الاستفتاء البريطاني يوقف عجلة التاريخ الأوروبي ويعيدها إلى الوراء

الاثنين 2016/06/20
تداعيات وخيمة

قد تكون عجلة التاريخ الأوروبي في طريقها للدوران إلى الخلف إذا اختار البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي. وسيكون ذلك على الأرجح بداية عملية تفتت للهياكل الاقتصادية والسياسية والأمنية التي بنيت بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

وحتى إذا قرر البريطانيون البقاء في الاتحاد فلن يتبدد قريبا ما تمخض عنه النقاش في قضايا تخص الاتحاد الأوروبي ورد الفعل العكسي المناهض للعولمة ولدول النخبة الصناعية على جانبي الأطلسي.

ولا أحد يعرف مدى انتشار العدوى وسرعتها في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد ومن المستبعد أن يتوقف الأمر عند خروج دولة كبرى واحدة.

وقد حذر دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي، وهو مؤرخ ورئيس سابق لوزراء بولندا، من أن “خروج بريطانيا قد يكون بداية ليس لتدمير الاتحاد الأوروبي فقط بل الحضارة السياسية الغربية بأسرها”.

وأكد أنه إذا نجح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في إقناع البريطانيين بالبقاء، فإن ما استخدمه من أساليب في المطالبة بإعادة التفاوض على شروط العضوية في الاتحاد الأوروبي واستخدام الاستفتاء كوسيلة ضغط سيغري بالتأكيد الساسة في دول أخرى.

وفي حال خروج بريطانيا ستسعى ألمانيا وفرنسا اللتان شاركتا في تأسيس الاتحاد لتدعيم ما تبقى منه وطرح مشاريع جديدة في مجال الأمن والدفاع. لكن عدم اتفاقهما على أسلوب تدعيم منطقة اليورو وكذلك احتمال فوز أصحاب المواقف الشعبوية المناهضين للاتحاد الأوروبي في الانتخابات بهاتين الدولتين في العام المقبل قد يجعلان من المستحيل طرح أي مبادرة كبرى لتحقيق التكامل.

وفي هولندا أرغم المشككون في الوحدة الأوروبية السلطات على إجراء استفتاء في أبريل على اتفاق للاتحاد الأوروبي يقضي بتوثيق العلاقات مع أوكرانيا وحشدوا ما يكفي من الأصوات لكي تخرج النتيجة برفض الاتفاق، الأمر الذي خلق مشكلة قانونية عويصة لسلطات هولندا والاتحاد الأوروبي.

ويخطط فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر الذي يتباهى بأنه أقام “ديمقراطية غير ليبرالية” لإجراء استفتاء عام في أكتوبر لتحدي القواعد الأوروبية التي تلزم الدول الأعضاء باقتسام عبء استقبال اللاجئين.

وفشل اليمين المشكك في الوحدة الأوروبية بفارق بسيط في الفوز في انتخابات الرئاسة في النمسا الشهر الماضي مستفيدا من موجة العداء للمهاجرين وتحدي سلطة بروكسل.

ويظهر أحدث مسح أجراه مركز أبحاث بيو للاتجاهات الأوروبية أن التأييد الشعبي للاتحاد انخفض بشدة في أنحاء أوروبا وكان أكبر هبوط في فرنسا حيث أيد الاتحاد 38 بالمئة فقط من المشاركين أي أقل مما في بريطانيا بست نقاط.

ومن المفارقات أن التأييد للاتحاد الأوروبي أقوى في بولندا والمجر منه في أي دولة أخرى، رغم أن حكومتيهما من أشد الحكومات الأوروبية تشككا في الوحدة الأوروبية. لكن العداء الشعبي للمشاركة في المخاطر، ازداد قوة حتى قبل الاستفتاء البريطاني ووسع الفجوات بين الشمال والجنوب والشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي.

ومن أبرز المنزعجين من ذلك، مسؤولو رسم الاستراتيجيات في الولايات المتحدة وحلف الناتو، المقتنعون بأن خروج بريطانيا سيضعف قدرة الغرب على التصدي للتحديات الأمنية.

ومن هذه التحديات تعاظم الدور الروسي والتطرف الإسلامي وحروب الشرق الأوسط، التي أدت إلى هجرة الملايين والهجمات الإلكترونية على الشبكات الاقتصادية والأمنية.

ولفترة طويلة ظلت لندن شريك واشنطن في الدفاع والاستخبارات لكنها ازدادت عزوفا عن المشاركة في العمل العسكري منذ الحربين اللتين قادتهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وما صاحبهما من مواقف شعبية مناوئة.

ويواجه حلف الناتو صعوبات اليوم في العثور على دول أوروبية مستعدة لنشر أعداد متواضعة من القوات لدعم دول البلطيق وشرق أوروبا القلقة من استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم ودعمها للمتمردين في شرق أوكرانيا.

ويقول بعض مؤيدي خروج بريطانيا إن الاتحاد هو “قصة الأمس” وإن الخروج سيتيح لبريطانيا أن تكون أكثر عالمية، رغم ما سيثيره من خلافات شروط انفصال ثاني أكبر اقتصاد وقوة عسكرية في الاتحاد.

ويرى ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية ومخطط السياسات السابق بوزارة الخارجية الأميركية أن “مشروع البناء الأوروبي الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية وأدى لضمان ألا تصبح أوروبا مرة أخرى ساحة لعدم الاستقرار، سيتعرض للخطر”.

وأكد أن أوروبا التي انطلقت منها شرارة حربين عالميتين أصبحت “مملة” بعد انتهاء الحرب الباردة.

10