الاستكتاب الإبداعي

الأحد 2016/10/30

قد يظن البعض أن “الاستكتاب” أمرٌ يتنافي مع الإبداع، وهو في الحقيقة فكرة عربية خاطئة، مصدرها الرئيس ارتباط “الكتابة الإبداعية” بفكرة الوحي والإلهام، وذلك الجنيّ القرين الذي يسكن وادي عبقر.

متفائل كثيرًا بزوال هذا التصوّر السلبي عن الكتابة، الذي لن يصمد طويلًا أمام تعدد وتنوع أشكال الإبداع المكتوب وسهولة الوصول إليه.

ما أثارَ هذه الأفكارَ في مخيّلتي، ذلك الملف الذي انتهيت من قراءته اليوم في مجلة الجديد (العدد 20 – سبتمبر 2016)، تحت عنوان (صورة الكاتب في طفولته، 65 كاتبة وكاتبًا عربيًا في آلة الزمن)، عنوان شديد الإيحاء لملف شديد الغنى يصحبك خلاله 65 مبدعًا إلى تواريخ مختلفة زاخرة بالأحداث والقصص والطرائف والمصائب في بعض الأحيان.

بعيدًا عن هذه المتعة الكبيرة، أجدني مهتمًا بهذه الكتابة باعتبارها نوعًا من “الاستكتاب الإبداعي”، والاستكتاب، على صيغة استفعال هي صيغة فعل ثلاثي مزيد بألف وسين وتاء في أوّله ويفيد العديد من المعاني أهمها “الطلب”، أي أنه فعل كتابة بالطلب، وهو ما جعل البعض يرون فيهًا أمرًا لا يتفق والإبداع، فإلى أيّ حدّ كانت كتابات هذا الملف بديعة؟

البديع يعني “المتفرد في نوعه” كما يعني “المدهش والرائع”، وكلها امتدادات لفكرة الجمال باعتباره أحد أهم شروط الكتابة الإبداعية، وهو بالفعل ما تحقق في معظم كتابات هذا الملف البديع، كتابة سردية رشيقة، تنبض بالصدق، وتكتنز الدهشة، وتكشف لنا ببراعة زوايا مدهشة من تواريخ لا يملكها سوى أصحابها، وما كانت لترى النور إن لم يكتبوها، وما كانوا بكاتبيها إلا إذا تم استكتابهم.

قدّم هذا الملف دليلًا ناصعًا على أن الاستكتاب -أي الكتابة عن عمد أو بطلب تحت محور محدد- لا تتنافى مع الإبداع. إلى جوار ذلك وفّر لنا مادة شديدة الغنى، فرصة لدراسة آليات 65 مبدعًا -من بيئات ومرجعيات ثقافية وفكرية متعددة، وجغرافيات متباينة، وانتماءات زمنية مختلفة- في الكتابة تحت محور واحد، كيف انتقى كل منهم لحظته التاريخية؟ كيف سرّب الدهشة عبر تفاصيل قصته؟ كيف استدعى تفاصيل الذاكرة؟ إنها مادة دراسة نقدية من الطراز الأول إن كان هناك من نقادنا العرب من يهتم.

من زاوية أخرى، سلط هذا “العدد/الملف” (130 صفحة من أصل 160) ضوءاً على وظيفة المجلات الثقافية في زمن التشدق بانتهاء عصر الصحافة؛ أن تتحول المجلة إلى أداة معرفة وليس إلى مجرّد مصدر معلومات، هو الرهان الأهم في هذا الزمن، والفارق بين المعلومة والمعرفة كبير، المعرفة هي السياق الذي تكتسب فيه المعلومة أهميتها، المعرفة هي القدرة على الإفادة من المعلومات في تشكيل أو تطوير رؤية، فإذا كانت كل قطعة سرد من القطع الـ65 التي تضمنها الملف، مهمة في ذاتها، فإن أهميتها تتضاعف كثيرًا لكونها جزءًا يستكمل أجزاء أخرى من أجل توفير سياق قابل للفحص والتحليل والخروج بنتائج.

تستهل الروائية المصرية سهير المصادفة نصها السردي المنشور في هذا الملف هكذا “ما الذي يجعل لحظة بعينها ماثلة أمام أعيننا طوال حياتنا، ندور حولها ونسبر عمقها في أيامنا، ونتذكر أدق تفاصيلها، وتنتابنا الرعدة نفسها خوفًا أو حبًا أو حنينًا لها!”. ولا شك في أن كلًا منّا يمتلك لحظة أو لحظات كلحظة سهير المصادفة، وأستكمل تساؤلات المصادفة: ما الذي يجعلنا نكتب هذه اللحظة ونحوّلها إلى إبداع؟ والإجابة في ما بادرت به مجلة “الجديد” من استخدام الصحافة كوسيلة إبداعية هامة لاستحضار تلك اللحظات وتحويلها إلى كتابة. أرجو ألاّ يتوقف هذا النهج وأتمنّى أن تصيب عدواه المجلات الثقافية الأخرى التي لم تتجاوز بعد مرحلة تقديم المعلومة.

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

13