الاضطراب النفسي نقمة ثورات الربيع العربي على شعوبها

السبت 2014/12/27
أطفال الدول التي مرت بثورات لن تبقى في ذاكرتهم غير المآسي

القاهرة- تصاعدت حدة التداعيات “النفسية” الناتجة عن موجات التحولات “الثورية” والصراعات الأهلية التي انتشرت في بعض الدول العربية، فأضافت إلى الارتباك الذي كانت تعيشه شعوب معظم تلك الدول، جراء الفقر والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، حالة جديدة من الفوضى والعنف أضفت بدورها ضبابية أخرى تحوم حول مستقبل الأجيال القادمة، ممّا أضحى يمثّل إشكالا حقيقيا وجب التنبّه إليه قبل فوات الأوان والعمل على تجاوزه وتفكيك شفراته، وفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

على الرغم من ارتباط ما سمي بـ”الربيع العربي” بدافعية ارتفاع سقف التوقعات المجتمعية، واصطدامها بالقدرات المحدودة لبعض نُظم الحكم التي أخفقت في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، فإنّ تعثر التحولات نحو بناء النظم الديمقراطية الوليدة، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الإجراءات المؤدية إلى العدالة الانتقالية، وتزايد التهديدات الأمنية، واحتدام الصراعات الأهلية الدامية، واتساع نشاط التنظيمات الإرهابية، أدّت في مجملها إلى انتشار أعراض “الاختلالات النفسية” في بعض الدول العربية، ممّا يقوّض ركائز الاستقرار والتوازن المجتمعي في تلك الدول.


من الأكثر تضررا؟


انتشار الاضطرابات النفسية في الدول العربية، بالإضافة إلى مستجدات “الثّورات”، مرتبط بالصّراعات الداخلية وانتشار الفقر والبطالة في دول عديدة، حيث سبق أن أدّت المذابح الدموية التي ارتُكبت خلال فترة الحرب الأهلية في الجزائر المسماة بـ”العشرية السوداء” إلى انتشار الاضطرابات النفسية بين المواطنين، وهو ما يُستدل عليه بتصريحات رئيس مصلحة الأمراض العقلية محمد تجيزة، في مطلع نوفمبر 2014، التي قال فيها: “إنّ 6 بالمئة من مواطني الجزائر لديهم اضطرابات نفسية خطيرة، وأنّ عددهم يتجاوز مليوني مواطن”.

6 بالمئة من مواطني الجزائر لديهم اضطرابات نفسية خطيرة، يتجاوز عددهم مليوني مواطن

من جهة أخرى، عادةً ما ترتبط الاضطرابات النّفسية ببؤر الصّراعات والتّوترات الإقليمية على غرار الأراضي الفلسطينية المحتلّة، حيث أشارت جوان كونوجي ممثلة منظمة الأمم المتحدة للطفولة، قبيل منتصف أغسطس 2014، إلى أن القصف الجوي الإسرائيلي لقطاع غزة والخسائر المتصاعدة في صفوف المدنيين، أدّيا إلى انتشار الاختلالات النفسية بين المدنيين، خاصةً الأطفال، حيث ظهرت أعراض تلك الاضطرابات على حوالي 400 ألف طفل بالقطاع.

وفي السياق ذاته، أطلقت “اليونيسيف” حملةً بعنوان “أطفال من أجل سوريا”، في مارس 2014، للتنديد بالمعاناة الإنسانية لما يزيد على 5.5 مليون طفل سوري في مناطق النزوح الداخلي ومعسكرات اللاجئين، وتصاعد أعراض الأمراض النفسية فيما بينهم. كما أشار بعضُ الناشطين في مؤسسة “أطباء بلا حدود”، قبيل نهاية مايو 2014، إلى انتشار أعراض نفسية بين اللاجئين، أهمها العدوانية والاكتئاب والتّوحد، وغيرها من عوارض اضطرابات ما بعد الصدمة.

