الاستقطاب الإلكتروني يربك مساعي تونس لاستئصال الإرهاب

رغم استعادة تونس استقرارها الأمني بشكل لافت الآونة الأخيرة، ونجاح قواتها الأمنية من خلال عمليات استباقية للإطاحة بمخططات الإرهابيين المتربصة بالبلاد منذ اندلاع ثورة يناير 2011، إلا أن الخطر مازال قائما بسبب توظيف شبكات التطرف لوسائل التواصل الإلكتروني لاستقطاب الشباب، ما يستدعي وفق خبراء اعتماد إستراتيجية طويلة المدى لردع التطرف تدعم الجهود الأمنية.
السبت 2017/10/14
تأهب أمني متواصل

تونس - استندت الأبحاث الابتدائية للقضاء التونسي في إحالة المئات من المشتبه بضلوعهم في قضايا إرهابية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، إلى أنشطتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويرى خبراء أن الاستقطاب الإلكتروني شكل آلية تواصل رئيسية بين المشتبه بهم سواء داخل البلاد أو خارجها، وأحد أبرز التحدّيات المطروحة إلى اليوم أمام السلطات التونسية.

وأعلنت الداخلية التونسية الأسبوع الماضي إحالة 831 مشتبها بهم في قضايا إرهابية إلى القضاء، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري. ولفت العميد المتقاعد بالجيش التونسي مختار بن نصر إلى أن “المعطيات الأمنية المنشورة وجميع الدراسات والبحوث الأمنية والعسكرية، تبيّن أنّ الإرهاب لا يزال يشكّل تهديدا لتونس”.

وقال بن نصر الذي يترأس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل في تصريحات صحافية إن “الخطر الإرهابي يمكن تلخيصه اليوم في عنصرين؛ الاستقطاب عبر شبكة الإنترنت، وبعض الخلايا النائمة في البلاد”. وشدّد على أنّ “المشكل الأهم هو عملية الاستقطاب والاستمالة في الكثير من الفضاءات، والتي عادة ما تجري عبر شبكة الإنترنت وفي المؤسسات التربوية والمساجد”.

وأشار إلى “وجود بعض الجمعيات القادرة على دفع التمويلات من أجل استقطاب الشباب وتجنيدهم لتنفيذ أعمال إرهابية”. ورغم نجاح السلطات التونسية في تحقيق سيطرة أمنية من خلال عمليات استباقية أطاحت بالإرهابيين ومخططاتهم في الآونة الأخيرة، حذّر مهدي مبروك عالم الاجتماع التونسي ومدير مكتب تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من “النشاط الخفيّ للتنظيمات الإرهابية بتونس، رغم الضربات الأمنية القوية ميدانيا”.

وحسب مبروك فإنّ “المقاربة الأمنية فعّالة، ولكنّها تظلّ غير كافية مع تنامي نشاط الاستقطاب عبر الإنترنت، ومن خلال العلاقات الشخصية واعتماد شبكات الجوار وشبكات الزمالة، ومع ابتكار شبكات جديدة للتمويه”. وأوضح مبروك في تصريحات صحافية أنّ “الأرقام الرسمية أثبتت أنّ 75 بالمئة من العناصر المتورطة في شبكات إرهابية تم استقطابهم عبر الإنترنت، مقابل دور ضعيف للمساجد لا يتعدّى الـ4 بالمئة”.

مهدي مبروك: 75 بالمئة من المتورطين في الشبكات الإرهابية تم استقطابهم عبر الإنترنت

ونبه مبروك مستندا إلى نتائج دراسة ميدانية أعدّها المرصد التونسي للشباب (حكومي) عام 2014 إلى أنّ “المعركة الحقيقية تكمن في كيفية تخليص الخطاب المتشدد من جاذبيته، وإنهاء الطلب عليه، خاصة أنّ المقاربات الحكومية الأمنية لم تتغلّب على هذه التحديات رغم النجاحات الميدانية، والتي لا يمكن التشكيك فيها”.

