الاستماع إلى صوت العقل

الخميس 2013/11/14

هناك إجماع بين الليبيين على أن بلادهم مؤهلة لأن تشق طريقها إلى عالم النماء والازدهار والحرية، بعد ثورة 17 فبراير المجيدة التي أزاحت نظاما انقلابيا عسكريا، فرض عليها نفسه بالقوة، ولم يكن ممكنا إزالته بغير القوة، التي تجسدت في شكل حرب سفكت فيها دماء عشرات آلاف الشهداء، ودمرت المدن وأهدرت موارد البلاد، وأنتجت واقع ما بعد الحرب، انتشرت فيه الأسلحة واستولت فيه شراذم مسلحة وميليشيات شعبية مسلحة خارجة عن القانون على مناطق من البلاد، وحاولت فرض وجودها على الدولة وعلى المسار الشرعي، وعلى بقية فئات الشعب اعتمادا على البلطجة وقوة السلاح.

وسواء انتمت بعض هذه الشراذم حقا إلى الثوار، أو جاءت إلى هذا السياق المجافي للقانون من خارج الفضاء الثوري، (مثلما أفاد تصريح وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة عن وجود 12 ألف سجين هارب من أحكام جنائية، صاروا أعضاء في هذه الميليشيات) فقد صار الإثنان يستويان، لأن حدود الثورة انتهت بانتهاء زمن الثورة ضد الطاغية، أما ما يحدث الآن فهو عمل ضد الشرعية الجديدة التي أنتجتها الثورة، بمعنى أنه عمل ضد الثورة الحقيقية، وإعاقة لقيام دولتها، وضد تحقيق نتائجها وجني ثمارها.

ما يحصل الآن هو خدمة للعهد القديم، لأنه يكرس مفهوما من أهم مقوماته وهو فرض السلطة بالقوة، ويرعى تراثه المجافي للديمقراطية وحرية المواطن، ويهدم أسس الشرعية، ويهدر مقومات الدولة.

والأهم من هذا وذاك، أنه يضيع على ليبيا فرصة اللحاق بركب التقدم، والانتظام من جديد في سياق دول العالم التي تصنع التنمية، وتبني المجتمع الحديث المسلح بالعلم وثقافة العصر.

ولكن الأصوات كلها، بما فيها أصوات هؤلاء العاملين خارج القانون، تتحدث نفس اللغة مع بقية المواطنين، بأن الفرصة سانحة لليبيا بأن تمضي في طريق الازدهار والبناء والنماء والحرية دون مشاكل ولا عراقيل، بما حباها به الله من موارد النفط، وما تملكه من موقع استراتيجي، وما لديها من مساحات شاسعة من شواطئ البحر والجبال الخضراء والأرض الساحلية الزراعية والثروة السمكية، ومعادن أخرى غير النفط، بينها الحديد والنحاس والمنغنيز، وأنواع لا حصر لها من مثل هذه الثروات المعدنية التي يعرفها أهل الاختصاص.

وهناك دراسات علمية كثيرة تغبط ليبيا على ما تملكه منها، بل تلوم العهد الماضي لأنه لم يعمل على تنميتها وتصنيعها.

العهد الذي لم يكن مهتما بتحسين الوضع المعيشي للمواطن الليبي، ولم يكن من أولويـاته أن يرفع مستوى دخله، وكل ما كان يهمه ويعنيــه هو أن يأخذ ريع البترول، ويصرفه على أعمال السفه، وتقديــمه في صورة رشاوى لتزكية نفسه، وشراء الولاء ممن يهمه أمرهم، ويقايــضه مع الدول الكبرى، بما يمد في عمره مطبقا على أعناق الشعب الليبي، يمارس عليه قهره وقمعه، بالقوة والتآمر والاستقواء بدوائر الاستخبارات العالميــة.

