الاعتداء على المثقفين والمبدعين خطر ينبئ بكارثة

هدم عقود من المنجزات الفنية والثقافية للمبدعين والمثقفين التونسيين لن يؤدي إلا إلى فقر الوعي وتسطيح العقول وانعدام الأمل.
الثلاثاء 2021/03/09
الاعتداء على المثقفين اعتداء على الحضارة (لوحة للفنان طاهر مقدميني)

إذا تكرر الاعتداء على المثقفين والمبدعين فإن ذلك نذير خطر بما آلت إليه الأمور من محاولات الهدم. يمكن ترميم بناية إذا تداعت للسقوط، لكن ترميم وعي بأكمله أمر بالغ الصعوبة. لذا فإن الاعتداءات على الثقافة، الوجه الحضاري لكل بلد، لا يجب أن تمر دون مراجعات ومحاسبة.

منذ أيام استضاف برنامج تلفزيوني على إحدى القنوات التونسية الخاصة المسرحي والممثل التونسي محمد كوكة في حلقة ترقى إلى حدّ الاعتداء الفاضح لا على كوكة فحسب بل على مختلف رموز الثقافة التونسية.

تجاوزت المسألة الشخصنة ومناقشة أعمال الفنان أو حتى تقييمها، باستدعاء من لا دراية لهم، ليلقوا تهما مجانية بأسلوب ركيك، في اعتداء لا أخلاقي صارخ على شخص الضيف، ومن خلفه الطبقة المثقفة، من خلال القولة المكررة التي أتى بها أحد عناصر البرنامج وهو يقحم في فمه ضحكة صفراء “أنتم نكبة ولستم نخبة”.

الاعتداء والبلاهة

طرق الاعتداء متنوعة وكثيرة، ولا فرق فيها بين المتشددين ومدّعي الفكر النير والجديد

التعميم الفاضح الناتج عن نوع من العمى الغاضب، وشتم المثقفين والفنانين أو استفزازهم بأسئلة ومواضيع سطحية وتافهة واختلاق شجارات وهمية من خلال افتعال تصادم بين الأسماء الفنية في نوع من النميمة وغير ذلك من الأساليب التي تدخل في باب الإثارة، كل ذلك لن يساهم إلا في تعميق الأزمة.

يعاني القطاع الثقافي في تونس أزمات كبرى خطيرة، لكن أكثرها خطرا هي الهدم، الهدم دون رغبة أو فكرة للبناء. والهدم الذي يمس المدونة الثقافية والفنية أخطر بكثير من الهدم الذي يطول البنى المادية.

يتجلى الهدم في الاعتداء على رموز الثقافة والفن والإبداع في تونس، اعتداءات متكررة ومتعددة، نكّلت بالنخبة التونسية ودفعت كثيرا منها إلى الصمت، أو الانزواء أو الخروج من البلاد.

لقد بلغت “الحالة الثورية” التي توهمها الكثيرون مستوى من العمى لم يسبق له مثيل، فكان الاعتداء على محمد إدريس المسرحي والسينمائي ذي التجربة الفريدة، وغيره ممن وُضعوا في سلّة النظام، ومن بعده كلنا نذكر الاعتداء المتكرر على الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد والمفكر يوسف الصديق من قبل عناصر ظلامية، كلنا نذكر أيضا السخرية من المفكر الراحل محمد الطالبي على إحدى القنوات الخاصة وتسفيه أفكاره وتسطيحها، نذكر أيضا الاعتداء على الفاضل الجعايبي من قبل بعض النقابيين ممن لم يشاهدوا ولو عملا من أعماله، والقائمة تطول ولا تقصر.

طرق الاعتداء متنوعة وكثيرة، ولا فرق فيها بين المتشددين ومدّعي الفكر النير والجديد، تشترك هذه الاعتداءات في التعميم والشخصنة، وعدم تنسيب خطابها أو بنائه على نقد مدروس ورصين يحفظ الجانب الشخصي ويقدر المنجز ويَنقد ما يُنقَد. لكن هذا لا يحدث.

في كل مرة نجد أحدهم يسخر من الثقافة والمثقفين ومن الفن والفنانين، ويحاول تشويه ملامحهم ومنجزاتهم وتتفيه مسيرات هامة في تاريخ تونس الحضاري، إنه ترذيل عام، يحاول أن يسخر من كل شيء؛ من الإنسان والمعرفة والعلم والتعليم والثقافة وحتى من اللهجات والأشكال، إلخ… إلخ. كل شيء يتحوّل إلى مادة للسخرية العقيمة، غير المبنية على وعي ولا نقد ولا محاولة لكشف شيء ما، فقط هو السعي إلى البروز والإضحاك، وتحويل واقع كامل إلى تفاهة.

