الاضطرابات الإقليمية وتهديد إيران.. خطر على الأمن الغذائي الخليجي

الجمعة 2014/01/10
دول الخليج وضعت خططا لضمان أمنها الغذائي

لندن- تضافرت العوامل الجغرافية والسياسية لتجعل من مخاطر الإمدادات مصدر قلق لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي، فتهديد الولايات المتحدة بحظر الغذاء ضد دول “أوبك”، كان بمثابة تذكير لسكان دول مجلس التعاون الخليجي بمدى هشاشة أمنهم الغذائي وارتباطه بأجندات سياسية.

يعتمد الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي بالكامل تقريبا على التجارة الدولية. وتتمثل الواردات الخليجية بالأساس في السلع الاستهلاكية. ويحتلّ الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي أهمية سياسية في المنطقة، وفق دراسة أعدتها مؤسسة بحثية بريطانية.

اهتم معدّا الدراسة، روب بايلي وروبين ويلونباي، بتأثر الأمن الغذائي لدول الخليج النفطية بالأحداث التي تشهدها المنطقة، كالانتفاضات العربية واستمرار عدم الاستقرار في مصر وسوريا، إضافة إلى العقوبات التجارية المفروضة على الدول المجاورة والتهديدات من جانب إيران بإغلاق مضيق هرمز حيث ضاعفت كل هذه العوامل من هذه المخاوف. لذلك سعت الحكومات إلى إعادة تقييم الاستراتيجيات المتبعة في مجال التجارة واستخدمت مجموعة متنوعة من التدابير لتعزيز أمنها الغذائي.


الأمن الغذائي في دول الخليج


لم تشرف الحكومات الخليجية النفطية الغنية قط على مواجهة نقص في الغذاء ولكنها، وفي ظل الظروف العالمية والإقليمية، باتت تشعر بالقلق من تأثر أمنها القومي الغذائي.

الوضع السياسي المضطرب يؤثر على الحركة التجارية الدولية وعلى أسعار النفط، ويفرض على دول مجلس التعاون حماية أمنها الغذائي

وضعها الجغرافي والبيئي، الذي لا يوفّر أرضية مناسبة لإنتاج المحاصيل الزراعية كارتفاع درجات الحرارة وضعف نسبة هطول الأمطار، إلى جانب الوضع السياسي المضطرب والذي يؤثّر بدوره على الحركة التجارية الدولية وبالخصوص على أسعار النفط، يفرض على دول مجلس التعاون البحث عن بدائل حتمية لحماية أمنها الغذائي.

ويرى الباحثان أن الاعتماد الخليجي على التجارة العالمية في توفير الغذاء يجعل دول مجلس التعاون عرضة لخطرين رئيسيين: خطر التزويد المتعلق بتوفر الواردات الغذائية وخطر الأسعار المتعلق بالقدرة على تحمل تكاليف واردات الغذاء.


مخاطر التزويد


يشير روب بايلي وروبين ويلونباي، في الدراسة، الصادرة عن معهد “تشاتم هاوس"، إلى أن المخاطر الرئيسية للأمن الغذائي لدول الخليج تتمثل في مشكلة التزود، فلفترة غير قصيرة لن تكون الحكومات قادرة على تأمين إمدادات كافية من الأغذية بأي ثمن مع الخشية من السيناريو الأسوأ في صورة إغلاق جميع منافذ الاستيراد لأسباب عديدة، أهمها حالة عدم الاستقرار في المنطقة. في هذا السياق بيّنت الدراسة أن دول الخليج تستورد ما بين 80 و90 بالمئة من غذائها الذي يدخل أغلبه عبر ممري شحن مهدّدين بالإغلاق بسبب الصراعات الإقليمية أو الضغوط السياسية.

مثال ذلك أن حوالي 88 بالمئة من إجمالي صادرات النفط لدول الخليج تمر عبر مضيق هرمز، لذلك تؤثّر محاولات إيران لغلق المضيق أو عرقلة الحركة به على هذه الصادرات المتجهة نحو الأسواق في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

وهددت إيران عام 2012 بإغلاق مضيق هرمز إذا تعرضت لهجوم أثناء تصاعد التوتر مع الغرب العام الماضي بشأن برنامج طهران النووي. وأثار الاضطراب السياسي في مصر مخاوف بشأن أمن الملاحة التجارية في قناة السويس على مدى العامين الماضيين، خاصة وأن البلاد تواجه سلسلة هجمات شنها متشددون في منطقة شمال سيناء، الواقعة شرقي القناة. وأكثر من 80 بالمئة من قمح الخليج يأتي عبر قناة السويس.

وقال روب بيلي، “كل واردات دول الخليج من أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا والبحر الأسود يجب أن تمر عبر قناة السويس التي استهدفها متشددون في الآونة الأخيرة بهجوم بقذائف صاروخية على سفينة حاويات”. وأضاف “إذا أغلقت قناة السويس، فيجب تغيير مسار الواردات إلى طريق رأس الرجاء الصالح، لكن إذا أغلقت الصراعات الإقليمية قناة السويس وخليج هرمز معا فإن حكومات الخليج يمكن أن تواجه صعوبات حقيقية في استيراد ما يكفي من الغذاء لبلادها”.