هذا عدا تحالفاته المشبوهة مع الأنظمة الإقليمية وقادتها العملاء، ممن كانوا يدعمون الطاغية، ويؤازرونه في قهر شعبه وإخماد الثورات ضده، ومطاردة المتمردين والثوار ومحاصرتهم، وهناك حالات كانت الأنظمة العربية المتاخمة لليبيا، تقوم فيها بتسليم المعارضين له، والمساومة بهم في لحظات الخصومة مع الطاغية، ثم تقوم بعد المصالحة ببيعهم، والعمل على ملاحقتهم ومحاصرتهم وطردهم بعد إعطائهم اللجوء السياسي. وحصلت هذه الفصول المؤسفة مع أغلب الأنظمة العربية التي كانت موجودة، وخاصة منها الأنظمة المجاورة لليبيا مثل مصر حسني مبارك، وتونس زين العابدين بن علي، وسودان عمر حسن البشير.

ثمة تطورات بطيئة حصلت في ليبيا في اليومين الأخيرين، فقد تركت ليلة مرت على أهل طرابلس- حين تبادلت الميليشيات إطلاق النار- أثرا عميقا في الرأي العام في ليبيا، فقد تفجر الصراع مسلحا بين هذه الجماعات وتدخل بعض أهل العقل، لكي تبقى الخسائر محصورة في حدها الأدنى، إلا أنها كانت تمرينا مرعبا على العنف في أكثر صوره بؤسا.

فقد استعملت الأسلحة الخفيفة، بشكل كثيف استمر أغلب ساعات الليل، والأنكى والأكثر مدعاة للخطر، استعمال أسلحة ثقيلة مثل الدبابات والقذائف المدفعية وصواريخ الار بي جي ومضادات الطيران، وهي اشتباكات حصلت بين الميليشيات في طرابلس وداخل أحياء سكنية، وبسبب عراك نشب بين عنصرين ينتميان إلى هذه الميليشيات، نتج عنه سقوط أحد عناصرها قتيلا، هذا هو السبب الذي جعل عاصمة البلاد تدفع الثمن.

وهو أيضا ما جعل نواقيس الإنذار تدق في اليوم التالي لهول ما حدث وما يمكن أن يحدث لو تكررت مثل هذه النزاعات المسلحة بين شراذم من الناس ينقصهم الحس الوطني، كما ينقصهم الوعي وروح المسؤولية ومراعاة الشعور العام لدى جميع الأطياف والحساسيات.

فكان أن أرسلت تلك الليلة مؤشرات تهدد الوطن، وجعلت الناس ينتبهون إلى أن هذه المعارك بواسطة الأسلحة الخفيفة والثقيلة، يمكن أن تتطور إلى حرب مدمرة، واستشعرت الخطر هيئات رسمية وأخرى أهلية، وارتفعت أصوات التحذير والإنذار والخوف من النذر القادمة في شتى المواقع من بينها أروقة المؤتمر الوطني العام، ومكاتب الحكومة ودار الإفتاء وهيئات المجتمع المدني.

وتعالت أصوات الناس في الإعلام وفي الهيئات الشعبية، تصرخ بأنه لا يجب أن يتكرر ما حدث تلك الليلة، وأن القوى الوطنية والشعبية المدنية، سوف تعمل ما في وسعها لإيقاف هذا الاجتراء على الحق العام، وهذا الاستهتار بأمن العاصمة، وهذا العبث بحياة الناس وهذا الاعتداء على الدولة وعلى الشرعية وعلى القانون.

خرجت فعاليات سياسية من داخل المؤتمر الوطني تطالب بتفعيل القرارات السابقة التي كانت تقضي بإخلاء العاصمة من كل الميليشيات المسلحة، فضلا عن قرارات أخرى تطالب بأن تنضم هذه الميليشيات إلى مؤسسات الشرطة والجيش، وقد انضم بعضها صوريا وبشكل جماعي، إلا أن هناك تصميما وإصرارا الآن على أن يتم ضمها بشكل فردي وفعلي.

علما وأن بعضها يتقاضى أموالا من ميزانية الدولة، ويتم تكليفه بمهمات يقوم بعكسها.

وكان أهم ما حصل هو خروج سكان العاصمة طرابلس في مظاهرة تقول لا للمليشيات المسلحة ولا للبلطجة، ولا للاجتراء على القانون، وابتزاز الوطن والشعب باسم الثورة والثوار، ونعم لدولة عصرية يحكمها النظام والقانون وشرعية المؤسسات الدستورية.

فهل نرى انتصارا هذه المرة لصوت العقل؟


كاتب ليبي

9