الاعتراف بهامشية لبنان في الخارج مدخل ضروري لحل أزمته الداخلية

كلما تعقّدت الأزمات والصراعات في المنطقة المحيطة بلبنان إلا وابتعد الاهتمام الدولي والإقليمي عما يجري في هذا البلد من أزمات محتقنة وانقسامات طال عهدها وباتت في نظر البعض ملمحا من ملامح لبنان الدائمة، فيما يؤكد البعض الآخر أن علاج هذه الخلافات المزمنة لن يأتي من الخارج بل من العمق اللبناني وأول خطوة في هذا العلاج هي استيعاب فكرة أن الاهتمام العربي والدولي بلبنان تراجع لصالح أزمات إقليمية أشد وقعا وخطرا، حتى على لبنان نفسه.
الأربعاء 2016/10/19
مطلوب عقلية سياسية جديدة

بيروت - لا يزال الساسة في لبنان يؤمنون بأن البلد يتمتع بمكانة استثنائية وأنه لا يزال في صلب اهتمام المحيط العربي والعالم. ولم تنجح كل التطورات المتسارعة في سوريا والعراق واليمن، ولا التحولات الكبرى في سياسات الدول في تغيير هذه النظرة أو إجبار ممارسي السياسة في لبنان على إعادة النظر فيها، والاعتراف بأن هناك مناخا آخر يتشكل بقوة الوقائع التي لا تدحض.

ويقول هذا الواقع إن لبنان قد بات بلدا يحتل مكانة هامشية للغاية أمام الصراعات الطائفية الكبرى، والصراع على تقاسم النفوذ في العالم انطلاقا من المنطقة، نظرا إلى عدم أهميته وقدرته على التأثير في مجرى الصراعات القائمة، ولا على لعب دور فاعل فيها.

ويقتصر دور لبنان في هذه المواجهة الكبرى والمفتوحة على دور الساحة الخلفية التي تستخدمها الأطراف المتصارعة لتوجيه الرسائل إلى بعضها البعض. وهذا الدور لا يمنحه كما يدعي السياسيون اللبنانيون خصوصية ومكانة، بل وعلى العكس من ذلك، يعلن أن لبنان قد بات خارج خارطة الاهتمامات الدولية والعربية وأنه متروك لمصيره.

ويتصرف العالم مع لبنان انطلاقا من هذا الواقع ويتصرف سياسيوه وكأن هذا البلد هو محط أنظار صناع القرار العربي والدولي، ما يعني أن هناك في البلد سياسة تنطلق من تجاهل تام للوقائع والتطورات، ولا يمكنها تاليا الشروع في إنتاج حلول بل مفاقمة الأزمات وحسب.

فوائد لحزب الله

المفارقة اللافتة في الشأن اللبناني تكمن في أن الطرف الوحيد الذي يعترف بهامشية البلد، ويقرأ الأوضاع فيه على وجهها الصحيح هو حزب الله، وهو ينطلق من هذه القراءة الصحيحة لموقع البلد على الخارطة العربية والدولية، ليفرض شروطه على الجميع ويبسط سيطرته على كامل القرار اللبناني. ويعلم حزب الله أن الإقرار العام بهامشية البلد إنما يعني في واقع الأمر منحه التفويض الكامل بالسيطرة عليه، لا بل إن هامشية البلد هي ما تسمح بغياب أي ردة فعل من أي طرف عربي ودولي. هل كان بالإمكان ترك البلد لسلطة حزب مصنف عربيا ودوليا كحزب إرهابي ما لم يكن البلد قد فقد تماما دوره وحضوره؟

المفارقة اللافتة في الشأن اللبناني تكمن في أن الطرف الوحيد الذي يقرأ الأوضاع فيه على وجهها الصحيح هو حزب الله

لا يقرأ أحد من السياسيين واقع ومعنى سيطرة حزب الله على البلد التي تتم تحت أعين جميع القوى المتصارعة في المنطقة التي وافقت على ترك إدارة كل الملفات الكبرى له وأبرزها الشأن الرئاسي.

كان المسيحيون لا يزالون يعتبرون الشأن الرئاسي اللبناني شأنا دوليا متصلا بفكرة ضرورة الحفاظ على الرئيس المسيحي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط. ولا زالت جل القوى المسيحية تعيش على هذا الوهم، وتفترض أن الرئاسة اللبنانية المسيحية لن تترك دون رعاية أوروبية أو أميركية. واعتقدوا أن التدخلات في الشأن الرئاسي، التي لم تفلح في إنتاج أي انفراج فيه على مدى عامين ونصف، هي دليل على متانة الاهتمام الدولي بلبنان.

ولم تظهر الانفراجات في هذا الملف بشكل جدي إلا في هذه اللحظة التي يوشك فيها المسيحيون والمسلمون على الخضوع التام لإملاءات حزب الله القاضية بالإفراج عن الملف الرئاسي والملف الحكومي مقابل القبول بسلال من الشروط المسبقة.

توشك رئاسة الجنرال عون التي يقترب التوافق عليها على أن ترسم ملامح كبرى وخطوطا عريضة لهامشية البلد التي لم يقتنع بها السياسيون حتى الآن. لا يتعلق الأمر إطلاقا بشخص ميشال عون، ولكن بالظروف والملابسات التي قد تؤدي إلى الإتيان به رئيسا، والتي تحمل ملامح تسليم البلد بشكل واضح لسلطة حزب الله ونفوذ إيران.

الموقف السعودي

تدخل السعودية في حرب مفتوحة مع إيران، ولكن مع ذلك لا يبدو أنها مهتمة بأن تتخذ من لبنان مسرحا لصراعها معها. الرياض تبدو مهتمة بالساحات المباشرة التي يمكن أن يؤدي الخلل في إدارة معاركها فيها إلى تداعيات تطال الداخل السعودي مباشرة، ولا يبدو أن أي خلل في لبنان يمكن أن يؤذي السعودية، لذا فإن إحالته الى موقع هامشي في دائرة الاهتمام السعودي يبدو أمرا منطقيا، وهو ما لم يفهمه رجال السياسة في لبنان بعد.

لقد أسس البلد لهامشيته منذ فترة طويلة وساهمت الظروف والتطورات الحاصلة في تحويل هذه الهامشية إلى سياق عام وتام، ولا تمكن مباشرة السياسة خارج الاعتراف به. ومن هنا فقد تكون هامشية البلد والاعتراف بها هما المدخل السليم والصحيح والوحيد للشروع في إنتاج ورشة إنقاذ تنطلق من الوقائع وتبني عليها، وتتخلص من الغرق في وهم البلد المميّز والاستثنائي وصانع سياسات العالم.

كاتب لبناني

7