التوصيات التي تقدم من أجل تعزيز الأمن الغذائي تتركز على تنويع مصادر استيراد السلع الغذائية والطرق التي تسلكها والتنويع في مصادر الدخل

وتمثل التجارة البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي نسبة سبعة في المئة فقط من الواردات الغذائية في سنة 2010 في حين بلغت الواردات من دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط نسبة تسعة في المئة. وشكلت الإمارات العربية المتحدة الاستثناء الوحيد بعد أن أصبحت محورا لإعادة التصدير الإقليمي، إلى جانب المملكة العربية السعودية المصدر الإقليمي لمنتوجات الحليب.


أسعار الغذاء العالمية


كغيرها من دول العالم، الغنية والفقيرة، تتأثر دول الخليج بعدم استقرار أسواق التوريد العالمية بسبب تقلبات المناخ مثل الجفاف أو موجات الحرارة في مناطق الإنتاج الرئيسية. كما يشعر الساسة في الخليج بالقلق إزاء خطر تدهور الميزان التجاري في صورة واصلت أسعار المواد الغذائية صعودها بشكل أسرع من أسعار النفط على المدى الطويل.

ومن المرجح أن يصبح التغير المناخي دافعا متزايد الأهمية في تحديد أسعار السلع الزراعية. ويمكن لدول الخليج، حسب الباحثين، أيضا توقع سيناريوهات أخرى كحدوث عاصفة كبرى تتسبب في إغلاق الموانئ مؤقتا وتعطيل الواردات وإغلاق مضيق هرمز بصفة مؤقتة، أو اعتماد الدول المصدرة لنظم وقواعد تصدير جديدة تشمل السلع المتداولة مثل الأرز مما يؤدي إلى انقطاعها مؤقتا.


استراتيجيات الأمن الغذائي


تعمل حكومات دول مجلس التعاون على اتباع مجموعة من السياسات لإدارة مخاطر الأسعار والتزود ومن أهمها، تشهد الدراسة أن هذه الاستراتيجيات نجحت إلى حدّ ما في إدارة المخاطر المتعلقة بالأمن الغذائي، من خلال الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية رغم حجم تكاليفها المرتفعة. وفي النهاية عادة ما يرتبط حجم الاحتياطي (وكمية التغطية التي يوفرها) بقرار سياسي، ويبدو أن حكومات دول مجلس التعاون على استعداد لتمويل احتياطيات كبيرة في مقابل الحصول على تغطية شاملة.

كما توفر استثمارات البنية التحتية فرصا أخرى لإدارة مخاطر الإمدادات، وبالخصوص من خلال توفير شبكة إقليمية من الموانئ في أعماق البحار على سواحل البحر الأحمر والسواحل العمانية والإمارات العربية المتحدة، ترتبط بخطوط سكة حديدية مع مواقع الخزن الاستراتيجية، وهو ما من شأنه أن يوفر المزيد من الخيارات للحكومات قصد التحضير والوقاية من مخاطر اختناق النقاط البحرية بفعل تعطيلها أو إغلاقها. ولكن تحقيق هذه الفرصة يظل رهن تعزيز التعاون بين الحكومات.


الاستثمار في الخارج والإمدادات

الاستثمار في الداخل.. هل يضمن الاكتفاء
لندن- رغم ما يكلفه المخزون الاستراتيجي من موارد وجهود إلا أنه يعد أقل كلفة بكثير من إنتاج الحبوب في صحراء دول مجلس التعاون الخليجي.

في المملكة العربية السعودية تقدر تكاليف التخزين سنويا بـ 70 مليون دولار للاحتياطي من القمح وهي تكلفة ضئيلة مقارنة بتكلفة إنتاج القمح التي تجاوزت 5 مليارات دولار سنويا بين سنتي 1984 و2000.

وخلال تلك الفترة أنتجت المملكة العربية السعودية القمح بتكلفة تفوق أربعة أضعاف السعر العالمي السائد آنذاك وذلك راجع لضعف الموارد الطبيعية من حيث التربة والمناخ والماء.

وفي مواجهة تدهور المياه الجوفية قررت الحكومة التخلص التدريجي من إنتاج القمح في سنة 2008 ومن المقرر أن تنتهي كليا من ذلك في موفى 2016.

ويعد فشل برنامج القمح في المملكة العربية السعودية المثال الأبرز عن الطموحات الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي غير المستدام في الخليج ولكنه ليس الوحيد. فقد كان الاكتفاء الذاتي “مسألة مبدأ” عند الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة سابقا.

وقد حضيت الزراعة المحلية تحت قيادته بدعم كبير منذ السبعينات وإلى حد الآن. وفي الآونة الأخيرة تجدد الاهتمام بالإنتاج المحلي مع ظهور التكنولوجيات الجديدة مثل الطاقات الشمسية والكهروضوئية وتحلية المياه بالطاقة الشمسية والزراعة المائية والدفيئة.

