الاستقواء بالخارج.. من الجنرال يعقوب إلى أحفاده

أهل سوريا أولى بها وأدرى بشعابها، وهذا الإقرار لا يمنع الدهشة من رؤية رموز المعارضة، وقد صنعتهم فضائيات النفط نجوما، يزورون أرضا سورية على صهوة دبابة تركية، ضمن عملية "غصن الزيتون" الاحتلالية.
الثلاثاء 2018/02/27
شعب لم يحصد إلا الخذلان

بعد أقل من عامين على ثورة 23 يوليو 1952 ارتاب القلقون على الحرية في جمال عبدالناصر. كان الخلاف بين الضباط الشبان على تصور لحكم مصر، واعترض فريق منهم على “مصادرة الحياة السياسية”، وأسفرت أزمة مارس 1954 عن شعبية اللواء الرئيس محمد نجيب الذي رفع، عند إقصائه في ذلك الصراع، لواء الحرية، واستدعى مصطلح الديمقراطية في مواجهة عبدالناصر الذي قرأ المشهد وانحنى حتى تمر العاصفة، ثم أعيد محمد نجيب إلى منصبه، ونسي أن يثير قضية الديمقراطية، تماما مثلما انتقد عبدالحكيم عامر، ذات خلاف عابر مع عبدالناصر، الحكم الاستبدادي، ولم تخلُ استقالته في ديسمبر 1962 من ذكر الديمقراطية، مع بهارات تهديد أخرى، فاحتفظ بمنصبه ورجاله، ولم تكن تكلفة الخلاص منه ومنهم بأقل من كارثة، فكانت هزيمة يونيو 1967.

في أزمة مارس 1954، سبق صلاح عبدالصبور الجميع، وترجم القلق على الحرية شعرا، في قصيدة “عودة ذي الوجه الكئيب”، والإشارة إلى الوجه والأنف لا تدل إلا على عبدالناصر. وباستثناء الشامتين بالثورة منتظري سقوط عبدالناصر، توحد الشعب في التصدي للعدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي).

في مذكراته “أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون” يسجل الضابط الإخواني حسين محمد حمودة أن عبدالناصر “قائد الثورة انحرف بها عن مسارها”، ولا يكف عن وصفه بالظالم والسفاح وغيرهما من الصفات المتوقعة من ضابط إخواني سجين، ولكن الموقف تغير حين واجهت البلاد خطرا خارجيا، فأرسل هو وإخوانه من السجن برقيات تأييد لعبدالناصر بعد تأميم قناة السويس “هذا الموقف الوطني الجريء.. هذه الخطوة الوطنية.. وإبداء رغبتهم في المشاركة في الدفاع عن البلاد ضد دول العدوان الثلاثي”. فالانحياز إلى وطن يتعرض للتهديد ليس محلا لمنة، ولا يمكن تفسير اللجوء إلى منصة لا تخفي العداء للوطن بأنه وجهة نظر؛ فلا تفتح الخزائن وتُصنع المعاول لوجه الديمقراطية، ولا تمنح الحدأة كتاكيت، إلا إذا كانت صيدا وشراء لنفوس بشرية تدرك أن لكل شيء ثمنا، وأن ثمار الاحتضان من إثراء وتسمين مبتدأ لخبر يقرره من ينفق حين يشاء.

إذا أهدتك أميركا دبابة وأمرتك بامتطائها، الدبابة لا أميركا بالطبع، فهي وحدها التي تمتلك قرار الأمر بتوجيه المدفع إلى هدم بلدك، تحت شعار القضاء على الدكتاتورية والتخلص من الطاغية

مع بدء العدوان الثلاثي، استقال من هيئة الإذاعة البريطانية مصريون منهم حسين أحمد أمين ومحمود مرسي، وعادوا من لندن إلى بلد على كف عفريت، وقد صار الأول سفيرا والثاني نجما سينمائيا. وكان التشكيلي السريالي رمسيس يونان في باريس، يرفض ثورة 1952 ويعارض عبدالناصر، وفي الاختبار الوطني أدان العدوان الثلاثي، ونبه أصدقاءه من السرياليين والمفكرين في أوروبا وأميركا اللاتينية إلى خطورة إعادة الروح إلى الاستعمار، وضمِن انحياز سلفادور دالي وبيكاسو وسارتر ولويس أراجون وألبير كامي وغيرهم إلى عدالة قضية بلاده، واستقال من الإذاعة الفرنسية، وقرر الرجوع غير عابئ بتحذيرات الناصحين الخائفين عليه من الاعتقال. وحظي يونان من عبدالناصر والهيئات الثقافية في مصر بالتقدير اللائق بموهبته وموقفه الوطني الذي لم يتاجر به.

