الاستقواء والعدل في التعامل مع الإرهاب الدولي

الثلاثاء 2015/01/20

من يملك القوة يصنع منطقا خاصا به لا علاقة له بالمنطق الذي يعرفه الناس. ذلك المنطق الذي يتبنونه ويدافعون عنه في وجه الباطل، من أجل تحقيق إنسانية رشيدة يعمّها جميعا السلام والرخاء. ولذلك أكاد أقول بأن شرائع الإنسان المتحضّر في العصر الحديث، فشلت في إحراز نجاح لتثبيت حقوق متساوية بين البشر في أي مكان وجدوا. وبقيت هذه الشرائع مجرد ألوية نفاق ترفع من الأقوياء في وجوه الضعفاء لخلط الأوراق تارة، ولإحراز مزيد من مساحات القوة والسيطرة تارة أخرى.

عالم اليوم، الذي تقوى فيه دول وتضعف دول، يُسيّر المركب الإنساني حسب رغبات ومطامع الأقوياء. ويقود المنظمات الدولية المتعددة التي أنشأها ليمكّن هؤلاء الأقوياء أكثر وأكثر من رقاب الضعفاء والنيل من وجودهم وحقوقهم في الحياة الآمنة الكريمة. وهذا ينطبق على موضوع الإرهاب العالمي الذي يوزن بمكاييل عديدة حسب دين وجنسية الإرهابي ومكان اقترافه لجريمته.

على سبيل المثال، حيث يصعب الحصر، يسمي الأقوياء إسقاط نظام دولة حرة وقتل مليون عراقي بعيد الغزو الأميركي في العام 2003 حربا وليس إرهابا، لأن الهدف المعلن آنذاك هو نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية التي اتضح، بعد سفك الدماء وإزهاق هذه الأرواح، المدنية في أغلبها، أن هذه الأسلحة كذبة كبرى، وأن ليس هناك مسمارا واحدا يدل على وجودها.

تسمى جماعات الإرهاب في سوريا، التي أزهقت أرواح آلاف السوريين وشرّدت الملايين منهم والذين يقتلهم البرد الآن، جماعات معارضة لأن مطابخ الغرب، السياسية والإعلامية، تريد تسميتها بذلك وصولا إلى هدفها النهائي، وهو تمزيق سوريا إلى دويلات والقضاء عليها كدولة قوية موحدة.

تحتضن دول الغرب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي أسقط حكمها الشعب المصري بعد أن اتضح له خطرها على بلاده ومقوماته الأساسية. وتصر هذه الدول، إلى الآن، على هذا الاحتضان وهذه الرعاية، حتى بعد أن صُنّفت جماعة الإخوان جماعة إرهابية من مصر، ومن أكثر من دولة عربية وجدت ما يدل على خطر الإخوانيين على كيانات دولهم الوطنية.

يتداعى حلف الناتو إلى غزو ليبيا بقيادة فرنسا ويُسقط نظامها ويمزّقها إلى أشلاء وكانتونات جغرافية ويموت أكثر من 50 ألفا من أهلها في العام 2011 وحده، ولا يزال الحبل على الجرار في عدد القتلى والجرحى والمهجّرين الذين ينفذون بجلدهم من جحيم ما يسميه الغرب إلى الآن انتفاضة الشعب الليبي.

ولا ننسى، بطبيعة الحال، اليمن وتركه، بعد تفريغه من مقومات الدولة، لمصيره ونزاعات فصائله التي حدثت بعد تركه مرتعا للإرهابيين، الذين وجدوا فيه ملاذا بعد أن استنفذت أغراض ومبرّرات وجودهم في مناطق منكوبة أخرى من عالم الضعفاء.

وأخيرا وليس آخرا يقتل نتنياهو في العام 2014 فقط 1742 مدنيا في غزة بينهم 530 طفلا، ويترك خلف حربه القذرة هذه أكثر من 3000 طفل جريح ثم يُسمح له بالوقوف في الصف الأول لمسيرة باريس ضد الجريمة الإرهابية على مجلة شارلي إيبدو. وبعد أيام، من هذه الوقفة المشبوهة، تدين الولايات المتحدة الأميركية، بصلف وتحد واضح، قرار المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق حول جرائم الحرب الإسرائيلية. وتعتبر إسرائيل، من جانبها، هذا القرار مخزيا، لأن قتلها للعزل والأطفال ينطلق من مبدأ الدفاع عن وجودها.