وفي اليمن، كشف تقرير أمني صادر عن وزارة الداخلية، في سبتمبر 2014، عن تصاعد عدد حالات الانتحار إلى 144 حالة في النصف الأول من العام الجاري، وهو ما يرجع إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بعد “الثورة”.

تأزم الأوضاع في العراق أدّى إلى انتشار الاختلالات النفسية بين المدنيين


ماهي أنماط الاختلالات؟


لا تقتصر الاضطرابات النفسية على بؤر الصراعات الإقليمية، وإنما باتت ترتبط بالتحولات الكثيفة التي تشهدها الدول العربية على المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، والتي أفرزت عدة أنماط لـ”الاختلالات النفسية” تتمثل فيما يلي:

* انتشار الأمراض النفسية: وفي هذا السياق، قال وزير الصحة التونسي محمد صالح بن عمار، في 25 أكتوبر 2014، إنّ 1 بالمئة من التونسيين يعانون من أمراض نفسية متعددة، أهمها الاكتئاب.

من جهة أخرى، كشفت دراسةٌ صادرة عن “المعهد الدنماركي ضد التعذيب” بمشاركة جامعة بني غازي، في 25 نوفمبر 2014، أن حوالي ثلث الشعب الليبي يعانون من مشكلات نفسية نتيجة انتشار العنف والصراعات الدامية، حيث أوضح التقريرُ أن 29 بالمئة من الذين شملهم البحث يُعانون من التوتر، و30 بالمئة من الاكتئاب، بينما بلغت نسبة الافتقاد إلى الشعور بالأمن حوالي 46.4 بالمئة ممن شملتهم الدراسة.

وفي السياق ذاته، أشارت دراسة أجرتها الجامعة الأميركية بالقاهرة، في مطلع عام 2013، إلى تزايد معدلات القلق والتوتر إثر تصاعد أعمال العنف، وهو ما أدى إلى انتشار حالات الاضطراب النفسي بعد الصدمات بين حوالي 60 بالمئة من الذين شملتهم الدراسة.

أما إحصائيات منظمة “أطباء بلا حدود” فتشير إلى أن حوالي 18.6 بالمئة من العراقيين يعانون من أمراض نفسية منذ الحرب الأهلية التي نشبت بين عامي 2005 و2007 نتيجة فقدان الأهل والممتلكات وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

لابد من وجود خارطة طريق واضحة للمستقبل، تجعل كل فرد على يقين بأنه يسير على الطريق السليم


* تزايد حالات الانتحار:

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية حول الانتحار، الصادر في سبتمبر 2014، عن تصاعد حالات الانتحار في بعض الدول العربية خاصة السودان، حيث بلغ معدل الانتحار حوالي 17.2 لكل 100 ألف مواطن، واليمن التي شهدت تصاعدًا لمعدل الانتحار ليصل إلى 3.7 لكل 100 ألف مواطن، وموريتانيا التي وصل معدل الانتحار بها إلى 2.9 لكل 100 ألف مواطن، ثم تونس التي وصل معدل الانتحار بها إلى حوالي 2.4 لكل 100 ألف مواطن، بينما ظل معدل الانتحار في مصر مقاربًا لحوالي 1.7، فيما وصل المعدل في قطر إلى 4.6 (هو ما يرجع للميول الانتحارية للعمالة الآسيوية التي تشتغل بقطر).

وفي هذا السياق، رصدت بعض التقارير وقوع 10 حالات انتحار في مصر في شهر نوفمبر 2014، معظمها ناتج عن مشكلات اجتماعية، على غرار حادثة انتحار الناشطة زينب المهدي التي كانت عضوًا بالحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي السابق عبدالمنعم أبو الفتوح، وحادثة انتحار الموظف أشرف صليب الذي انتشرت صور انتحاره مشنوقًا من شرفة منزله على مواقع التواصل الاجتماعي للتنديد بالأوضاع الاقتصادية.

العنف لحسم الخلافات المجتمعية من مؤشرات تصاعد حدة الاختلالات النفسية

وفي تونس، رصدت الأجهزة الأمنية حوالي 15 حالة انتحار خلال شهر أكتوبر 2014، كما شهدت اليمن 5 حالات انتحار في يومين كشفت عنها الأجهزة الأمنية في 28 نوفمبر 2014، أغلبها ترتبط بتردي الأوضاع الاجتماعية.