ان اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي الغذائي بتحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام لا يخفى على متابع ولكن القيود البيئية والاقتصادية قد قلصت من فرص تحقيقه على أرض الواقع. وتستأثر الزراعات عادة بما بين 80 و90 في المئة من كمية المياه المستعملة، لتحتكر بذلك تقريبا هذه الثروة الطبيعية النادرة.


تتجه دول الخليج إلى تغيير مسار استثماراتها لتحقيق الأمن الغذائي إلى أوروبا وأميركا الشمالية بعد تزايد الاضطرابات في أفريقيا. واختارت شركة الظاهرة الزراعية الإماراتية صربيا لشراء 8 شركات زراعية مقابل 400 مليون.

في أعقاب أزمة أسعار الغذاء سنتي 2007 و 2008 أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي عن جملة من المبادرات المتعددة للاستثمار في الإنتاج الزراعي في الخارج كإستراتيجية لمواجهة مخاطر التمويل وتقليل الاعتماد على الأسواق الدولية. وقد اتخذت هذه البرامج أشكالا متنوعة على الرغم من أنها كانت حكومية في معظمها، كما ناقشت الحكومات اتفاقيات إطارية مع الدول المضيفة ووقعت عقود شراءات وقدمت القروض للدعم. وتزامنت هذه المبادرات مع ارتفاع عالمي في صفقات الأراضي، ولكن من الصعب تقييم حجم هذه الظاهرة أو دور دول الخليج فيها وذلك بسبب عدم وجود بيانات رسمية من الحكومات المضيفة.

من ناحية أخرى فإن الاستثمارات القائمة على الأرضي في البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي مع ضعف حكوماتها وهشاشة بنيتها التحتية لا تساهم إلا قليلا في إدارة مخاطر التزويد. ولا تقل الاستثمارات الزراعية في القطاعات المتقدمة خطورة، ولكنها تسمح في المقابل لدول مجلس التعاون الخليجي بتعميق العلاقات التجارية الاستراتيجية من خلال الاستثمار في أراضي شركاء التصدير الرئيسيين.

يبدو أن دول الخليج وخاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كانت مصدرا مهما للاستثمارات في الخارج: من ضمن 416 مشروعا استثماريا في الخارج بين سنتي 2006 و 2011 وفق قاعدة بيانات منظمة GRAIN غير الحكومية، بلغت نسبة المستثمرين الخليجيين 11 في المئة، أي ما يمثل 5.4 ملايين هكتار (15 في المئة من المساحة الإجمالية التي حصل عليها المستثمرون الأجانب وأبرزهم المستثمرون من دولة الإمارات العربية المتحدة).

وأوضحت الدراسة أن خطر الارتهان للظروف الاقتصادية والسياسية في الدول المصدرة للسلع الغذائية، يشمل لجوء بعض الدول المصدرة لوقف تصديرها للسلع الغذائية عندما تحتاجها هي محليا، كما تفعل الهند، إضافة إلى أن سياسة استثمار دول مجلس التعاون في أراضي زراعية شاسعة في دول أخرى تتركز في مناطق متوترة سياسيا. حيث تحتل السودان مثلا المركز الأول من حيث استثمار دول مجلس التعاون في أراضيها بأكثر من 20 مليون متر مربع، تليها، بفارق كبير، أستراليا بنحو 7 ملايين متر مربع، فالمغرب، فباكستان، واثنتان على الأقل من تلك البلدان، السودان وباكستان، تواجهان، باستمرار، اضطرابات سياسية واقتصادية محلية.

إن توفر الموارد المالية في دول مجلس التعاون الخليجي يجعل من مخاطر الأسعار تهديدا في حده الأدنى للأمن الغذائي، فسكان المنطقة هم من الأثرياء عموما كما تملك الحكومات ما يكفي من الموارد التي تمكنها من ضمان ما يكفي لجميع أفراد المجتمع للحصول على الغذاء وفي جميع الأوقات.

ومخاطر الأسعار هي مخاطر سياسية في المقام الأول، حيث لا يقبل سكان دول مجلس التعاون الخليجي بسهولة بتراجع دخلهم لذلك يعد التضخم مصدر قلق كبير للحكومات التي استجابت لارتفاع الأسعار العالمية وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط مع الإعلان عن سياسات مخصصة لكبح الأسعار ودعم الدخل والاستهلاك. وقد خفف هذا التمشي من مشكلة التضخم في الوقت الحالي ولكن لا يمكن الاستمرار فيه إلى أجل غير مسمى.

في معظم دول مجلس التعاون الخليجي تبدو مساهمة الرقابة على الأسعار المحلية فعّالة في “التراجع المرن” للأسعار في الداخل وكبح معدلات التضخم على المدى الطويل. والأهم من ذلك أن معدلات الزيادة الأخيرة في الإنفاق العام كانت غير مستدامة مما يجعل الحكومات عرضة لاحتمال تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية ومخاطر الدفع بمستهلكي النفط نحو الأسواق غير التقليدية. وعلى المدى البعيد قد تتحول قدرة دول مجلس التعاون الخليجي لتمويل واردات الغذاء والإنفاق الاجتماعي إلى الاعتماد على العملات الأجنبية المكتسبة من القطاعات غير النفطية وعلى نحو متزايد.

6