إذا أهدتك أميركا دبابة وأمرتك بامتطائها، الدبابة لا أميركا بالطبع، فهي وحدها التي تمتلك قرار الأمر بتوجيه المدفع إلى هدم بلدك، تحت شعار القضاء على الدكتاتورية والتخلص من الطاغية. هي تستثمر فيك، في ضميرك الذي قدرت ثمنه، ولا تختلف الهبة من دبابة إلى تمويل فضائية، واقتناء كتيبة من الجاهزين للفتوى في كل شأن مصري من الاقتصاد المتعثر، إلى التردي الأمني والاتفاقات الدولية وشؤون التسليح وكرة القدم وعلاج مرض الإرهاب ورصف الطرق. وعلى الرغم من القبضة البوليسية الخانقة في مصر، فإن المراقب يرى كيف تناسى هؤلاء “الصقور” ممارسات قمعية عشائرية وبوليسية تمارسها البلدان الحاضنة في حق المعارضين، تجاهل يتعدى عمى البصر إلى عطب البصيرة، والأدهى أن يشاركوا بما هو أكثر من نصرة الغازي باللسان.

بدأت الثورة السورية في مارس 2011 ببراءة قضى عليها النظام الأسدي بمكر أشد فتكا من آلة القتل. تلك البراءة وذلك الحلم ببلد أكثر عدلا، وهذه الروح السلمية المتجسدة في حناجر المشتاقين إلى الحرية، كلها تكفي لتقويض بنيان راسخ نما منذ صعود البعث. راهنت الثورة على الوقت، ولكن النظام الماكر استعجل ودفع بالدفة نحو إغراء العسكرة، فنادى مغرضون ومراهقون ثوريون بضرورة تسليح الثورة، ودعم ما كان يسمى الجيش الحر. وفي تحدي الشعب الأعزل بصدوره العارية لآلات القتل والتهجير، كانت الأموال تتدفق لشراء الأنفس، كل حسب رتبته العسكرية ورضي البعض بالصفقة، واستراحوا في فنادق مكيفة الهواء تنسي الراشدين لهيب الساحات، وتنزع منهم قوة المبادرة، فليس لهم من الأمر شيء، لا حق التفاوض مع النظام، ولا قرار الحرب على سوريا، واستخدمهم الاحتلال التركي ذراعا في غزو منطقة عفرين، في يناير 2018.

أهل سوريا أولى بها وأدرى بشعابها، وهذا الإقرار لا يمنع الدهشة من رؤية رموز المعارضة، وقد صنعتهم فضائيات النفط نجوما، يزورون أرضا سورية على صهوة دبابة تركية، ضمن عملية “غصن الزيتون” الاحتلالية. وسيعود هؤلاء في الدبابة نفسها، راضين بضم عفرين إلى لواء الإسكندرون، ويتكلمون باسم الثورة، ويزايدون على شعب لم يحصد إلا الخذلان.

لا تلتمس الغايات النبيلة بوسائل ليست كذلك، وفي التاريخ المصري شخصية ملتبسة يجسدها الجنرال يعقوب. يراه البعض بطلا ثار ضد الاضطهاد العثماني، واستعان بالاحتلال الفرنسي لإنهاء ظلم المماليك للمسيحيين، وأراد تحقيق الاستقلال السياسي لمصر، ولكن الكنيسة القبطية المصرية لم تغفر له التعاون مع الجيش الغازي، وحرمته من التناول، واستقر رمزا للخيانة، ولم يكن أمامه إلا أن يرحل عام 1801 مع الجيش الفرنسي بعد فشل الحملة، وتوفي قبل الوصول إلى فرنسا، وأرسلوا إلى نابليون برقية تتضمن خدمات يعقوب للجيش الفرنسي، ووصيته بأن يدفن بجوار صديقه الجنرال ديزيه، فجاء رد نابليون قاطعا: ادفنوه في أي مكان؛ ففرنسا لا تدفن الخونة بجوار أبطالها.

9