وأشار المحامي التونسي سمير بن عمر إلى أنّ “الخطر الإرهابي لا يزال قائما في تونس، بالنظر إلى الوضع الإقليمي”.

وأوضح في تصريحات صحافية أن “معظم الهجمات بتونس وقع التخطيط لها وتدريب العناصر المنفذة لها ودعمها لوجستيا من الخارج، ما يؤكد وجود خطر على الأمن القومي التونسي”. ونفذت قوات الدرك في الأشهر الستة الأولى من العام الجاري 24 ألف عملية مداهمة لعناصر مشتبه بها ووفق أرقام نشرتها الداخلية التونسية في وقت سابق.

كما أعلنت أن وحدات مكافحة الإرهاب أحالت في 2016، 765 قضية إرهابية، إلى القضاء، وتم إيقاف ألف و69 مشتبها بهم، فيما لا يزال 807 آخرون في حالة فرار.

وبحسب الوزارة التونسية، فإن مجموعتين شرعتا في سبتمبر الماضي، في الإعداد لهجمات ضد منشآت أمنية وعسكرية بمحافظة الكاف (غرب)، ومركز أمني بمحافظة جندوبة على الحدود الجزائرية التونسية.

كما أسفر 29 تدخلا أمنيا في الشهر نفسه، عن إيقاف 75 شخصا في 12 محافظة بالبلاد، بحسب المصدر نفسه.

ولفت مهدي مبروك إلى أن “الخطة الوطنية لمكافحة الإرهاب، والتي أعدّتها اللجنة التونسية لمكافحة الإرهاب بالاشتراك مع قطب مكافحة الإرهاب ووزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع المجتمع المدني، لا تزال غير مكتملة، ولم تفعّل إلى حد الآن بشكل منهجي تشاركي”.

ورأى مبروك أنه “لا يمكن كسب معركة مكافحة الإرهاب إلا في حال أعددنا إستراتيجية طويلة المدى، على مستوى تغيير القيم وتغيير الثقافة ونشر قيم الاعتدال وحرمة الذات البشرية ومنع التكفير”. واتسق رأي مبروك برأي العميد والخبير الأمني مختار بن نصر الذي رأى أنّ “الحكومة التونسية لم تضع إستراتيجية واضحة لمقاومة التطرف”.

ولفت بن نصر إلى أنّ “التطرّف عمل فكري ثقافي تتم محاربته بالوقاية، أمّا الإرهاب فهو عمل ميداني يقاوم من خلال العمل الميداني الردعي الأمني والعسكري، وفي حال قمنا بجمعهما في إستراتيجية واحدة، فإننا لن نتقدم عمليا”. وانتقد بن نصر تأخر نتائج أعمال إعداد الوثيقة الإستراتيجية لمكافحة الإرهاب والتطرف، واعتبر أن “هذه الإستراتيجية تم توجيهها إلى الوزارات لتضطلع كل وزارة بمهمتها، غير أنّ الإستراتيجية لم تنشر، وبالتالي سنبقى عاجزين عن العمل”.

وتعتمد تونس إستراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب تقوم على مقاربة شاملة متعددة الأبعاد بهدف تحصين المجتمع من التطرف.

والإستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف وهي وثيقة أعدتها وزارات تونسية مختلفة في عام 2016، بمساعدة المديرية التنفيذية لمقاومة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، ووقع عليها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في السابع من نوفمبر الماضي. كما تسخر تونس إمكانياتها المتاحة للتصدي لهذه الظاهرة مستفيدة من دعم أصدقائها في هذا المجال، ما نجم عنه إحباط العديد من المخططات الإرهابية.

وتقيم تونس تعاونا أمنيا مع عدد من الدول الغربية في مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، إضافة إلى تبادل المعلومات والتنسيق الأمني مع الدول العربية في مقدمها الجزائر. ويشمل التعاون مجالات عدة منها تبادل المعلومات حول نشاطات المنظمات الإرهابية وحركة تنقل مقاتليها.

4