الاسم والقناع

الأربعاء 2014/12/10

قبل سنوات عندما اطلعت على رواية “هذيان: أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة”، للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي، اعتقدت للوهلة الأولى أن: “ألفارو دي كامبوس” و”ألبيرتو كايرو” و”ريكاردو رييس”، شعراء حقيقيين، عاصروا “بيسووا”، وربطته بهم وشائج الصداقة، ولعنة الكتابة، فلهم جميعا سير مأثورة، وتواريخ ميلاد محددة، وأساتذة معروفون، وانتسبوا كلهم إلى تيارات أدبية، وروّجوا لجماليات شعرية متباينة، وقامت بينهم معارك وسجالات، ثمّ حين اكتشفت أنهم أسماء فقط، وأقنعة لكاتب فرد، هو “بيسووا” نفسه، تبلورت في ذهني، بوضوح أكبر، الدينامية الذاتية للاسم، التي تقابل في العمق وهم “الاسمية”، وبتّ موقنا أن الكتابة لا تحيل في العمق على ذوات مرجعية، بقدر ما تنتسب إلى صور اسمية، صور لا ماهية لها إلا أسلوبها، ولا امتداد لها إلا في الكون النصي، صور تزدهي بالألوان في مجال دنيوي مكتسح بالبياض.

والحق أن هذا الولع الغريب بحجب الاسم الأصلي، ينطوي على نزوع فطري للتميز والوحدانية، وضيق بالمنازعة والاشتراك، وسعي إلى تحصين الشهرة والمجد، وهي سمة تلتقي بظاهرة مفارقة عرفها الأدب القديم أيضا، وهي زهد المؤلف في اسمه لحساب المرويات، إذ في كثير من الأحيان يبدو الشاغل الرئيسي للكاتب الكلاسيكي هو مصير القصيدة أو الخبر أو الرسالة، نذكر جيدا في هذا السياق مؤلفين عديدين ألفوا كتبا ونسبوها إلى شخصيات وهمية، كـ: “أبي عبدالله الجهشياري”.

كما أن بمقدور أيّ مطلع على التراث العربي أن يحصي عشرات القصائد التي نحلت ونسبت إلى شعراء آخرين لتخليد ذكر قبيلة أو إمارة أو مدينة أو نسب، ويمكن العودة إلى كتاب كـ”جمهرة أشعار العرب” أو “الأصمعيات” أو “ألف ليلة وليلة” للوقوف على عشرات النصوص الشعرية المنسوبة إلى موسى أو آدم أو إلى الشيطان نفسه!!

في روايته الآسرة “علي باي العباسي” كتب الروائي الإسباني: “رامون مايارتا” في الأسطر الأخيرة من خاتمة النص ما يلي:

«الاسم جدار يرتفع حول الكائن البشري، مكان عصي بعيد عن الطرق التي تمضي فيها الحياة. ومن يحمله يبقى دائما في المكان ذاته، حتى ولو ابتعدت أقدامه وتلف حذاؤه. لكنني أنبهكم، على الأخص، إلى أنه ما من اسم، أيّ اسم كان، بمنجى من اللصوص من أي ّشخص جريء، عازم على السيطرة عليه والتمتع به والمعاناة معه، وتحمله كما يتحمل القدر».

نحن نعيش بأسمائنا، نتورّط فيها، نعيد تركيب مقاطعها وحروفها، نتعزّى بكونها صلدة لا ينفذ إلى تجاويفها انسراب الزمن، نرى فيها وجوهنا، دوما، نضرة بلا تجاعيد، لكننا ننسى أنها غيرنا، وأنها قد تهرب في غفلة منا، وقد تخون.

كاتب من المغرب

15