ربما نفهم الضغط الذي يواجهه التونسيون في ظل واقع اقتصادي وسياسي وأمني صعب، وفي وسط حالة ثقيلة من الإحباط، ما يدفع الكثيرين إلى نوع من الفذلكة والسخرية لأجل الضحك وفي عمقها هي انتقام، انتقام بإنزال كل شيء وكل أحد إلى وحل الواقع، والتخفف بالضحك الأبله.

القطاع الثقافي في تونس يعاني أزمات كبرى خطيرة لكن أكثرها خطرا هي الهدم

الطبقة المثقفة والمبدعون أصحاب التجارب الفارقة في تاريخ تونس يمكن نقدهم، يمكن نقاشهم، لكن هدم عقود من منجزاتهم الفنية والثقافية، والتفاخر بهذا الهدم، لن يؤدي إلا إلى فقر الوعي وتسطيح العقول وانعدام الأمل، إن كل محاولة للتخفف الساذج بهذه الطريقة أو الانتقام الأعمى أو الشخصنة التي تخفي كمّا كبيرا من العقد النفسية، كل ذلك لن يؤدي سوى إلى التثاقل أكثر والغرق أكثر في أوحال آتية.

ضد الابتذال

عدد كبير من المثقفين والمبدعين كانوا وما زالوا أبناء النظام الحاكم، أيا كان هذا الحاكم، وكأن رضاعتهم من ثدي السلطة أبدية بلا فطام، استفادوا منها، وتحولوا بأدوارهم إلى سلطات ثقافية وفنية تمارس جورها.

هذا واقع خلق صفا كبيرا من الحاقدين، وحوّل الأرضية الثقافية إلى أرض معارك شخصية، معارك تتزايد يوما فآخر، أغلب عناصرها بلا منجز إبداعي أو ثقافي، لكن الضجيج هو الهدف المتحقق والفوضى نتيجتها المحتومة.

ربما كان الإحساس باللاجدوى وبالقهر من النخب الانتهازية التي استحوذت على كل شيء، لكن هل يبرر هذا هدم ساحة ثقافية بأكملها بما لها وما عليها؟

يبدو الواقع صعبا، لكن تفكيك عقده يتطلب الرصانة والهدوء والتعامل بوعي وسلاسة، لا بـ”ثورية” مندفعة يقودها الغضب وغيره من المشاعر التي لا ترق إلى تحريك الأفكار أو تفعيلها.

الاعتداء على المثقفين والفنانين والمبدعين هو اعتداء على وجه تونس الحضاري وعلى قوتها الناعمة وهي التي تواجه اليوم مدّا رجعيّا يحاول هدم كل شيء، بداية من أبعد مقام لولي صالح – كان يمثل نوعا من الفولكلور التونسي – وصولا إلى الأبنية الحديثة وحقول كروم الخمر والنظام التعليمي، الذي يعاني من مد متشدد كانت نتيجته إلغاء تدريس أبي العلاء المعري وغيره.

المد الرجعي يتعاظم يوما بعد آخر، ويساهم فيه بشكل كبير الإعلام، الذي تحول إلى سلاح خطير من خلال جريه وراء الإثارة، حتى على حساب دماء الآخرين، حتى عبر حساب ماضي البلاد ومستقبلها.

في كل مرة نجد أحدهم يسخر من الثقافة والمثقفين ومن الفن والفنانين، ويحاول تشويه ملامحهم ومنجزاتهم

لا ننكر أن هناك برامج تلفزيونية هادفة كان لها الأثر الهام في نفوس التونسيين بمختلف شرائحهم، مثل برنامج “للتاريخ” أو “جمهورية الثقافة” اللذين يستعيدان رموزا ثقافية تونسية، وفندت المتابعة الكبيرة لبرامج ثقافية من هذا النوع الادعاءات بأن المثقفين ليس لهم جمهور وأنهم في قطيعة كلية مع الناس.

التعميم خطر كبير يهدد المخيلة والوعي وينعكس على الواقع بأن يحرمه من التعدد ومن ألوانه، لذا ربما حان الوقت للكفّ عن اللعب وصناعة الإثارة والفوضى، والالتفات إلى أهمية تثمين المخزون الثقافي لتونس، والاهتمام أكثر بمبدعيها ومثقفيها من مختلف الأجيال، وإثارة القضايا الفكرية والثقافية الساعية إلى التنوير لا إلى الابتذال.

14