الاسم الشاذ جريمة يرتكبها الآباء في حق الأبناء

الجمعة 2015/01/02
الاسم الغريب يدفع الطفل للعزلة وتجنب الآخر

يمثل الاسم علامة مميزة لتحديد هوية الشخص وهو يلازم الإنسان منذ ولادته، الأمر الذي يجعل اختيار اسم المولود الجديد من أصعب الخيارات التي يجب على الآباء التفكير فيها جيدا كي لا يلومهم الابن أو البنت عند الكبر عن خيارهم، فالاسم يمكن ألا يتماشى مع العصر أو مع محيط المسمى، وأحيانا يصبح مصدرا للسخرية منه أو يجلب له المشاكل والمتاعب الاجتماعية والنفسية.

يقول مصطفى الهلباوي المحامي: لقد تناولتُ قضايا الأسماء عشرات المرات، بسبب محاولة تغيير الاسم الذي قد يسبّب مُشكلة لصاحبه، ونحن نعرف أن للأسماء صلة لصيقة بالشخصية، وأنها أيضاً انعكاس لثقافات وحضارات الأمم. وكانت قاعات المحاكم مسرحا لعرض المآسي الإنسانية التي سبّبتها الأسماء، ولعل أبرزها مأساة الشاب “ناهد” وحيد أبويه، اللذين فقدا كل أطفالهما السابقين، فقرّرا في النهاية إطلاق اسم فتاة على طفلهم كي لا يفقدوه، حسب تصورهم.

وعندما كبر “ناهد” بدأت معاناته بسبب اسمه، فقد خسر فرصة عمل أتاحتها له الظروف، إذ لم يتبيّن للمشغل من وثائق ملفه المرسل أنه ذكر، ومن ثم تسلّم استدعاء للالتحاق بوظيفة تعليمية في إحدى المدارس، وبعدها صدم بأن المطلوب للعمل مُدرسة أنثى، وما كان منه إلا اللجوء إلى القضاء لتغيير اسمه، وتوجد وقائع لا حصر لها تتضمّن تفاصيل مماثلة لمعاناة مَنْ يحملون أسماء غريبة أو شاذة.

ويضيف الهلباوي: الأسماء مرآة لمُعتقدات مَنْ يختارها، وتأتي كإفراز مُباشر للبيئة المحيطة والظروف السياسية، لذلك نجد أسماء كثيرة شائعة في مناطق دون أخرى، الريف مثلاً يختلف عن الحضر وعن المناطق الشعبية، لكن تلك الأسماء تنتقل بسرعة من المدن إلى القرى، ومن الطبقات العليا إلى الدنيا، هذا بالإضافة إلى أن بعض التسميات مُرتبطة بأحداث يمر بها المجتمع أو أسرة المولود نفسها، فمثلاً انتشر اسم “ناصر” و”عبدالناصر” في مصر كلها سواء الريف أو المدينة، بعد ثورة يوليو وخلال حقبتي الخمسينات والستينات، بالإضافة إلى انتشار أسماء أخرى لقيادات الثورة، مثل صلاح “نسبة إلى صلاح سالم”، وعبدالحكيم “نسبة إلى عبدالحكيم عامر”.

الطفل يفاجأ عند دخول المدرسة بأنه ضمن ظاهرة شاذة، ويضطر لمواجهة سخرية الزملاء بالانطواء والخجل

ويقول أحد الآباء إسماعيل حمدي (40 سنة): إن مُعظمنا يستخدم العديد من أسماء التدليل لأطفالنا كدلالة على الحب والرعاية، ورغم أننا نعلم أن هذا خطأ تربوي، وأن له آثارا نفسية واضحة بعد تخطي الصغير لمرحلة الطفولة، حيث يستعمله الرفاق كوسيلة للاستهزاء منه ووضعه موضع سخرية، مثل أن يطلق على الطفل “ميمي” أو “ميدو” أو “سوسو”.. إلخ.

