الاستفزازات التركية في ليبيا تتجاوز حدود التصعيد الكلامي

وزير الدفاع التركي لحفتر: ستنال الرد المناسب في الوقت المناسب.
الاثنين 2020/12/28
تهديد باستهداف الجيش الليبي

صعّدت أنقرة من وتيرة الحرب الكلامية في ليبيا عبر تصريحات مستفزة لوزير الدفاع التركي تنذر بالعودة مجددا إلى الاقتتال، وتهدد سيناريو الانفراج السياسي، في وقت يصل فيه وفد مصري رفيع المستوى إلى طرابلس، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من سبع سنوات.

تونس - ارتفع منسوب الاستفزازات التركية في ليبيا في توقيت بدا مقصودا لجهة التداعيات التي يرسمها عبر انتقاء مفردات تهديد تجاوزت في مضمونها معادلات الصراع الليبي – الليبي، لتشمل بطريقة إخراجها التوازنات الإقليمية في علاقة بتطورات الملف الليبي التي بدأت تتحرك نحو العودة من جديد إلى مربع الاقتتال.

وأخذت تلك الاستفزازات بعدا إضافيا اختلطت فيه الحسابات والمعادلات لتُشكل جملة من الاعتبارات الجديدة يُراد لها أن تكون مُنفصلة عن أجواء الانفراج السياسي الحذر التي أشاعتها في وقت سابق منصات الحوار الليبي – الليبي بحثا عن تسوية سياسية تُبعد شبح الحرب التي بدأت الميليشيات المدعومة من تركيا في دق طبولها.

وتعكس تصريحات وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، جزءا من تلك الاستفزازات التي تزامنت مع وصول وفد مصري رفيع المستوى إلى العاصمة الليبية طرابلس، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ العام 2014، تباينت التخمينات حول أبعادها والخفايا التي دفعت السلطات المصرية إلى إقرارها في هذا التوقيت المثير للكثير من التكهنات.

وفي سياق هذه الاستفزازات، هدد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، بالرد على أي هجوم قد يشنه الجيش الليبي على الميليشيات الموالية لبلاده، موجها كلامه لقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر “ستنال الرد المناسب في الوقت المناسب… وإذا كنت تفهم فتذكر من هي تركيا”.

جبريل أوحيدة: تركيا تلعب على التناقضات لتحقيق أهدافها

وتابع خلوصي أكار في تصريحاته التي نُشرت الأحد، على هامش زيارته لوحدات عسكرية وأمنية تركية مُتمركزة في العاصمة طرابلس وضواحيها “يجب أن يعلم حفتر وأنصاره أنهم لن يكون أمامهم مكان يفرون إليه، سيكونون هدفا مشروعا في حال وقوع أي هجوم على القوات التركية”.

ولم ينتظر الجيش الليبي طويلا للرد على تهديدات الوزير التركي التي جاءت بعد ساعات من زيارة قام بها إلى طرابلس، وُصفت بأنها بمثابة قرع لطبول الحرب، حيث أكد مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد محجوب، أن الجيش الليبي سيرد على تركيا “بشكل مناسب وغير مُتوقع”.

واعتبر في تصريحات نُشرت الأحد، أن تركيا “تسعى لخلق واقع جديد في ليبيا”، لافتا إلى أن زيارة وزير الدفاع التركي لطرابلس تهدف إلى دعم تيار الإخوان المسلمين الرافض للحل السياسي، وعرقلة أي تقارب ليبي – ليبي باعتبارها لا تؤمن بمخرجات اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5) لترسيخ وقف إطلاق النار.

وفي تعليق على هذه التهديدات التركية، قال النائب البرلماني الليبي، جبريل أوحيدة، في اتصال هاتفي مع “العرب” من شرق ليبيا، إن هذه الاستفزازات تؤكد مرة أخرى أن تركيا “تعتبر الساحة الليبية غنيمة ومكسبا اقتصاديا وسياسيا لا تريد التخلي عنه بسهولة”.

