقيس القوى التابعة للمحور الممانع سوى بهذا المقياس وحسب. ليس أدل على ذلك أكثر من أن حزب الله، الذي يعتبر الرئيس ميشال عون حليفه المباشر، عمد إلى إطلاق رسائل عسكرية مباشرة إلى العهد الرئاسي، تارة من القصير السورية وطورا من قرية الجاهلية اللبنانية، مع استعراض سرايا التوحيد التابعة لوئام وهاب بحضور ممثل عن الحزب.

كل هذا يعني أن الاستعصاء السياسي يردد أصداء الانتصار الحربي الشيعي الذي يعلن بوضوح أن المرحلة ليست مرحلة تسويات في المنطقة بل مرحلة انتصارات.

تاليا فإن المطلوب من القوى السياسية اللبنانية جميعها أن تقرأ هذا الواقع وتتعامل معه، وتتفاوض ليس حول تقاسم السلطة بل على شروط الاستسلام.

سلة الرئيس بري

صمّمت الشيعية المنتصرة خطابا خاصا بها وهي تسعى إلى جعله يسمو على كل الاتفاقات السائدة، سواء المرحلية والظرفية أو تلك التأسيسية والتاريخية.

وتطرح سلة الرئيس نبيه بري التي كان قد عرضها قبل انتخاب الرئيس ميشال عون كبديل عن الحلف الثنائي بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والذي أنتج خطاب التمثيل المسيحي الوازن، وعن الاتفاق الذي جرى بين رئيس تيار المستقبل سعد الحريري والتيار الوطني الحر.

لكن، لا تقدّم سلة الرئيس بري كصيغة للتفاهم والنقاش بل كصيغة عليا يجب أن تحكم مسار تأليف الحكومة، وتحدد وظيفة العهد الرئاسي وحدود حركته، أو سيصار إلى تحجيم العهد وإفشاله ومنع تشكيل الحكومة.

ما يطرح ليس مشروع اتفاق سياسي بل شكل ملون من أشكال الإخضاع، يستعمل حزب الله فيه صورة رئيس المجلس النيابي نبيه بري كرجل قانون، لفرض اتفاق يمنع بموجبه تفعيل كل الاتفاقات التي جرت بين الأطراف السياسية، ويعيد تهيئة المناخ لطرح مشروع المؤتمر التأسيسي.

العلاقة واضحة بين مشروعي الثنائية الشيعية بشأن الصيغة الحاكمة التي يراد للبلد أن يتكون من جديد على أساسها. وسلة الرئيس بري هي التمهيد الضروري للمؤتمر التأسيسي لأنها تضع قواعد جديدة لعمل الرئاسة وتشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات، ما يعني أن الصيغ القائمة قد توقفت عن العمل ولم تعد فاعلة. هكذا فإن مشروع المؤتمر التأسيسي الذي يدعو إليه حزب الله يجد البيئة المناسبة لطرحه كمشروع صيغة عليا تحكم لبنان. يحاول كل طرف لبناني أن ينتزع لنفسه موقعا داخل خارطة الخراب التي تتنامى يوما بعد يوم.

والرئيس المنتخب يشدد على اتفاق الطائف وعلى المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ولكنه كان قد سبق له أن أقام حلفا مع القوات على أساس طرح قانون الانتخاب الأرثوذوكسي الطائفي، كما أنه يهمل جزءا أساسيا من اتفاق الطائف، وهو ذلك الذي يقول بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية.

الحراك على الساحة اللبنانية لا يبدو أنه يمكن أن يساهم في تشكيل أفق جديد في العمل السياسي في البلاد

يفرض الطائف إذن على رئيس الدولة أن يكون في مواجهة سلاح حزب الله، وأن يفرض عليه تسليمه إلى الدولة اللبنانية وخصوصا أنه قدم نفسه بصفته الرئيس القوي. لا تكمن المفارقة في أن الرئيس القوي لا يستطيع أن يفرض على حزب الله تسليم سلاحه وحسب، بل تكمن أساسا في أنه حليف لهذا الحزب الذي تنطبق عليه أوصاف الميليشيات التي ينص الطائف على حلها.

مأزق الحريري

يحاول تيار المستقبل من جهته تركيب خطاب يفصل فيه نفسه عن الواقع السني المأزوم في المنطقة بشكل لا تكون فيه هزيمة السنة في المنطقة هزيمة له. وقد حرص مؤخرا على دفع التسويات إلى الحدود القصوى الممكنة مع إيصال خصمه السياسي إلى سدة الرئاسة.

لكن، لا يبدو أن هذا الحراك يمكن أن يساهم في تشكيل أفق جديد في العمل السياسي اللبناني، حيث أن التسويات التي قبل بموجبها سعد الحريري إيصال الجنرال عون إلى سدة الرئاسة لا تزال ناقصة وتبدو مع كل لحظة غير ممكنة، ويفقدها تسارع الأحداث جدواها ومعناها.

تشكيل الحكومة إذا ما حصل قريبا فإنه لن يكون حاملا لأي معنى فعلي، لأن الصيغة التي ترسم للبلد ليست في يد رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ولا الحكومة. لا يمكن تسويق تشكيل الحكومة، وخصوصا إذا تشكلت وفق الصيغة التي يطالب بها حزب الله والقاضية بضم كل ممثلي النظام السوري إليها، بوصفها انتصارا لمشروع الاعتدال والتسويات، بل لن يقبل الحزب بتشكيلها إلا اذا كانت مؤشرا على انطلاق مشروعه الرامي إلى إنهاء عناوين الصيغة كما تمثلت في الطائف وغيره.

ولا يبدو سعد الحريري قادرا على العبور بسلام في محيط المتناقضات الذي وجد نفسه فيه، فهو يتفاهم مع ممثل الطرف الإيراني في لبنان وينسحب تجنبا للإحراج حين يأتي السفير السوري للمشاركة في تقديم التهاني بعيد الاستقلال في القصر الجمهوري.

كيف يمكن إدارة هذا التناقض إذا تشكلت حكومة تضم ممثلي النظام، وخصوصا هؤلاء الذين لا يملكون صفة تمثيلية على الأرض؟ هل ستكون حكومة وحدة وطنية، أو حكومة سعد الحريري، أو حكومة التمهيد للمؤتمر التأسيسي؟

إن الاستعصاء القائم يحمل عنوان تفجير كل الصيغ القائمة في البلد، وهو أبعد بكثير من فرض قانون انتخابي أو تأجيل الانتخابات أو تشكيل الحكومة.

وما يطرحه هذا الاستعصاء هو مشروع صيغة حاكمة جديدة، تستجيب لمفاعيل الانتصارات والهزائم وليس السياسة والتسويات.

كاتب من لبنان

7