الاستقطاب السياسي يخلّف الدكتاتورية الاجتماعية

خطاب الكراهية والتخوين لدى تيارات الإسلام السياسي يوسّع دائرة العداء داخل المجتمع المصري ويكرّس العزلة والتنمر المجتمعي.
السبت 2019/10/26
خانات الانتماءات

ضاعف التحول المفاجئ في حياة الناس من الابتعاد عن السياسة وتركها لأصحابها، إلى الدخول في معتركها دون وعي أو خبرة أو ثقافة السنوات الماضية، من التعصب الاجتماعي تجاه الآراء السياسية، وتشكلت مجموعات وفرق داخل المجتمع الواحد؛ هذا مؤيد وذاك معارض، رغم أن هذه التركيبة الاجتماعية ظلت فترة طويلة ضد فكرة الثنائية والانتقائية، حتى وصل الانقسام بين الأفراد بسبب الخلافات السياسية إلى منحى مجتمعي خطير. وكانت هذه المسألة مفهومة في مجتمع تعددي مثل العراق وسوريا ولبنان، لكن إرهاصاتها بدأت تنخر في مصر وتنذر بتحولات مجتمعية في المستقبل.

اعتاد إخوة المصري عماد السيد وأسرهم على اللقاء كل جمعة، في أجواء عائلية يغلب عليها طابع المودة والتراحم، ومع تكرار التطرق إلى قضايا سياسية شائكة، انقسموا على أنفسهم وابتعدوا عن بعضهم، حتى وصل الانقسام بينهم حد الجمود العاطفي وربما الفرقة، بعدما تعامل كل منهم مع الآخر على أنه متشدد في الدفاع عن توجهه السياسي.

تتألف العائلة من ثلاثة إخوة، الأول يتعاطف مع جماعة الإخوان ويراهم على صواب، والثاني يعادي ثورة 25 يناير 2011 ويعتبرها مؤامرة أميركية على مصر، والثالث يرى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي أنقذ البلاد من الخراب والدمار.

وجد الأشقاء الثلاثة أن انعزال كل منهم عن الآخر اجتماعيا، ربما يكون مثاليا لتجاوز أزمة الخلاف السياسي بينهم. هذه الحالة وإن تبدو للبعض غريبة وشاذة، وقد يراها البعض الآخر خيالية، إلا أنها في الحقيقة أصبحت من سمات المجتمع المصري الجديد.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الاستقطاب تسبب في انشقاقات بين الأزواج والأبناء والأقارب، ما انعكس على التركيبة المجتمعية عموما، وأصبح الناس الذين يقتنعون بوجهة نظر سياسية يتجنبون إقامة علاقة اجتماعية مع المختلفين، سواء كانوا أقارب أو جيرانا أو حتى على مستوى الصداقات.

وترتب على ذلك، اتساع دائرة العداء داخل المجتمع بعدما وصل خطاب الكراهية والبغض والتخوين لمستويات قياسية، فلم يكتف الكثير من المختلفين سياسيا بالوقوف عند نقطة النقاش المحتدم أو تشبث كل طرف برأيه دون إبداء مرونة، بل أحيانا يصل الأمر إلى التلاسن اللفظي والتعامل بقسوة وحدة ونظرات تعبر عن كراهية يصعب إخفاؤها.

عزلة مجتمعية

تحولات اجتماعية بدأت تنخر في مصر
تحولات اجتماعية بدأت تنخر في مصر

كان التخوين والخلاف والتشكيك في النوايا مقتصرا على بعض النخب السياسية والحزبية ورموز المعارضة، لكن هذه الحالة تمددت ووصلت إلى قاع المجتمع وأصبحت هذه التوصيفات ثقافة عامة انعكست سلبا على التماسك الاجتماعي ووحدة النسيج الوطني.

المشكلة، أن الانقسام السياسي أصبح يكرس العزلة والتنمر المجتمعي، وهي ظاهرة جديدة على تركيبة الشخصية المصرية التي كانت من سماتها المودة والتآلف والتكاتف بين أفرادها، فلم يعد كثيرون ينظرون إلى المعارضين لهم بنوع من التعاطف مع مواقفهم أو يلتمسون لهم العذر، بل يصفونهم بالمخربين.