وأضاف أن تركيا “ترى أيضا في ليبيا فرصة يجب استغلالها إلى أبعد حد على حساب أمن واستقرار المنطقة، لذلك تضرب عرض الحائط باتفاق برلين الذي تبنته الأمم المتحدة، وتعرض مسارات الحوار المنبثقة عنه للفشل، لاسيما المسار العسكري الأمني”.

وكشف في هذا الصدد أن تركيا “تقوم الآن بتعزيز مُكثف لوجودها العسكري في ليبيا، والتعبئة للحرب بهدف فرض وجودها في الأزمة الليبية، وابتزاز خصومها الدوليين، خاصة الأوروبيين والولايات المتحدة التي منحتها سابقا الضوء الأخضر للتدخل العسكري لإبعاد شبح الوجود الروسي في المنطقة”.

 واعتبرا أن تركيا “تلعب الآن على هذه التناقضات لتحقيق أهدافها متخذة من سلطة الأمر الواقع في الغرب الليبي مطية… وقد تتسبب تصرفاتها هذه في تعطيل الحل السياسي وإشعال فتيل الحرب من جديد مالم تُلجم بجدية من الدول الكبرى التي لا زالت على ما يبدو لم تتفق تحت الطاولة على حل نهائي لأزمة ليبيا التي لم تعد بأيدي الليبيين للأسف”.

سمير صالحة: ثمة مفاجأة قد يفرزها التنسيق التركي – المصري

ويتفق الليبيون حول مخاطر زيارة وزير الدفاع التركي إلى طرابلس في هذا التوقيت الذي يشي بمُتغيرات جديدة قد تطرأ قريبا على تطورات الملف الليبي، لكن هذا الاتفاق تُقابله تباينات حادة في تحديد أبعاد الزيارة المُفاجئة للوفد الحكومي المصري للعاصمة طرابلس التي ما زال الغموض يكتنف أهدافها.

وبدأ الأحد، وفد مصري سياسي وأمني يضم نائب رئيس جهاز المخابرات العامة ومساعد وزير الخارجية وعددا من المسؤولين الكبار في الحكومة المصرية زيارة إلى العاصمة طرابلس لم يُعلن عنها من قبل، تأتي بعد أسبوع من زيارة قام بها رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل لمدينة بنغازي.

واجتمع الوفد المصري مع وزير الخارجية في حكومة الوفاق، محمد سيالة، ورئيس أركان القوات الموالية للسراج، اللواء محمد حداد، ورئيس جهاز المخابرات، عماد الطرابلسي، حيث بحث معهم عدة قضايا، منها الملف الأمني والسياسي، والملاحة الجوية، وتفعيل الاتفاقية المشتركة المتعلقة بالحريات، وإعادة فتح القنصلية المصرية في طرابلس، بحسب مصادر إعلامية ليبية موالية لحكومة الوفاق.

ومن المقرر أن يجري الوفد المصري أيضا اجتماعات أخرى مع وزير الداخلية في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، ونائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، وكذلك قائد قوات الوفاق بالمنطقة الغربية، اللواء أسامة الجويلي، لكن ذلك، لم يُبدد التساؤلات المحيطة بهذه الزيارة التي أثارت مع ذلك سلسلة من المخاوف والهواجس التي لا تنتهي.

ولا تتمحور تلك المخاوف حول الارتدادات والانعكاسات المحتملة لمثل هذا التقارب المصري مع حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، بل بقدر ما هي مُرتبطة بسياق الترتيبات التي ستنتهي إليها الأوضاع، خاصة على ضوء المؤشرات الدالة على وجود تراجعات مصرية تُوصف بالتكتيكية قد تُغير مع ذلك موازين القوى في ليبيا سياسيا وعسكريا.

وتدفع تلك المؤشرات التي تأتي وسط جدل مُتدحرج على صلة بأوراق الضغط المُختلفة، نحو رسم معادلات جديدة يكون ناتجها الآني تكريس هيمنة تركيا على المشهد العام في غرب ليبيا، جعلت المحلل السياسي التركي، سمير صالحة يتوقع “مفاجأة” قد يفرزها التنسيق التركي – المصري المرتبط بملفات إقليمية ودولية لها صلة بالملف الليبي.

4