الاستفتاء يوقد شرارة المواجهة بين البيشمركة والحشد

السبت 2017/09/23
المشهد في شمال العراق كما تراه البصرة في الجنوب

بغداد - لم تكن المخاوف من أن يطلق الاستفتاء الكردي المقرر إجراؤه الاثنين اقتتالا داخليا، من قبيل المبالغة، إذ اشتبكت قوة تابعة للحشد الشعبي مع أخرى تابعة للبيشمركة الكردية في منطقة باب سنجار غرب الموصل، ما خلف عددا من القتلى والجرحى.

ولم يكن هذا الاحتكاك هو الوحيد الذي وقع على خطوط التماس بين الحشد الشعبي والبيشمركة، الجمعة، إذ سبقه اشتباك محدود في منطقة مندلي بمحافظة ديالى القريبة من الحدود الإيرانية.

وتخشى الأوساط الشعبية أن تشعل نوايا الانفصال الكردية حربا دموية بين الحشد الشعبي والبيشمركة، اللذين يتقابلان على شريط فاصل طوله المئات من الكيلومترات ويمتد من محافظة ديالى على الحدود مع إيران شرقا، إلى محافظة نينوى على الحدود السورية غربا.

وحتى الآن، لا يبدو أن بغداد وأربيل تعيران أهمية لهذه المخاوف، إذ يتمسك رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بإجراء الاستفتاء في موعده المقرر بعد غد الاثنين، بينما يجدد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رفضه لهذه الخطوة.

وجدد البارزاني في آخر خطاب له قبل الصمت الانتخابي، الذي يدخل حيز التنفيذ منتصف ليلة الجمعة، تمسكه بإجراء الاستفتاء.

وقال إن “بغداد لا تعترف بالشراكة”. مضيفا “كنا نعتقد أن بغداد ستعوضنا عن كل جرائم النظام السابق في حق الأكراد، ولكن بعد انتظارنا كل هذه الأعوام، وجدنا أن الحكام في بغداد لديهم عقلية نظام صدام نفسها”.

وأضاف أن “الاستفتاء لا يعني ترسيم حدود الدولة الكردية، بل هو بداية لمفاوضات جدية مع بغداد، إن كانت ترغب في ذلك”.

وتراهن أوساط المراقبين على المواقف الإقليمية والدولية الضاغطة، التي يتوقع أن تتضح أكثر خلال الساعات الأخيرة التي تسبق إجراء الاستفتاء، لثني البارزاني عن هذه الخطوة لقاء تعهدات واضحة من العبادي.

وقالت مصادر سياسية لـ”العرب” إن قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وصل إلى مدينة السليمانية، الجمعة، قبل أن يتوجه إلى أربيل، حيث أجرى مع القيادات الكردية “مباحثات اللحظة الأخيرة”، لإقناعها بالتراجع عن موقفها.

وأضافت المصادر أن “سليماني عرض على القيادات الكردية الضغط على بغداد للاستجابة للمطالب الكردية”، موضحة أن “سليماني أبلغ الساسة الأكراد في السليمانية وأربيل بأن إيران ستضطر إلى التدخل العسكري في إقليم كردستان، في حال أصر البارزاني على إجراء الاستفتاء”.

مسعود البارزاني: الاستفتاء لا يعني ترسيم حدود الدولة الكردية، بل بداية لمفاوضات جدية

وجاءت تهديدات سليماني بالتزامن مع تصعيد واضح في الموقف التركي، إذ سلمت حكومة رئيس الوزراء بن علي يلدريم، الجمعة، طلبا رسميا إلى البرلمان التركي لتمديد تفويض تنفيذ عمليات عسكرية في كل من العراق وسوريا.

وينص الطلب الحكومي التركي، الذي سيناقشه البرلمان السبت، على “أهمية احترام وحدة الأراضي العراقية وسيادتها واستقرارها”.

ويقول مراقبون إن بغداد استنفدت جميع خياراتها، وآخرها مبادرة من رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ولم يتبق أمامها إلا انتظار نتائج الضغط الإقليمي والدولي لثني الأكراد عن المضي في مشروع الانفصال.

وتقول شخصيات سياسية وثيقة الصلة بكواليس التطورات في العراق لـ”العرب”، إن “البارزاني ربما يدرك صعوبة إجراء الاستفتاء في أي منطقة تقع خارج حدود المحافظات الثلاث، أربيل والسليمانية ودهوك، التي تشكل إقليم كردستان”.

وتضيف أن “أحد الخيارات، التي ربما تشكل حل اللحظة الأخيرة، يتمثل في إجراء الاستفتاء داخل المحافظات الثلاث فقط”، وهو ما أعلن عن رفضه كل من العبادي والبارزاني.

وتتابع أن “الإصرار على إجراء الاستفتاء في مناطق خارج الحدود الحالية لإقليم كردستان، سيفجر نزاعا مسلحا لا محالة”، لذلك، “يبدو خيار إجراء الاستفتاء داخل حدود الإقليم الحالية حلا للجميع″.

لكن مراقبين يعتقدون أن هذا الخيار يشكل استفزازا صريحا لكل من تركيا وإيران، لذلك يعتقدون أن ذهاب كردستان نحو الاستفتاء في موعده قد يفرض تدخلا عسكريا خارجيا.

وعبر مراقب سياسي عراقي عن اعتقاده بأن البارزاني قد أخطا في حساباته عندما راهن على شعبية فكرته عن حلم الأكراد في وطن قومي من غير أن يأخذ في الحسبان الموقفين الإقليمي والدولي المناهضين لتفكيك العراق.

وقال في تصريح لـ”العرب”، “سيكون البارزاني بعد ما صدر عن مجلس الأمن من تنديد بالاستفتاء في موقع لا يُحسد عليه وبالأخص إذا ما أصر التحالف الشيعي الحاكم على رفض السقف الزمني الذي تضمنته مبادرة الرئيس العراقي لحوار يكون غير مشروط، وهو ما يعني أن البارزاني إذا ما تنازل عن الاستفتاء لغرض الذهاب إلى ذلك الحوار سيخسر الكثير من شعبيته”.

وتخشى الحكومة المركزية في بغداد وجيران العراق وقوى غربية من أن يقسم التصويت البلاد التي شهدت صراعا عرقيا وطائفيا مدمرا منذ الغزو الأميركي في 2003.

كما يمكن أن يقوّض جهودا يتعاون فيها العرب والأكراد لهزيمة تنظيم داعش الذي لا يزال يتحصن قرب كركوك ويعمل عبر الحدود مع سوريا بعد طرده من معقله في مدينة الموصل شمال العراق.

وأي صراع حول كردستان العراق ستكون له تداعياته في أنحاء الشرق الأوسط لا سيما في سوريا وتركيا وإيران.

وأدانت الولايات المتحدة الاستفتاء ووصفته بأنه “استفزازي ويقوض الاستقرار” وحثت على استئناف المفاوضات.

وتسبب التوتر بين أربيل وبغداد في تجميد إيرادات النفط التي يعتبرها الأكراد الدعامة الأساسية للإقليم في حال الانفصال. ويتهم الأكراد منذ فترة طويلة بغداد بوقف مدفوعات الميزانية المخصصة لهم بينما رفضت بغداد صفقات النفط التي أبرمها الأكراد دون موافقتها.

وقد يهدد صراع إقليمي إمدادات النفط من الحقول الواقعة في كردستان وفي شمال العراق والتي ينقلها خط أنابيب عبر تركيا إلى الأسواق العالمية.

1