وعندما تحدث عماد السيد مع “العرب” رأى أن الفئات المجتمعية التي يمثلها شقيقاه، سبب رئيسي في حالة عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد، ومن الطبيعي تجنب هؤلاء والكف عن الكلام معهم، كي يشعروا بالعزلة ويكونوا مضطرين إلى مراجعة مواقفهم أو يشكلوا علاقات مع أقرانهم من ذات الفكر، ويعيشوا وحدهم في خندق اجتماعي.

وأصبح من السهل اكتشاف الانقسام الاجتماعي بين الناس بسبب السياسة، داخل وسائل المواصلات أو في الشارع والمقاهي وداخل دواوين المؤسسات الحكومية والخاصة، حيث يبدأ الأمر بنقاش سياسي، يتطور سريعا إلى خلاف حاد، وعلى إثر ذلك يتجنب كل صاحب فكر أو انتماء بعينه التواصل مع المختلفين معه في التوجهات ويضعهم في مرتبة الأعداء.

وما ساهم في تفشي هذه الظاهرة، أن الاقتصاد والسياسة يشكلان حيزا كبيرا من اهتمامات المجتمع، جراء عدم الوصول لمرحلة الاستقرار الكامل، ما جعل الناس تراقب الأحداث بعناية، وبسبب الضغوط والأعباء المعيشية لم يعد أحد يتحمل أن يسمع آراء تعارضه، وأضحى غالبية الأفراد يشعرون أنهم على صواب، وأن المختلفين معهم مخطئون ويستحقون الحساب.

وتقف النخبة والقوى الناعمة متفرجة تقريبا أمام وصول الاستقطاب في المجتمع لمستويات خطيرة، حتى أصبح الجدار الاجتماعي مشوها وغير قادر على العودة إلى التلاحم والترابط. ويفضل هؤلاء الوقوف على الحياد أمام اتساع دائرة الاستقطاب السياسي، لتجنب الاتهام بدعم فئة على حساب أخرى، ما ضاعف التناحر الاجتماعي بين الأفراد.

وأصبح الخطاب السياسي والإعلامي الموجه إلى المجتمع قائما على الإقصاء ورفض الآخر. ولأن هناك نسبة كبيرة من غير المتعلمين، فهم يتأثرون بما تسمعه آذانهم، ويقتنعون بما يُملى عليهم، وبعضهم لا يمتلكون القدرة على التمييز بين الحقيقة والسراب، ما يجعلهم لقمة سائغة في يد المتناحرين سياسيا، فكل طرف يسعى لجذبهم ناحيته بشتى الطرق.

المقاطعة هي الحل

تتعمد الكثير من المنصات الإعلامية التي تتصدر المشهد، أن تصوّر للناس أن كل معارض إخواني وأيّ شخص خارج عن دائرة الاصطفاف الوطني محل شك، ما انعكس على تعاملات أفراد المجتمع مع بعضهم، وهناك من تأثر بهذه الرسائل وأصبح يطبقها على أشد المقربين، من زاوية “ما دمت معارضا، فأنت خائن”، وبمجرد إطلاق هذه التهمة، تكون المقاطعة المجتمعية هي الحل.

وحسب هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، فإن الخطر الأكبر عندما يغذي الإعلام الانقسام المجتمعي، وبدلا من تثقيف الناس وحثهم على قبول الآخر واحترام كل الآراء، يزرع في عقول الأفراد أفكارا تكرس عزلة أصحاب التوجهات المختلفة مع الأوضاع الراهنة، لأن أغلب من يتصدرون المشهد العام فاقدون للوعي السياسي.

وأضافت لـ”العرب” أن حالة الفرقة بين مؤيد ومعارض، انعكاس طبيعي لانخراط المجتمع في السياسة دون أن يكون لدى أفراده الوعي الكافي، حتى اهتزت الكثير من القيم الاجتماعية إثر انهيار صورة الرموز في نظر الناس، وتمت محاكمة الرئيس وكبار المسؤولين في النظام الحاكم، وبالتالي اهتزت المُثل السياسية والمجتمعية التي كانت راسخة في وجدان الناس.