إن اختصار الاسم أو اللجوء إلى نُطقه بشكل مُبسّط، يناسب الصغير في مراحله الأولى، من أجل مُساعدته وتسهيل عملية النطق لديه وترديده، ثم الاستمرار بعد ذلك في التعامُل بواسطته، وهو ما يخلق طفلا ثم شابا تعوّد على التدليل المستمر على اسمه، لينتهي بذلك إلى طفل غير قادر على تحمُّل المسؤولية.

ويشير أحد أساتذة وزارة التربية د. محمد مصطفى السكري، إلى أنه من الضروري تجنُّب الوالدين لبعض السلوكيات داخل الأسرة، التي تعمّق ميل الأبناء إلى تداول أسماء التدليل، ونجد ذلك عند الأم ورغبتها في تلقيب أسرتها لها بالعديد من الأسماء التدليلية بدلاً من لقب الأمومة، وهذا يساعد على تراجُع قيمة الاحترام بين الأجيال، وتوسيع المساحة الإنسانية بين الأم وأبنائها، فليس هنالك أعظم من لقب الأم في الوجود، أما السلوك الآخر فهو تبادُل أسماء التدليل بين أفراد العائلة بشكل مبالغ فيه وعدم استعمال الاسم الحقيقي إلا نادرا.

ويشيد علماء النفس بالأسماء التي تُعتبر موازية للاسم الأصلي، مثل “أبو خليل” بدلاً من “إبراهيم”، ويقولون إنها صحية اجتماعياً، وتسهم في إذابة الجمود الاجتماعي، وذلك بسبب بُعدها عن التدليل، واختصار الاسم بشكل فيه بُعد عن إحراج الشخص الملقّب به.

علماء النفس يشيدون بالأسماء التي تعتبر موازية للاسم الأصلي، لأنها صحية اجتماعياً، وتسهم في إذابة الجمود الاجتماعي

وتوضح د. سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن المصريين بطبعهم يميلون إلى تدليل أبنائهم كتعبير عن الحب، والأسماء التي يطلقونها تختلف نسبة انتشارها من الريف إلى الحضر، فسكان المدن أكثر إقبالاً على تلقيب أولادهم باسم التدليل من القرويين، ولكن ذلك لا ينفي وجود هذه الظاهرة في الريف، ولوحظ أن الاسم نفسه تختلف تحويراته التدليلية من مكان لآخر، فمثلاً “زينب” نجدها “زوبة” أو “زنوبة” في المناطق الشعبية والقروية، بينما تكون “زيزي” في المدينة والأوساط الراقية.

وتدل الإحصائيات الأخيرة، على أن التركيز على التسميات المستمدة من الأديان في انخفاض مُستمر، ولكنها في المدن ملحوظة بدرجة أقوى، بينما تسود المجتمع موجة من الرجوع إلى الأسماء التراثية، بسبب عدم انتشارها بشكل كبير، والآباء دائماً يبحثون عن التميُّز لأبنائهم.

أما سيد صبحي، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، فيقول: يجني بعض الآباء على أبنائهم دون قصد، وتدفعهم عِدة رغبات، مثل مُحاولة إشعار الطفل بأهميته لديهم، وتعبيراً عن مشاعر الأبوة والحنان له.

غير أن هذا يتسبّب في صدمات نفسية للأبناء بعد ذلك، خاصة مَنْ يحملون أسماء قبيحة لم يتعوّد عليها المجتمع، وتكون الصدمة أعنف عندما ينتقل الابن من نطاق الأسرة الضيق إلى المحيط الأوسع، فهو مُعتاد على رد الفعل الطبيعي وغير المستغرب من اسمه، لكنه يُفاجأ عند دخوله المدرسة أو الجامعة، أن اسمه مُثير للسخرية، وأنه ضمن ظاهرة شاذة، ويضطر لمواجهة سخرية الزملاء بالانطواء والخجل.

والتأثير يكون مضاعفاً لدى الفتيات، فهن أكثر حساسية وأقل جُرأة في التصدي للمُضايقات؛ مما يتسبّب في اعتزالهن المجتمع والخوف من الانخراط في المحيط الخارجي.

21