الاعتصامات تدفع شركات نفطية إلى وقف أشغالها في تونس

خبراء يعتبرون أن القرار يضرب مناخ الأعمال وسمعة البلد الاستثمارية.
الجمعة 2020/09/11
خيبة اقتصادية جديدة

أعلنت الشركة النفطية النمساوية “أو.أم.في” عن إيقاف أشغالها في تونس بعد أن استحال العمل في ظل تواصل اعتصام الكامور جنوب البلاد ما رفع منسوب الخطر الاقتصادي، واعتبر خبراء أن هذا القرار ضرَب مناخ الأعمال وسمعة البلد وزاد من تدهور الاقتصاد الذي يعاني من إشكاليات لا حصر لها.

تونس - أثار قرار الشركة النفطية النمساوية بإيقاف أشغالها في تونس جدلا واسعا داخل الأوساط الاقتصادية التي اعتبرت القرار ضربا لسمعة البلد ومناخ الأعمال في ظل مطلبية نقابية كبيرة ووضع اقتصادي مأزوم تغذيه احتجاجات مستمرة تسببت في تعطيل وتراجع إيرادات الطاقة.

ومن المنتظر أن تقوم الشركة النفطية النمساويّة “أو.أم.في”، الناشطة بالحقول النفطيّة بتطاوين جنوب البلاد، بإيقاف موظفيها عن العمل في غضون الأيّام القادمة بسبب انقطاع الشركة وبشكل كامل عن الإنتاج لأكثر من شهر.

وقالت الشركة “لقد تمّ اتخاذ هذا القرار في ظلّ انسداد الأفق مع تواصل اعتصام الكامور، الذّي كلّف باهظا”، وفق ما أكّده المستشار لدى وزير الصناعة والطاقة، حامد ماطري، لوكالة الأنباء التونسية (وات).

وخلف هذا القرار موجة جدل واسعة داخل الأوساط الاقتصادية التي اعتبرت ذلك إنذارا خطيرا يضرب سمعة تونس الاقتصادية فضلا عن ضرب مناخ الأعمال فيها نظرا لما سيعطيه ذلك من انطباع سيء عن ظروف الاستثمار في البلد.

وتستمر الاحتجاجات والاعتصامات في الجنوب التونسي ما دفع الشركات إلى التلويح في عدة مناسبات بسحب أنشطتها من البلاد، الأمر الذي يضاعف الخيبات الاقتصادية في وقت تستعد فيه الحكومة الجديدة للبدء في تنفيذ الإصلاحات التي كان على رأسها إعادة إنتاج النفط والفوسفات.

وتمّ غلق محطّة ضخّ البترل بالكامور منذ 17 يوليو 2020 في حركة تصعيديّة لاحتجاجات شباب المنطقة المطالبين بحقّهم في التشغيل وفي التنمية.

ويرفض المعتصمون إعادة تشغيل المحطّة إلاّ في حالة تنفيذ جميع بنود اتفاق الكامور، الذّي تمّ توقيعه مع الحكومة منذ 16 يونيو 2017.

وأوضح المسؤول بخصوص إمكانية الرّحيل النهائي للشركة البتروليّة النمساويّة “أو.أم.في”، أنّ قرار الإيقاف عن العمل لعمال الحقول النفطية بتطاوين هو قرار “وقتي وغير نهائي، ما عدا إن كانت عودة النشاط صعبة، لأنّ إيقاف النشاط في حقل نفطي يمكن أن ينعكس على ديمومة إنتاجه”.

وتابع “لقد حاولنا إعطاء المزيد من الأمل لكن حاليا ليس بوسعنا فعل أي شيء” مؤكّدا أنّ الشركة تعتزم، أيضا، إيقاف موظفيها بحقل “نوّارة” الذّي تقوم باستغلاله.

