الاستغباء العثماني الجديد

الخاضعون القدامى للاستعمار وقعوا في الفخ مكرهين، إما لجهلهم وإما لعجزهم. إلا أولئك الذين يحكمون في المسافة بين طرابلس والدوحة، فقد قبلوا استغباءهم طائعين، ويدفعون لمُستغبيهم فرحين.
الاثنين 2020/06/22
أردوغان يحاول أن عوراته الاقتصادية بأعمال النهب المزدوج

المستعمرون القدامى ماذا كانوا يفعلون؟ كانوا يقدمون قروضا لمن يرغبون باستعمارهم. ثم عندما يعجزون عن الدفع فإنهم كانوا يرسلون لهم قوات مسلحة لتجبرهم على الدفع، أو لكي تستعمر بلادهم كتعويض. والاستعمار لم يكن ليبدو قبيحا. فالكلمة هي “استعمار”، إعمار، أو إعادة إعمار. والغاية لم تكن لتقتصر على تسديد ديون، وإنما لإضافة ديون أخرى فوقها. فالإعمار مكلف أيضا. والشركات “الاستعمارية” لا تعمل مجانا.

سوى أن رجب طيب أردوغان يرسل مرتزقة أيضا إلى ليبيا. ولقد وقع على ضالته بوجود حكومة، هي نفسها حكومة مرتزقة، لا تملك من أمرها شيئا. وقد تملك القدرة على الزعم أنها حكومة إلا أنها لا تملك الحرية ولا الإرادة ولا القدرة على أن ترفض لرجب طيب أردوغان طلبا. كيف لا وهو الذي يحميها. كيف لا وهو الذي يرسل وزراءه ليس من أجل الدفاع عنها فحسب، ولكن من أجل جباية المال منها أيضا. فإذا وجدت حكومة الارتزاق نفسها عاجزة عن الدفع دفعت من استقلال ليبيا وسيادتها لكي تُرضي سيدها العثماني الجديد.

والأمر قبيح منذ بدايته. ومفضوح إلى درجة أن شيئا لا ينطبق عليه أكثر من الوصف الساخر بأنه استغباء، وليس استعمارا. إذ لا شيء في ليبيا المأزومة يمكن استعماره من دون حل سياسي. فماذا يبقى لحكومة لا تسيطر إلا على شريط ضيق من الأرض غير استغبائها هي على أمل أن تنطلي الحيلة على الليبيين فيرضون بأن يستغبيهم أردوغان وعصابته من الإخوان المسلمين.

لا الاقتصاد التركي المثقل بالركود والتضخم ولا الشركات التركية المثقلة بديون تزيد عن 225 مليار دولار يمكنهما أن يوفرا المال الكافي لبدء أيّ أعمال من دون تسديد مسبق

مسؤول تركي قال في حديث مع وكالة رويترز مؤخرا “إن تركيا مستعدة للبدء بخطى سريعة في إعادة إعمار ليبيا”. حصل ذلك بعد أن قام وزيرا الخارجية والمال التركيان بزيارة إلى ليبيا. الأول لكي يقدم الفاتورة، والثاني لكي يتوسع فيها باستعمار مستقبل ليبيا بعد يومها الراهن.

مولود جاويش أوغلو قال لدى عودته إن محادثاته في طرابلس لم تقتصر على دعم حكومة فايز السراج، بل إنه ناقش بالتفصيل “سبل تعزيز التعاون في كل مجال. وكذلك الخطوات التي سيتم اتخاذها، ومنها تعيين حدود مناطق الاختصاص البحري واتفاقية للطاقة”.

وبينما قالت أبواق أنقرة إن زيارة الوزيرين “تهدف إلى وضع نهاية للقتال”، فإن المسؤول التركي قال “إنهم ناقشوا المدفوعات المستحقة للشركات التركية عن أعمال الطاقة والبناء السابقة في ليبيا”. وبحسب هذا المسؤول فإن الطرفين بحثا “السبل التي يمكن لتركيا أن تساعد من خلالها في كل مشروع يمكن تصوره”، أو بمعنى آخر في كل شيء يمكن لتركيا أن تتخيله.

هل يمكن لأيّ استعمار أن يطمح في أيّ شيء أقل؟

حكومة التابعين المُستغباة في طرابلس كانت قد سلمت تركيا عدة مليارات من عائدات النفط. وزادت عليها عدة مليارات من احتياطات النقد ومن أموال الاستثمارات الليبية في الخارج.

بمعنى آخر فإنها كانت قد نزعت عن نفسها آخر ثوب لتتعرى كليا أمام ولي أمرها الجديد الذي عاد ليسترها بمرتزقة. ويفترض بحكومة المُستغبين أن تدفع لهم كما تدفع للجيش التركي الذي يحميهم.

حجم الأعمال التركية المتعاقد عليها في ليبيا يبلغ حسب رويترز 16 مليار دولار، بما في ذلك ما بين 400 و500 مليون دولار في مشاريع لم تبدأ بعد.

ولكن لا الاقتصاد التركي المثقل بالركود والتضخم ولا الشركات التركية المثقلة بديون تزيد عن 225 مليار دولار يمكنهما أن يوفرا المال الكافي لبدء أيّ أعمال من دون تسديد مسبق.

المقابل الوحيد لهذه العلاقة غير المتكافئة مع حكومة طرابلس هو إعادة استعمار ليبيا، من ناحية لضمان تسديد الديون ومن ناحية أخرى لتوسيعها أيضا.

الأمر قبيح منذ بدايته. ومفضوح إلى درجة أن شيئا لا ينطبق عليه أكثر من الوصف الساخر بأنه استغباء، وليس استعمارا. إذ لا شيء في ليبيا المأزومة يمكن استعماره من دون حل سياسي

كم من المال تملك حكومة السراج؟ أردوغان هو الذي يعرف. وبرغم أنه يحصل على تمويلات ارتزاق من قطر لكي تغطي أدواره القذرة في ليبيا، فإنه مثل المنشار “طالع واكل نازل واكل”، يأخذ من قطر ويأخذ من المُستغبين. فإن لم يجدوا ما يدفعون أجبرهم على توقيع عقود إضافية وألزمهم بعهود تكبل أعناقهم وأيديهم وأرجلهم من خلاف.

المشكلة لا تتوقف عند أردوغان نفسه. فهو في النهاية يحاول أن يستر عوراته الاقتصادية بأعمال النهب المزدوج. المشكلة إنما تمتد إلى المُستغبين أجمعين على امتداد المسافة من طرابلس إلى الدوحة.

هؤلاء لا يتصرفون كخونة لمصالح أوطانهم. هذا ربما كان أهون الشرور. فللخيانات تبريرات ولها أيديولوجيات تدافع عنها، بل إن لها فتاوى أيضا، الأمر الذي يجعلها تبدو وكأنها جريمة مقدسة.

المشكلة هي أنهم “خارج التغطية” إلى درجة أنهم يكررون التاريخ، مرة كمأساة ومرة كمهزلة. ولا أحد يعلم كيف يريدون أن ينظر إليهم التاريخ.

“الاستغباء” بهذا المعنى، مشكلة أعقد من الخيانة وأكثر سوءا. ولكنه في ليبيا أسوأ من ذلك أيضا، حتى لكأن الدرك الأسفل يظل يجد لنفسه دركا أسفل منه.

الخاضعون القدامى للاستعمار وقعوا في الفخ مكرهين، إما لجهلهم وإما لعجزهم. إلا أولئك الذين يحكمون في المسافة بين طرابلس والدوحة، فقد قبلوا استغباءهم طائعين، ويدفعون لمُستغبيهم فرحين.

9