الاستفتاء على مشروع الدستور أمل المصريين في تحقيق الاستقرار

الأحد 2014/01/12
مشروع الدستور المصري يكتمل بعد سادس اقتراع منذ سقوط مبارك

القاهرة- وصل عشرات من المراقبين الدوليين الذين يمثلون الإتحادين الأوروبي والأفريقي وبعض المنظمات الأمريكية إلى مصر الأحد للمشاركة في متابعة الاستفتاء على الدستور المزمع إجراؤه يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين.

وقالت مصادر من اللجنة العليا للإنتخابات، كانت في استقبال الوفود، إن مشاركة المراقبين الدوليين تأتي في إطار دعم ثورة 30 يونيو ودعم خطوات تنفيذ خارطة المستقبل.

وأضافت أن الوفود تضم خبراء من الإتحادين الأوروبي والأفريقي ومؤسسة الديمقراطية الدولية بالولايات المتحدة الذي يضم وفدها حوالي 80 مراقبا دوليا برئاسة إريك بيورلوند لمتابعة سير عملية التصويت والفرز في الاستفتاء على الدستور حيث تم توجيه دعوة للمؤسسة لمراقبة الاستفتاء.

ويتوجَّه أكثر من 50 مليون مصري بعد يومين إلى صناديق الاقتراع للتصويت على مشروع الدستور المعدَّل، آملين بتحقيق استقرار أوضاع البلاد وانتهاء المرحلة الانتقالية المستمرة منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي والتي قتل خلالها نحو 1300 شخص وأصيب قرابة 6 آلاف آخرين.

وقال أمير سالم الناشط الحقوقي البارز إن "مشروع الدستور يُحقق ما بين 85% إلى 90% من مطالب الشعب"، معتبراً أن النسبة الباقية المأمولة سيحصل الشعب عليها تباعاً ومن خلال معارك قانونية.

واعتبر أنه بمجرد توجّه المواطنين للمشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور فإن مصر تكون قد خطت أول وأهم خطوة على الطريق الصحيح نحو الديمقراطية.

وتفرغت أجهزة الدولة والمؤسسات الدينية والفعاليات النقابية من أجل هدف حثَّ المواطنين على المشاركة في الاستفتاء المقرر يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين والموافقة عليه، وشهدت مختلف المحافظات المصرية الـ27 مؤتمرات شعبية ألقى وزراء وكبار المسؤولين في الدولة كلمات تدعو إلى الموافقة على الاستفتاء، فيما كان لافتاً في هذا السياق دعوة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية للتصويت بنعم حيث أكد أن "قول نعم في أمثال العرب تزيد النعم وتعطي بركات ونِعماً كثيرة في عمل مصر وتكون هذه الخطوة أساسية للمستقبل".

كما بذل الأزهر ودار الإفتاء جهوداً لافتة لمقاومة عمليات تشويه واسعة تعرَّض لها مشروع الدستور على يد منتمين لتنظيم الإخوان والتيارات المتحالفة معه وفي مقدمتها الجماعة الإسلامية والجبهة السلفية وتيار محدود داخل الدعوة السلفية التي تؤيد في غالبيتها المشروع، ومن أبرز تلك الحملات الادعاء بأن مشروع الدستور يدعو إلى مساواة المرأة بالرجل في قضية الميراث بالمخالفة للشريعة الإسلامية!!

وقامت "لجنة الخمسين"، التي تشكلت بموجب خطة "خارطة المستقبل" التي توافقت عليها القوى السياسية والدينية في مصر عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي مطلع يوليو الفائت، بتعديل جملة من المواد الواردة في دستور 2012 مثَّلت أحد أبرز أسباب اندلاع ثورة 30 يونيو 2013 التي أزاحت نظام الإخوان المسلمين، وقامت اللجنة بإدخال مجموعة من المواد أكد مراقبون وخبراء في القانون الدستوري أنها تمثِّل تعهدات على الدولة برعاية وضمان حقوق العمال والفلاحين والمرأة والمسيحيين وأصحاب الاحتياجات الخاصة.

وثمة حقيقة تبرز وسط زخم الدعاية غير المسبوقة لمشروع الدستور، وهي أن دستور 2012 الذي اصطلح الإعلام المصري على تسميته "دستور الإخوان" هو الغائب الحاضر في المشهد المصري، فالمتحمسون لمشروع الدستور لا يهدفون فقط إلى ضمان الموافقة عليه ولكن أيضاً أن تكون تلك الموافقة بنسبة مشاركة أوسع وبموافقة أكبر من تلك التي حصل عليها "دستور الإخوان" وهو ما يشي بأن صراعاً فكرياً بين أصحاب فكر مدنية الدولة وبين الداعين للدولة الدينية، مازال مرشحاً للاتساع على الساحة المصرية.

وبالمقابل يُبدي قطاع عريض من المثقفين ذوى الخلفيات اليسارية والماركسية تحفّظات على مشروع الدستور تصل إلى درجة دعوة أجنحة في تلك التيارات إلى مقاطعة الاستفتاء، الذي أُجري للمصريين في الخارج اعتباراً من الأربعاء الفائت وينتهي الأحد.

