الاشتباك بين السياسي والثقافي

الثلاثاء 2017/04/25

العلاقة بين السياسي والثقافي كانت وما زالت وثيقة الارتباط منذ العصور التاريخية القديمة وحتى الآن. كل حضارة سادت حاولت أن تنشر ثقافتها. مكتبة الإسكندرية ومراكز الفلسفة في الشمال السوري شواهد على هذه العلاقة خلال حكم اليونان للمنطقة. الإسلام فعل الشيء نفسه في مناطق انتشاره. نابليون استقدم مع جنوده وبوارجه في حملته على مصر مطبعة وحشدا من رجال الثقافة والعلم.

الاستعمار الغربي فعل الشيء نفسه وما زالت لغته هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية في البلاد التي احتلها. الولايات المتحدة التي بدأت منذ الخمسينات من القرن الماضي تمد نفوذها في بلادنا دعمت بسخاء الاتجاهات الحداثية في الشعر العربي، كما ظهر في فضيحة جماعة مجلة شعر. الاتحاد السوفييتي من جهته عمل بدأب على ترويج ثقافته حتى أصبح الكثيرون من أبناء جيلنا يعرفون عن تلك الثقافة أكثر مما يعرفون عن الثقافة في أقطار عربية قريبة.

التأثير الواسع لسلطة السياسي على الثقافي وصل إلى العلوم الإنسانية والنقد الأدبي والأدب داخل البلدان الاشتراكية وخارجها وكان ذلك تجسيدا للاستخدام السياسي والأيديولوجي للثقافة، كوسيلة لنشر الأفكار والمفاهيم في مواجهة الخصم الأيديولوجي الرأسمالي. الآخر الرأسمالي لم يكن أقل توظيفا للثقافة لمحاربة العالم الاشتراكي.

الحداثة في الغرب كانت ثمرة العلاقة الجدلية بين السياسي والثقافي بوصفها بنية عليا. أما ما بعد الحداثة فقد تلازم ظهورها مع سيادة الهيمنة الأميركية في العالم، والتي عززت انتشار ثقافة الاستهلاك. الإنتاج الثقافي كان جزءا من انتشار الطابع الكوني للاستهلاك والإنتاج.

النظام الأميركي للولايات المتحدة بعد أن أرسى قواعده عمل على ابتداع ثقافة أميركية خاصة تمنحه التمايز عن الثقافة الغربية الأم. الأحزاب القومية العربية عندما حكمت عملت على تكريس الثقافة القومية. كذلك فعلت الأنظمة العربية الأخرى وفق طبيعة بنيتها.

المفارقة أن ما بعد الحداثة التي نشأت باعتبارها مشكلة جمالية وسياسية، عملت جاهدة على إفراغ الثقافة الطليعية من مضمونها السياسي، في حين يرى منظّر الثقافة الطليعية بيتر بورجر أن هذه الثقافة محاولة لمحو الحدود بين الثقافة والمجتمع السياسي.

ما تفعله الحركات السلفية والجهادية لاستقطاب المزيد من الشباب لمشروعها يقوم على نشر ثقافة الكراهية والموت والعدمية. لذلك فإن محاربة التطرف تقوم أولا على تجفيف منابع هذه الثقافة وتقديم خطاب ثقافي بديل يعلي من قيمة الحياة والإنسان ويكرس قيم التعايش والتآخي والمساواة. يشتبك السياسي والثقافي في بعديهما الأيديولوجي والاجتماعي ليظل استقلال الثقافي في هذا المشهد نسبيا.

كاتب سوري

15