الاضطرابات النفسية تهدد تماسك الأسرة في ريف مصر

دراسة تثبت ارتفاع نسب المضطربين نفسيا في القرى أكثر من المدن والمرض النفسي وصمة عار تلاحق الأزواج وأسرهم.
الأربعاء 2018/05/23
الريف لا يخلو من الضغوط

كشفت دراسة حديثة عن ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية بين أفراد الأسر التي تعيش في القرى، مقارنة بالمدن، نتيجة تغيّر طبيعة المجتمعات الريفية وافتقاد الرعاية الطبية اللازمة، فضلا عن تفضيل المرضى إخفاء مشاكلهم لما يسببه ذلك من حرج للأسرة.

أصبح نموذج الأسرة الريفية مهددا بعدما ظل مثاليا لفترة طويلة في نظر علماء الاجتماع، باعتباره رمزا للتكوين السليم، من حيث التماسك والسماحة ووضوح الأدوار وتكاملها، بعكس التشابك الذي تعاني منه الأسر القاطنة في المدن.

وترسخت في أذهان الكثير منا فكرة أن الأسر التي تعيش في الريف أكثر صحة، لأنهم بعيدون عن صخب وضجيج المدينة. وكانت تتردد على الألسنة شعارات تقدم صورة نمطية مسطحة لحياة الفلاح مستوحاة من أغنية الموسيقار المصري الراحل محمد عبدالوهاب الشهيرة “محلاها عيشة الفلاح مطمن قلبه ومرتاح”، كدليل على الهدوء والسكينة.

وانتشرت نصائح من متخصصين نفسيين لمن يعانون من الضغوط بقضاء وقت أطول في أماكن ريفية، لأنها تساعدهم على التعافي وصفاء الذهن والتخلص من الاضطرابات، باعتبار أن الأسر التي تعيش في هذه المناطق أكثر استقرارا، لنقاء الطبيعة.

لكن دراسة حديثة عرضتها وزارة الصحة والسكان في مصر مؤخرا، جاءت نتيجتها صادمة، وأظهرت أن معدل الإصابة بالاضطرابات النفسية للأسر التي تعيش في الريف أكبر من المناطق الحضرية، وسجلت محافظة المنيا في جنوب مصر، النسبة الأعلى مقارنة بمحافظات أخرى.

ودحضت الدراسة التي كانت نتاج أول مسح قومي للصحة النفسية، شمل 22 ألف أسرة، نتائج سابقة أثبتت انخفاض معدل انتشار الاضطرابات النفسية في الريف، مما  طرح استفسارات حول الأسباب التي جعلت المناطق الريفية هدفا لهذه الأمراض التي تصيب بعض الأفراد، وكيف تؤثر الزيادة في نسب المضطربين نفسيا على تماسك الأسرة؟

بعد نحو شهرين من المعاناة، أفلح عماد (مهندس زراعي) في حجز مكان لزوجته بأحد المراكز التي تقدّم استشارات علاج نفسي في القاهرة. الزوجة، وتدعى مشيرة، لم تستطع كما يقول زوجها لـ”العرب”، التأقلم مع الحالة الاقتصادية السيئة التي مروا بها بعد وفاة والدها وتزامن ذلك مع معاناتها من تأخر الإنجاب وشعورها بالدونية في المجتمع الريفي الذي يعظّم كثرة الأولاد.

في البداية، اعتقد الزوج أنها حالة مؤقتة وسوف تزول مع الوقت، لكن الوضع تفاقم وسقطت الزوجة في نوبة اكتئاب. عرضها على أحد المعالجين الروحانيين بقرية “كفر سنجلف القديم” المجاورة لقريته بمحافظة المنوفية (شمال القاهرة) أملا في الشفاء.

المجتمعات الريفية أصبحت مرتعا خصبا لنمو الأمراض النفسية، فهي مكتظة بالضغوط نتيجة الطموحات المبالغ فيها

وقام المعالج بضربها بسوط رفيع على أماكن متفرقة من جسدها، وأسرف في الضرب، زاعما أن بها “مسّ شيطاني” والجان سيخرج منها مع سيل الدماء من الجسد. ساهمت تلك الجلسات في تدهور حالتها، ما أشعر الزوج بالذنب وقرر مواجهة ثقافة “العيب” المتجذرة في الأسر الريفية تجاه أي اضطراب نفسي، واستعان بطبيب نفسي في القاهرة.

المشكلة التي كانت تؤرق الزوج، هي كيف يعود إلى القرية ويقطن وسط سكانها بعدما ذاع نبأ تلقي الزوجة علاجا نفسيا، لأنه أمر يعتبر بالنسبة لأهالي الريف مرضا يستوجب عزل صاحبه عن المحيطين به.