* تصاعد ظاهرة الجرائم العنيفة:

ارتبط اتساع نطاق الصدامات المجتمعية العنيفة في بعض الدول العربية، وانهيار احتكار الدول لاستخدام السلاح، بانتشار بعض الجرائم الصادمة، على غرار قيام شاب تونسي بقتل صديقه والتمثيل بجسده، في مطلع ديسمبر 2014، وهو ما يتسق مع انتشار أعمال العنف الأسري والاعتداء على الأطفال، في حين يقوم تنظيم “داعش” بارتكاب جرائم وحشية في سوريا والعراق، لا سيما قطع رؤوس المخالفين لنهج التنظيم والرهائن الأجانب، فضلا عن أعمال قتل الأطفال، والاعتداء على النساء في محيط منطقة كوباني، وارتكاب المذابح بحق الأقليات الإيزيدية في العراق.


*انتشار العنف المجتمعي:

يُعد الاحتكام إلى العنف لحسم الخلافات المجتمعية أحد أهم مؤشرات تصاعد حدة الاختلالات النفسية على المستوى المجتمعي، ويستدل على ذلك بانتشار المعارك بين العائلات بالأسلحة النارية على غرار الاشتباكات المسلحة بين “الهلايل” و”الدابودية” في محافظة أسوان بمصر في مطلع أبريل 2014، والتي تكررت في سوهاج بين نجعي “القوصة” و”الشيخ أمبادر” في منتصف نوفمبر 2014، نتيجة الصراع على السيطرة على أراضٍ تقع ضمن ممتلكات الدولة، إلى جانب الاشتباكات المسلحة التي نشبت بين عائلتي “المخالفة” و”السحالوة” في فرشوط في شمال قنا.

بينما أضحى الاحتكام إلى السلاح في ليبيا واليمن والعراق الآلية الأهم لحسم الخلافات والصراعات العائلية والقبلية والطائفية في ظل انهيار مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية، مما فرض على المجتمع التكيف مع العنف المسلح، والتعايش مع استمراره.


كيف أثرت ثورات "الربيع العربي"؟


يرتبط انتشار الاضطرابات النفسية في عدد من الدول العربية بعدة عوامل، يتمثل الأول في “الإحباط النفسي” في الآمال والتوقعات التي تجاوزت الحدود المنطقية عقب اندلاع أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي”، خاصةً في ما يتعلق باحتمالات تحسن الأوضاع المعيشية عقب استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، وهو ما لم يتحقق نتيجة استنزاف الموارد، وتداعي أركان المؤسسات السياسية والأمنية، على إثر “الثورات” العربية، فضلا عن انتشار السلاح، وتصاعد سطوة الميليشيات المسلحة والاتجاهات الانفصالية، وقد أدى هذا “الإحباط النفسي” إلى انتشار حالة اللامبالاة والسلبية والميول الانتحارية خاصة لدى الشباب.

"الثورات" أسهمت في انتشار ظاهرتين نفسيتين، هما "التمرد اللاشعوري" على السلطة الأبوية، و"الفجوة النفسية"

أما العامل الثاني الأكثر انتشارا في الإقليم فيتعلق بـ”اضطراب ما بعد الصدمة” والذي ينتج عن التعايش مع أعمال العنف والصراعات المسلحة، والتعرض لمشاهد القتل الوحشي والتعذيب من خلال متابعة وسائل الإعلام، مما يتسبب في انتشار حالات الاكتئاب والتوتر، والخوف من المستقبل، والنزوع نحو العنف، ويُعد الأطفال الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الاضطرابات، خاصةً الأطفال في مخيمات اللاجئين السوريين، وفي العراق واليمن وليبيا، مما يؤثر على تنشئتهم وسلامتهم النفسية.