وينطلق المتحفّظون من رؤية أن كلا من تيار الإسلام السياسي والتيار المدني يمارسان ما يعتبرونه نهجاً إقصائياً كُلُ تجاه الطرف الآخر، وعقد عدد من أولئك المتحفِّظين مقارنة بين مشروع دستور العام 2012 الذي أُقر بغالبية 63.8% وبين مشروع الدستور المعدَّل المرتقب الاستفتاء عليه بعد ساعات فاعتبروا أنه فيما كان دستور 2012 قد رسَّخ لحكم إسلامي لا يأبه لأي رؤى مدنية أو يراعي حقوق الأقباط، فإن مشروع الدستور المعدل راعى حقوق الجميع ولكن بحماية الجيش بما يُخشى معه أن تتحول البلاد إلى حكم عسكري في ثياب مدنية".

ويخشى أولئك المثقفين من سوء تفسير مواد دستورية أعطت القوات المسلحة سلطة إحالة مدنيين إلى محاكم عسكرية في حال التعدي على أي منشآت عسكرية، ومن إمكانية أن تُستخدم لقمع المعارضين مستقبلاً.

وتوقَّع محمود عبد الرحيم، منسق اللجنة الشعبية للدستور المصري أن يكون إقبال المواطنين على الاستفتاء دون ما تأمله سلطات الدولة "بفعل حالة من الاستقطاب الحاد يشهدها المجتمع المصري بين مؤيدي مشروع الدستور وبين معارضيه"، محذِّراً مما أسماه "تزييف الإرادة الشعبية بالادعاء أن الدستور سيأتي بالاستقرار المنشود".

ورأى عبد الرحيم أن تنظيم الإخوان سبق وأن "ابتز الجماهير بورقة الاستقرار لتثبيت دعائم سلطتهم"، معتبراً أن "كل من يمسك بالسلطة في مصر يسعى لوضع دستور وفق أهوائه وعلى النحو الذي يخدم مصالحه ويعطي أدوات القمع والاستغلال له دون النظر إلى أن الدستور وثيقة للمستقبل ومن أجل بناء أسس للتحول الديمقراطي السليم ودولة المؤسسات والقانون والمواطنة لكن ما يجري أن الدستور يصنع للحظة الراهنة ويعكس اختلال موازين القوى لصالح المؤسسة العسكرية".

وأكملت مؤسسات الدولة كافة الإجراءات لإجراء الاستفتاء بما فيها تأمين نحو 250 لجنة استفتاء عامة وأكثر من 30 ألف لجنة فرعية في جميع أنحاء البلاد، وحذَّر وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم من أي أعمال عنف أو خروج على القانون ستُقابل بكل حزم، واتخذ الجيش والأجهزة الأمنية أعلى درجات تأمين الاستفتاء.

كما أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة أن نحو 160 ألف جندي من جميع الجيوش الميدانية سيقومون بتأمين الاستفتاء في جميع أنحاء البلاد فيما أعلنت وزارة الداخلية أن مائتي ألف ضابط وجندي سيشاركون عناصر الجيش عملية التأمين، فيما يبدو أنه رد على دعوات متواصلة من جانب "التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب" المؤيد للرئيس المعزول محمد مرسي، بالدعوة إلى التظاهر خلال أسبوع الاستفتاء تحت شعار "إسقاط استفتاء الدم" حيث يعتبر التحالف أن "فشل الاستفتاء هو السبيل لدفع الانقلاب إلى حافة السقوط إلى هاوية ليس بعدها صعود".

وتشير المعطيات الراهنة على الساحة المصرية وفي ضوء تقديرات مراكز بارزة لاستطلاع الرأي في مصر وعلى رأسها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع للحكومة، والمركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة)، وفي ظل الحشد الإعلامي الهائل أن المصريين سيوافقون على مشروع الدستور المكوَّن من 247 مادة بنسبة كبيرة تُجاوز 70%، ليصير دستوراً ويُمهَّد الطريق أمام إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية لتنتهي المرحلة الانتقالية الثانية منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في 11 فبراير 2011.

وكما أنه من المتوقَّع أن يحظى مشروع الدستور بنسبة موافقة كبيرة، فإنه من المتوقَّع أيضاً ألا تبقى خريطة القوى السياسية في مصر بعد الدستور على ما هي عليه، فمن المرجَّح أن تزداد الأحزاب المدنية ضعفاً وأن تنقسم الأحزاب الدينية على نفسها بعد أن أعلنت بالفعل مجموعات من قواعد حزب "الحرية والعدالة" الذراع السياسي لتنظيم "الإخوان" اعتزامهم تشكيل حزب جديد، وهي تجربة قد تحذو حذوها مجموعات في أحزاب إسلامية استهجنت انضمام قادتهم إلى المعسكر المناهض للإخوان المسلمين، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان على أي حزب مدني أو ديني في المستقبل القريب والمتوسط أن يحظى بثقة الشعب المصري، وأن يكون حزباً جماهيرياً حقيقياً.

1