الاعتداء على الغابات يطال أشجارا مقدسة عند سكان أستراليا الأصليين

شجرة الميلاد التي يفوق عمرها ستة قرون مهددة بالاقتلاع لبناء مسارين آخرين على الطريق السريع الرابط بين مدينتي ملبورن وأديلايد.
الاثنين 2019/10/14
شجرة الكافور شاهدة استمرار السكان الاصليين

أرارات (أستراليا) – للوهلة الأولى تبدو كأي شجرة عادية، شجرة كافور حمراء، يبلغ طول جذعها سبعة أمتار وطول فروعها الضخمة يمتد إلى 30 مترا، ويوجد من هذه النوعية من أشجار الكافور الكثير في أستراليا أصل منبتها.

لكن بتركيز النظر على هذه الشجرة على وجه التحديد، والتطلع إلى التجويف الكبير بداخل الجذع وجميع العلامات التي يحتوي عليها نجد أنه هنا أنجبت نساء السكان الأصليين الأستراليين. فعلى مر القرون، شهدت هذه الشجرة ولادة الآلاف من الأطفال. ويطلق على شجرة الكافور هذه اسم شجرة الميلاد ويرجع عمرها إلى أكثر من 600 عام. أمّا في الأراضي الفسيحة المحيطة بالشجرة، فقد قامت الكثير من النساء بدفن المشيمة أو “الخلاص” بعد الولادة، لكي يكون أطفالهن أكثر حظا.

الطريف في الأمر أنه في مصر وفي كثير من بلاد حوض النيل، كانت النساء تقمن بإلقاء المشيمة في مياه النهر الخالد لكي يرزق أطفالهن بحسن الطالع.

بالنسبة إلى قبيلة “دج رورونغ”، كانت هذه المنطقة منزلها قبل وصول الرجل الأبيض بفترة طويلة واعتبر أفرادها أن الشجرة والأرض المحيطة بها مقدستان.

يقول زيلانش دجب مارا، أحد أفراد هذه القبيلة، “هذه الأشجار لها نفس حمضنا النووي.. لقد زرعناها.. إنها جزء منا.. نحن جزء منها”.

ومع ذلك، يجب اقتلاع شجرة الميلاد هذه للسماح ببناء مسارين آخرين على الطريق السريع الغربي، الذي يربط مدينتي ملبورن وأديلايد، بتكلفة تقدر بنحو 420 مليون دولار.

ويتضمن المشروع قطع أكثر من 1350 شجرة على امتداد 12.5 كيلومترًا بالقرب من مدينة أرارات، لكن الاحتجاجات كانت قوية وكبيرة لدرجة أنه لم يتم اقتلاعها بعد. بالإضافة إلى ذلك، تم تأجيل أعمال المشروع لعدة مرات.

واعتصم العشرات من الناس في مخيمات حول شجرة الكافور التي تعرف أيضا باسم “شجرة الصمغ الأحمر” واستمر الاعتصام لشهور. وضم الاعتصام بالإضافة إلى السكان الأصليين، العديد من البيض أيضا وحتى أسرا بأكملها. وقد أعلنت قبيلة “جاب ورونغ”، اعتصامها في منطقة محظورة على الشرطة. وكلّما سرت شائعات بأنه ستكون هناك محاولات لفض الاعتصام، تزايد اندفاع الناس نحو المكان بأعداد كبيرة لحماية شجرتهم.

وقد حظي الحراك الشعبي بدعم كبير من المشاهير، ومنهم على سبيل المثال النجم راسل كرو، بطل فيلم “المصارع”.

وبالفعل تحول اعتصام شجرة الحياة، إلى مسألة رأي عام على مستوى أستراليا بالكامل.

وينظر الكثيرون إلى هذا الاعتصام على أنه دليل آخر على قلة احترام الأغلبية البيضاء في أستراليا نحو السكان الأصليين.

ويعاني في الوقت الراهن نحو 700 ألف من السكان الأصليين في أستراليا من التمييز والاضطهاد في كثير من قطاعات المجتمع، فضلا عن أن متوسط أعمارهم يقل بعشر سنوات مقارنة بباقي سكان البلاد البيض البالغ تعدادهم 24 مليون نسمة، كما أنهم يمثلون 27 بالمئة من نزلاء السجون.

تؤكد نايوكا جوري، إحدى أفراد قبيلة “جاب ورونغ”، “لا يتعدى رباط الدم الذي يربط أي مستعمر أسترالي أبيض ببني جنسه سوى جيلا أو جيلين، ولهذا فهم لا يتفهمون أن الدم الذي يجري في عروقي مرتبط بالدماء التي جرت في عروق أسلافي والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بهذه الأرض وأشجارها
العتيقة”.

وتضيف بضجر “الطريق الجديد سيجعل قائدي السيارات يوفّرون دقيقتين، ولكن ما معنى دقيقتين مقارنة بمئات السنين؟”.

يشرف على الاعتصام جاب مارا، وهو رجل من المحتجين يبلغ من العمر 33 عامًا، ويتحدث عن “الإبادة الجماعية”.

يقول مارا، الذي يقارن الشجرة بكاتدرائية نوتردام في باريس، التي يبلغ عمرها أكثر من 600 عام والتي كانت أنباء الحريق الذي اندلع بها قبل بضعة أشهر حديث وكالات الأنباء في كل مكان “نحن لا أهمية لنا بالنسبة للعالم”.

وما تزال الاحتجاجات في مجملها سلمية حتى الآن، ولكن الأمور تدفع باستمرار نحو مزيد من التوتر والعنف، ففي حين أن كثيرين يشاركون في الاحتجاجات بتعاطف وتفهم مع قضية المعتصمين، هناك أيضا أصوات معارضة ومستهجنة.

تنقل صحيفة ذي نيويورك تايمز التي غطت أخبار الاحتجاجات، شهادة باولينا روبرتس (75 عاما) وتقيم في مدينة أرارات، حيث تؤكد “لو أنني أنا التي اعتصمت هنا، لكانوا قد أزالوا خيمتي منذ فترة طويلة”.

وتصر الحكومة المحلية لإقليم فيكتوريا على تنفيذ المشروع، وتدافع عن هذه المخططات، مبرزة أهمية الطريق الذي سيتم إنشاؤه للمنطقة بالكامل، أخذا في الاعتبار الأسباب الأمنية والمرورية أيضا، حيث تقول إن هذه المنطقة شهدت منذ عام 2014 مصرع 12 شخصا على الأقل بسبب الحوادث المرورية.

وتشير الإدارة الإقليمية أيضًا إلى أن المشروع قد تمت الموافقة عليه من قبل جمعيتين لشعوب السكان الأصليين، وهو أمر لا يعترف به الأشخاص المشاركون في الاعتصام، الذين رفعوا الأمر إلى القضاء وتم تحديد جلسة أمام المحكمة لمناقشة الدعوة والبت فيها خلال نوفمبر المقبل.

وقام المكتب الإقليمي المسؤول عن تعبيد هذه الطريق السريعة الرابطة بين ملبورن واديلاند، بتعليق بدء العمل، والذي تأخر بالفعل لعامين.

وبعيدا عن دائرة الأحداث، هناك محادثات بين المهندسين الذين خططوا للعمل وشيوخ القبيلة لإيجاد الحلول.

وعرضت ولاية فيكتوريا عدم قطع جزء صغير من الأشجار بسبب أهميتها الثقافية (15 من أكثر من 1350 شجرة)، ومن بين تلك الأشجار التي يجب الحفاظ عليها شجرة الميلاد.

20