الاشتباك المسيحي السني في لبنان في زمن المجازر الكبرى

الأحد 2015/07/12

لا يخفى على أحد أن المعركة الرئيسية المندلعة في المنطقة اتخذت طابعا سنيا شيعيا، وأن المسيحيين تحوّلوا أو حوّلوا أنفسهم إلى أقلّيات تتبنى منطق الحماية الغربية، أو تتحالف مع أنظمة تطالب الشعوب بإسقاطها.

أسفرت هذه المعركة عن تحويل المسيحيين في لبنان إلى مجرد تلوين سياسي تلحقه القوى الإسلامية السنية والشيعية بها بغية كسب بعد وطني، ومحاولة امتلاك الحق في النطق باسم عموم اللبنانيين. ما جرى مؤخرا من اشتباك مسيحي عوني مع موقع رئاسة الحكومة السنّي يفيد برغبة حزب الله في نقل المعركة الفعلية التي يخوضها ضد السنة بالأصالة إلى معركة يقودها الجنرال عون بالوكالة.

تهمة الداعشية التي ألصقت برئيس الحكومة تمام سلام، وادعاء جبران باسيل أنه الناطق باسم رئاسة الجمهورية، هما جزء من مجموعة تفاصيل متراكمة تقود إلى استنتاج مفاده أن المعركة الشيعية السنية المفتوحة في المنطقة باتت لبنانيا بحاجة إلى استجرار تحالفات إقليمية ودولية، يتحول إزاءها الوضع اللبناني الداخلي إلى تفصيل عابر. هذه الحالة تحقّق طموح حزب الله بشكل خاص في ظل ما رشح من معلومات تفيد أن ما كان يغطي الوضع اللبناني من مظلة دولية بدأ بالتراخي، ما ينذر بتلاشيه قريبا وترك البلد لمصيره.

لا يوجد حاليا طرف قادر على السيطرة على البلد بالقوة سوى حزب الله، وكل التفاصيل المتعلقة بالشأن الداخلي والتي قام الاشتباك العوني السني على أساسها ليست سوى رجع أصداء التطورات العسكرية في المنطقة وبشكل خاص في سوريا. الجنرال عون بنفسه صرّح مؤخرا أنه كان هناك شبه اتفاق عام على تعيين اللواء شامل روكز قائدا للجيش، ولكن سقوط جسر الشغور بيد المعارضة السورية أدى إلى التراجع عن هذا الاتفاق. بدا عون غاضبا ومحتجا على ربط مسألة التعيين بتطورات المنطقة. جاء عنوان حقوق المسيحيين كمحاولة لفك هذا الارتباط وحصره في الساحة اللبنانية في حين أن حزب الله حليفه لم يدفع به إلى واجهة الاشتباك إلا في اللحظة التي بات فيها الشأن الداخلي في حالة وفاة سريرية، وبات ملحقا بالخارج بشكل كامل.

صدرت تصريحات من حزب الله تقول للجنرال إن عدم مشاركة الحزب وجمهوره في غضبته المسيحية كان بسبب عدم الرغبة في التسبب بضرر له. وكذلك اشتكى حلفاؤه المسيحيون من عدم التنسيق معهم، وكذلك كان الرئيس نبيه بري قد عبّر مؤخرا عن استياء شديد من سلوك عون.

قاد الجنرال عون إذن معركة حقوق المسيحيين وحيدا في مواجهة ما أسماه بداعشية رئاسة الحكومة. اصطدم جمهوره ونوابه مع الجيش اللبناني في مشهد يسعى إلى إعادة تظهير صورة النضال العوني ضد الجيش السوري. بات الجيش اللبناني القامع جيشا سنيا داعشيا في التصور العوني، وباتت مواجهته تتخذ طابع استعادة حقوق المسيحيين التي تضم إضافة إلى ملكية رئاسة الجمهورية والنطق باسمها ملكية الجيش اللبناني الذي تقتصر مهمته على قمع الداعشية السنية ومحاربتها.

السيناريو المفترض كان يقضي بأن يهبّ الشارع السني لمواجهة العونيين فيشتبك مع الجيش اللبناني، وساعتها يتدخل حزب الله للدفاع عن الجيش ورد إرهاب التكفيريين. يتم بعد ذلك تحقيق أهداف بالجملة تتضمن تمكين ربط الداعشية بالسنة، وإظهار قائد الجيش العماد قهوجي بمظهر غير القادر على ضبط الأمور وتاليا يتم الدفع بالجنرال روكز للظهور في هيئة المنقذ الذي لا غنى عنه. بعد ذلك يتم فرض الجنرال عون كرئيس للجمهورية بقوة الأمر الواقع، وتكون حقوق المسيحيين قد اكتملت وأنجزت، ويكون حزب الله قد أحكم من خلالها سيطرته الفعلية على كامل مفاصل البلاد، أما منصب رئاسة الحكومة فلا يعود حاملا لأيّ دور أو معنى.

هذا السيناريو لم ينجح بفضل جهود جبارة بذلت لضبط الشارع السني.

من ناحية أخرى لم ينتبه الجنرال أن سعيه للفيدرالية يصطدم بمصالح دول إقليمية كبرى، فها هي تركيا على أهبة التدخل في سوريا لمنع إقامة دولة كردية على حدودها من شأنها تهديد أمنها، وكذلك فإن الدولة العلوية المنتظرة في الشمال السوري، والتي يجتهد حزب الله باستماتة في محاولة السيطرة على مناطق معينة من شأنها وصل حدودها ببعضها البعض لا تبدو قابلة للحياة، وكذلك تواجه الدولة الداعشية حربا كونية ضدها. كل هذا يعني أن هناك تقاسم نفوذ في المنطقة لا تتخذ الأمور فيه طابع السماح بإنشاء دويلات بل بتقاسم نفوذ بين الدول الإقليمية والقوى الدولية. دولة المسيحيين اللبنانيين لا تبدو ممكنة حتى في لبنان، ومحاولة ربطها بحلف الأقليات لا يثير اهتمام أحد لأنه ليس لدى المسيحيين اللبنانيين ما يقدمونه لهذا الحلف المحارب، بل ربما يشكلون عبئا عليه.

تبقى اللعبة التي يدفع الجنرال في اتجاهها هي لعبة الحرب ضد داعش، وهو قد وصل في سعيه لتحقيقها حدود تبنّي الداعشية نفسها على أمل أن تجرّ الداعشية المسيحية في وجه السنة في لبنان داعشية سنية عامة واضحة ومباشرة. يمارس الجنرال هذه اللعبة في لحظة باتت فيها المجازر هي التي ترسم الحدود، وهي مجازر تتسع لدرجة أن مسيحيي لبنان جميعا لا يشكلون علامة فارقة قابلة للملاحظة داخل منظومتها الهولية الشاسعة التي تستطيع ابتلاع طوائف وإثنيات كاملة دون أن يشكل هذا الأمر أيّ فرق أو ينتج عنه أيّ أثر.

كاتب لبناني

6