كما تعرض الزوج لضغوط عنيفة من والدته، بلغت حد تهديدها بمقاطعته، إذا لم ينفصل عن الزوجة، “المعتلة عقليا” في نظرها، بعدما أصبح استمراره معها عارا للأسرة كلها.

ورصدت “العرب” معاناة حالات كثيرة بسبب النظرة القاصرة في الأرياف للمريض النفسي، الذي يعتبر منبوذا للحد الذي يؤثر على جميع أفراد أسرته، ويعرّضه إلى ضغط نفسي وقلق وتوتر ومن ثمّ إلى الانعزال، بل هناك سيدات طلقن بزعم أنهن “ممسوسات”، وهناك من فسخ خطبته عندما علم أن العروس تتردد على إحدى العيادات النفسية واصفا إياها بأنها “مجنونة”، وسوف تلاحقه وأسرته وصمة عار.

وأوضح عمرو محمد، استشاري الطب النفسي بالقاهرة، لـ”العرب”، أن تلك الحالات في طريقها للزيادة ما يهدد تماسك الكثير من الأسر، مرجعا ذلك إلى التغيّرات التي شهدتها المجتمعات الريفية في العقود الأربعة الأخيرة، وبدأت بتراجع الرقعة الخضراء المحفزة على الاسترخاء لصالح التوسع في بناء كتل خرسانية عشوائية خانقة، ثم ثورة الاتصالات التي مدّت جسور التواصل بين الريف والعالم وليس المدن فقط ما سهّل انتقال بعض العلل النفسية.

وأصبحت البيئة التي تعيش فيها الأسر الريفية مرتعا خصبا لنموّ الأمراض النفسية، فهي مكتظة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية نتيجة الطموحات المبالغ فيها، فتبوير الأراضي لبناء بيوت مثلا أو كثرة الديون لتزويج الأبناء والقروض المتعثرة السداد، بالإضافة إلى زيادة الخلافات العائلية، كلها أسباب ساهمت في تحويل بعض أفراد الأسرة في الريف إلى مرضى نفسيين.

وشدّد، استشاري الطب النفسي، على أن نقص الوعي وعدم إدراك الأسر الريفية لأهمية العلاج، يفسح المجال للأدعياء ومداوي هذه الأمراض بوسائل غير علمية، ما يتولّد عن ذلك خطر تتسع دائرته، وتمتد إلى الكثير من أفراد الأسرة.

وقالت نهاد عادل، باحثة في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، من محافظة المنيا، إن انخفاض نسبة الوعي والثقافة والتعليم وتَحكّم رب الأسرة في الأبناء وتوجيههم كما يريد، من العوامل المؤثرة في ازدياد معدل الإصابة بالأمراض النفسية.

وأكدت لـ”العرب”، أن هناك حوادث كثيرة دقت ناقوس الخطر. فتعرية سيدة مسنّة في الشارع كان كفيلا بإصابة من رأوها بأمراض نفسية. وذبح 20 قبطيا من قرية العور بمحافظة المنيا على يد تنظيم داعش في ليبيا منذ ثلاثة أعوام وعرض ذلك على شاشات التلفاز تسبب في إصابة الكثيرين بأمراض النفسية.

وأشارت إلى أن القرى النائية لا تحظى باهتمام المسؤولين، فكيف نطالب الأسر الريفية الفقيرة بالذهاب إلى الطبيب النفسي، بينما لا توجد أصلا عيادات نفسية بالقرى؟ ولفتت إلى أن نسبة العاملين في مجال الصحة النفسية تبلغ 7.3 لكل 100 ألف مواطن مصري، حسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية. يتوزع أغلبهم في المدن الكبيرة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج، حيث تصل الجلسة الواحدة في بعض الأحيان إلى 400 جنيه (حوالي 23 دولارا) وهو مبلغ يفوق طاقة الكثير من الأسر في الريف.

ويرى خبراء الطب النفسي، أن إنقاذ الأسر الريفية من خطر تمادي الأمراض بين أفرادها ومنع تفككها، يتم عبر تعديل نظرة المجتمع إلى المرضى ومواجهة الخوف الكائن بداخلهم.

وشددوا على ضرورة الاعتراف بالمرض النفسي كغيره من الأمراض، لأنه أول خطوة للعلاج، مع العمل على تغيير ثقافة الصورة ووصمة العار، اللتين تسهمان ضمنيا في إعطاء انطباعات خاطئة بأن المريض النفسي شخص غير طبيعي يعيش بين أفراد الأسرة.

21