النخب والقوى الناعمة تقف متفرجة أمام وصول الاستقطاب في المجتمع المصري لمستويات خطيرة

وقالت “التحول المفاجئ في حياة الناس، من الابتعاد عن السياسة وتركها لأصحابها، إلى الدخول في دهاليزها دون ضوابط أو خبرة أو ثقافة في مرحلة ما بعد ثورة يناير، ضاعف التعصب الاجتماعي تجاه الآراء السياسية، وتشكلت مجموعات وفرق داخل المجتمع الواحد، رغم أن هذه التركيبة ظلت طوال حياتها ضد فكرة الثنائية”.

وبلغ الانقسام الاجتماعي حد قيام بعض الأسر بالبحث وراء خلفيات وميول الشباب الراغبين في الزواج من بناتها، وحتى إن كان الشاب مؤيدا وأسرته لها توجهات مناهضة، فإن الخطبة قد لا يُكتب لها النجاح، خاصة إذا كانت عائلة الفتاة من أنصار النظام، ومبررها في ذلك، أنها تحافظ على الفتاة وأولادها، وتكون بمنأى عن الاستهداف المجتمعي من الدائرة المحيطة بأسرتها مستقبلا.

إقصاء بغرض الأمان

رصدت “العرب” انتشار هذه الظاهرة في أوساط مجتمعية ريفية على وجه الخصوص، فأكثر الناس في هذه المناطق يريدون العيش في أمان، ويعتبرون أن موافقتهم على زواج بناتهم من معارضين قد يسبب لهم منغصات وتوترات هم في غنى عنها، لذلك لم تعد تعنيهم وظيفة الشاب وراتبه الشهري، بقدر ما تهمهم انتماءاته السياسية والفكرية.

كانت هذه الحالة مقتصرة تقريبا على الشباب المنتمين للإخوان، بأن يتم رفض زواج الابنة من أحدهم، لكن الأمر تخطى ذلك واتسعت الدائرة لتشمل المعارضين بقوة، حتى وإن كانوا بعيدين عن الإخوان، لكن العقلية أصبحت لا تفرق بين هذا وذاك، ووضعت كل المختلفين مع الحكومة في دائرة واحدة، بذريعة أن أفكارهم متقاربة وإقامة علاقة أسرية معهم قد تثير مشكلات وأزمات يصعب تجاوزها بسهولة. وقال محمد سيد أحمد، وهو محام يقيم في محافظة البحيرة بشمال القاهرة، إنه رفض زواج ابنته من شابين تقدما لخطبتها، لأنهما من معارضي السيسي، وهو ما ترفضه عائلته التي لها تاريخ طويل في مساندة الحكومة، بحكم أن الكثير من أفرادها يشغلون وظائف مهمة.

وأضاف لـ”العرب” أن بعض الآباء أصبحوا يتحكمون في صداقات أبنائهم، بمعنى أنهم يرفضون أن يكون بين دائرة علاقات أولادهم أشخاص معارضون، لافتا إلى أن “هذه الحالة الاجتماعية انعكاس لقناعة الناس بأن الابتعاد عن المناوئين للحكومة يضمن لهم راحة البال”.

ويُنظر إلى تيارات الإسلام السياسي على أنها المتهم الأول في وصول المجتمع المصري إلى هذه الحالة من الانقسام، فهي التي بادرت بشيطنة المختلفين معها، ووصل الأمر إلى تكفيرهم واستباحة دمائهم وتصويرهم على أنهم أعداء الدين، ولا مجال لقبولهم أو الاقتناع بوجهات نظرهم، مهما كانت صحيحة.

وتسلل الاستقطاب إلى المجتمع المصري وتسبب في ظواهر لم تكن معروفة، مثل التشفي في الموت، إذا ما كان المتوفى من الفئة المعارضة، فضلا عن استباحة الخوض في الأعراض واستسهال الفضائح والقبول بقهر وذل الطرف الآخر، بل والإبلاغ عنه أمنيا ومجتمعيا.