وينصرف العامل الثالث إلى “الفزع المَرَضِي” على غرار الحالات التي انتشرت في اليمن نتيجة هجمات الطائرات دون طيار الأميركية ضد مواقع تمركز التنظيمات الإرهابية، خاصةً في ظل تسببها في مقتل مدنيين ليست لهم علاقة بتلك التنظيمات، وفي هذا الصدد كشف تقرير لمنظمة “ريبريف” البريطانية المعنية بمساعدة السجناء، في يوليو 2013، أن 71 بالمئة من أقرباء الضحايا المدنيين لهجمات طائرات الـ”درونز" يعانون من اضطرابات نفسية تتمثل في الرعب المَرَضي من الأصوات المرتفعة، فضلا عن حالات قلق الانفصال لدى الأطفال الناتجة عن فقد أحد الوالدين في هجمات الطائرات دون طيار، وهي الأعراض ذاتها المنتشرة لدى الأطفال في مخيمات اللاجئين السوريين.

وعلى مستوى تداعيات انتشار الاختلالات النفسية في بعض الدول العربية، من المرجح أن تؤدي تلك الاضطراباتُ إلى تهيئة بيئة خصبة لانتشار التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، خاصةً في مناطق الصراعات المسلحة نتيجة التكيف مع العنف والجرائم الوحشية، وتصاعد توجهات الانتقام والثأر من الخصوم، مما يقوض آليات العدالة الانتقالية والحوار الوطني عقب انقضاء الصراعات الداخلية، فضلا عن تفكك الروابط المجتمعية، وانتشار اللامبالاة والسلبية التي تؤدي إلى إخفاق عمليات إعادة البناء وتنشيط الاقتصاد.

وقوع 10 حالات انتحار في مصر في شهر نوفمبر بسبب مشكلات اجتماعية

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أنّ ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي” عادت بالاضطرابات النفسية على شعوبها التي تاقت إلى الحرية والعدالة الاجتماعية، فجنت الرعب والخوف والمستقبل الغامض، بغضّ النظر عن بعض الاستثناءات.

وقد كانت لأحداث العنف التي واكبت وأعقبت الثورات آثار نفسية سلبية هي الأخري. فقد أدت تلك الأحداث إلى زيادة في معدلات القلق والتوتر النفسي والخوف من المجهول بين أفراد الشعوب العربية. كما ازداد معدل انتشار “اضطراب ما بعد الصدمة”، وهذا المرض يصيب الأفراد الذين تعرضوا إلى أحداث عنف جسيمة أو شاهدوها.


هل من حلول؟


يرى أستاذ علم النفس هشام رامي، في ورقة بحثية تطرق فيها إلى الوقوف على تأثيرات انتفاضات ما سمي بـ”الربيع العربي”، أن هذه “الثورات” أسهمت بشكل واضح في انتشار ظاهرتين نفسيتين، هما “التمرد اللاشعوري” على السلطة الأبوية، و”الفجوة النفسية – المعرفية” بين الأجيال، وهي ظواهر نفسية موجودة دائما في كل المجتمعات البشرية، ولكن “الثورات” أدّت إلى تفاقمها بشكل كبير.

ويظل السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه على مجتمعات ما بعد “الثورات”، وفق الباحث، هو ما هي الوسائل النفسية التي يمكن من خلالها تفادي هذه الآثار السلبية، والمضي قدما نحو مستقبل أفضل؟

النصيحة الأولى، حسب هشام رامي، تكمن أساسا في تجنب العنف، وتأهيل الضحايا وعلاجهم في أسرع وقت. كما ينصح بعمل تصالح نفسي مجتمعي يعتمد على المصارحة والمكاشفة، ثم الاعتذار والتصالح في أسرع وقت، وإذا أضيفت إلى ذلك الشفافية، والوضوح، ووجود خارطة طريق واضحة للمستقبل، تجعل كل فرد على يقين بأنه يسير على الطريق السليم إلى تحقيق المأمول، فوقتها سيتسنى للجميع التقليل من وطأة الآثار السلبية، والتعظيم من الآثار الإيجابية لـ”الثورات”.

6