هذا الجرد العربي الهائل من جحيم القتلى والجرحى والمشرّدين، والبلدان التي تعود في تنميتها ومكتسباتها الشحيحة إلى أكثر من نصف قرن إلى الوراء لا تكفي الغرب، عدا نزر يسير من منصفيه، ليعترف بأن ماكينة الإرهاب ليست اختراعا عربيا أو إسلاميا خالصا. بل هي، في أكبر وأبشع نتائجها، ذات منشأ غربي يعتمد على منطق القوة المحضة، البعيدة كليا عن قيم وشرائع الإنسانية.

من حق الغرب، بطبيعة الحال، أن يحشد زعماءه وشعوبه ليستنكروا جريمة إرهابية نحن، أيضا، نستنكرها راح ضحيتها 17 مواطنا فرنسيا بينهم مسلم أو مسلمين. لكن ليس من العدل والإنصاف أن يغضّ بصره أو يتجاهل ما ارتكبت آلته الحربية، بالأصالة أحيانا والإنابة أحيانا أخرى، في عدد من البلدان العربية والإسلامية منذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم.

التأييد الغربي المطلق لآلة الحرب والبشاعة الإسرائيلية هو أول ورقة ساخنة يفترض أن توضع على طاولة القراءات الغربية، السياسية والإعلامية، لظاهرة الإرهاب الدولي الذي يتمدد الآن إلى عواصمه ومدنه ويؤذي أكثر ما يؤذي الدول العربية والإسلامية، بما لا يقاس بما حدث أو سيحدث في الدول الغربية، التي تتنادى الآن لتبني مزيدا من الحصون والإجراءات الأمنية القاطعة لدابر الإرهابيين.

الورقة الثانية المهمة التي يفترض أن توضع على تلك الطاولة هي أن الدول العربية والإسلامية، التي لا تملك سوى الاعتراف بحاجتها إلى مساندة الغرب في مكافحة الإرهاب، دعت أكثر من مرة، وخاصة في السنوات الأربع الأخيرة، إلى بناء موقف دولي حقيقي موحد لهذه المواجهة التي تتطلب جهودا عسكرية ولوجستية كبيرة. وقدمت هذه الدول، خاصة السعودية ومصر، الكثير من المبادرات والمقترحات، في سبيل الوصول إلى هذا الموقف الموحد.

لكن الغرب، الذي يستعصي فهم مواقفه من ظاهرة الإرهاب خارج محيطه الجغرافي، تجاهل هذه المقترحات. وعليه الآن، إذا كان راغبا في عالم شامل آمن، أن يمد يده إلى العرب والمسلمين المعتدلين، الراغبين في اجتثاث هذه الظاهرة، ليبني معهم تحالفا فعالا وجادا يكون كفيلا بتجفيف أسباب الإرهاب ومنابعه.

وبغير هاتين الورقتين، ورقة كبح الفجاجة الإسرائيلية، وورقة إشراك المعتدلين في الدول العربية والإسلامية إشراكا فعليا في التصدي للإرهاب، سيبقى الموقف الغربي من ظاهرة الإرهاب الدولي ملتبسا ومشوّها. كما سيبقى مدارا للشكوك التي تذهب إلى اعتبار الإرهاب صناعة غربية وورقة يلعب بها الغربيون لمواصلة إضعاف الدول العربية والإسلامية وتفتيتها. ومن المؤكد أنه، أيا كانت أهداف الغرب أو نواياه من التراخي في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، فإن هذه الظاهرة ترتد عليه الآن وسترتد عليه أكثر في المستقبل، باعتبار أن الإرهاب وباء لا يفرّق بين ضحاياه ولا يعطي اعتبارا للحدود أو القوة والضعف.

هناك الآن مساحة تسامح واعتدال كبيرة لدى العرب والمسلمين الذين يرفضون كل مظاهر العنف والقتل وسفك دماء الأبرياء في أي مكان من العالم، لكن هذه المساحة معرضة للتآكل شيئا فشيئا إذا بقيت مكابرة الغرب على حالها تكيل بمكيالين: مكيال يشجب ويستقوي ويصطف إذا تعلّق الإرهاب بالدول الغربية وإسرائيل، ومكيال يتراخى ويتجاهل قتل وترويع وتشريد الآلاف والملايين من البشر في الدول العربية والإسلامية.


كاتب سعودي

8