وقبل أيام قليلة تشفى الحقوقي جمال عيد في وفاة الفنان طلعت زكريا الذي وافته المنيّة، لأنه كان معارضا لثورة يناير وظل ثابتا على موقفه الداعم للرئيس الأسبق حسني مبارك، وكتب عيد على حسابه الشخصي على تويتر “لن أترحم على طلعت زكريا، فهو يستحق”.

خطر حقيقي

 

Thumbnail

يعتمد الخطاب الاجتماعي على توجيه اتهامات تخرج عن حدود العقل والمنطق، مثل التشكيك في الوطنية وتسهيل مهمة أطراف خارجية تتآمر على الدولة لإسقاطها، وهنا يسعى كل طرف لحسم المعركة لصالحه، وإضعاف حجج الخصم، وغالبا ما يقود ذلك إلى وصول العلاقة حد الكراهية البغيضة، حتى وإن كان الطرفان تربطهما علاقة قرابة أو زمالة عمل.

وتكفي متابعة ما يحدث بين الناس على منصات التواصل الاجتماعي، لمعرفة حجم الانقسام الاجتماعي، حيث أصبحت المقاطعة أسهل طريق لتوصيل الرسالة إلى المعارض، بأن صداقته مرفوضة، وحتى إن كان هذا الشخص له آراء مؤيدة في مواقف كثيرة، لكنه عارض في قضية واحدة، فإن ما سبق لن يشفع له، وسوف تنتهي العلاقة معه دون استئذان.

يدرك البعض أن اتساع دائرة الإقصاء والقطيعة بين الناس وفق انتماءاتهم، يرسخ لدى الحكومة فكرة أن بيئة اجتماعية مثل هذه لا يصلح معها تطبيق الحد الأدنى من مبادئ الديمقراطية وحرية الرأي، لأن من ينشدون هذه المطالب لا يطبقونها على أنفسهم، وإذا تم تفعيلها فقد تكون العواقب وخيمة.

ويرى متابعو الحالة المصرية أن وصول الانقسام لمستوى يصعب التصدي له، يعكس أن الدكتاتورية أصبحت سمة عامة، والخطورة أنها تضرب السلم المجتمعي، حيث تحولت العلاقات بين الأفراد من إنسانية إلى علاقات يتم بناؤها على الريبة والشك والهواجس والانفصال والإقصاء لمجرد وجود خلافات في وجهات النظر السياسية.

رأى عادل السيد، وهو باحث ومحاضر في مجال التنمية البشرية، أن اتجاه المجتمع الواحد لتحديد علاقاته وفق معايير بعيدة عن القيم الإنسانية يكرس القطيعة ويسهل مهمة اختراقه، والتلاعب بعقول أبنائه بسهولة، لأنه يفتقد الترابط، مقابل توسيع دائرة الكراهية والعدوانية.

وأوضح لـ”العرب” أن الخطورة الحقيقية عندما يصبح التطرف الاجتماعي ظاهرة، ويُقصد بذلك أن يسعى كل طرف لفرض آرائه وقناعاته على الآخرين، ولا يكتفي فقط بعرض وجهة نظره، وهذه الحالة موجودة بقوة داخل النسيج المصري وحاضرة داخل الأسرة الواحدة، والمعضلة أن أيّ تأخر من جانب صناع القرار والإعلام ورموز الفكر والثقافة في مجابهتها سوف يجعل القضاء عليها أمرا مستحيلا.

وفي نظر هالة منصور خبيرة علم الاجتماع، أن تجاوز الانقسام يستوجب تغيير مؤسسات الدولة لنظرتها إلى المعارضة عموما كي تكون الآراء المختلفة مقبولة عند المجتمع نفسه، وتبدأ المنصات الإعلامية في قبول الأصوات المعارضة وتكون هناك “آراء متباينة”، وأحزاب لديها كوادر تحظى بقبول مجتمعي تستطيع تثقيف وتوعية الناس كبداية لقبول الأفراد الاختلاف.

20