وسيجد على الأقل 2000 موظّف أنفسهم عاطلين عن العمل في محافظة تطاوين. وقد وقع التخفيض في أجور العاملين بالشركة بنسبة 40 في المئة ومن الممكن التخفيض فيها مجددا.

ويعدّ موقع تونس استراتيجيّا بالنسبة للشركة خاصّة وأن موقع المشروع يعتبر أوّل استكشاف واستغلال دولي لـ”أو.أم.في” وذلك منذ سنة 1971 حسب ما أشارت إليه شركة “أو.أم.في” على موقعها.

منذ ذلك التاريخ، أصبحت تونس مكوّنا هامّا في المنطقة الوسطى من شمال أفريقيا بالنسبة للشركة مع اقتناء النشاط الدولي لـ”بروساغ” في 2003 ودعم موقعها عبر مع اقتناء “بيونيير” و”ميدكو” في 2011.

شركة "أو.أم.في" تقول إنها ستوقف موظفيها عن العمل في غضون الأيّام القادمة في ظلّ انسداد الأفق

وتتركّز نشاطات “أو.أم.في” حاليا على حفر وتطوير البنية التحتية في جنوب تونس.

و”تمثل تونس موردا أساسيا لتنمية مستقبلية ممكنة خصوصا في مجال الغاز الطبيعي”، وفق ما أشار إليه المصدر ذاته.

وسبق وأرسلت الشركات الأجنبية النفطية الأخرى الناشطة في المنطقة والمتضررة من وقف الإنتاج طلبا رسميا لرئيس البلاد، قيس سعيّد، للتدخل وحل الخلاف بين المحتجين والحكومة.

وهددت في نص المراسلة التي نشرتها وسائل إعلام محلية، بوقف أنشطتها وطرد “الآلاف” من العاملين. وتضم صحراء تطاوين ستة حقول نفطية تستثمر فيها شركات أوروبية.

وليس في تونس حقول ضخمة لاستخراج النفط والغاز، ولكن سكان تطاوين ينتظرون تحقيق تعهدات حكومية لرفع التهميش المستمر منذ عقود. وتناهز نسبة البطالة في تطاوين 30 في المئة وهي من أعلى المعدّلات في البلاد.

وسبق ووجه محافظ البنك المركزي التونسي إنذارا حول وضعية المالية العامة في البلاد نظرا لتقلص قياسي في الإيرادات نتيجة تعطل أكبر مصادر التمويل المتمثلة في عوائد الطاقة جراء الاعتصامات.

وحذرت وزارة الطاقة والمناجم من تواصل تعطل الإنتاج، حيث أكدت حجم الخطورة بإعلانها عدم قدرتها على سداد مزودي الطاقة نظرا لشح موارد الدولة من العملة الصّعبة، وتعطّل السّياحة، وتوقّف آلة الإنتاج في الفوسفات ونشاط المجمع الكيميائي، وإيقاف الإنتاج من النفط والغاز.

وأكّد محافظ البنك المركزي التونسي مروان العبّاسي أنّ “خطة إنعاش الاقتصاد التونسي لا بد أن تمر أوّلا وقبل أي شيء عبر استئناف نشاط الفوسفات والمحروقات، الذّي تسبب تعطله في نقص ملحوظ في إيرادات البلاد”.

وقال العباسي “من الضروري معالجة مواطن الضعف الهيكلية للاقتصاد التونسي من خلال تعزيز الإصلاحات، والتي من بينها تغيير منوال التنمية الاقتصادية والاجتماعية”.

ولفت العبّاسي إلى أنّ “الإصلاحات تبقى غير كافية بالنظر إلى التحديّات المرتقبة خلال الفترة المقبلة وخاصّة عَشحّ الموارد الماليّة للبلاد”.

وأضاف أنّ “البنك المركزي التونسي سيستمر في السهر على تأمين الاستقرار الكلّي باعتباره محدّدا رئيسيا لمدى صمود الاقتصاد التونسي، وهو ما يتطلب تضافر جهود مختلف الأطراف لرفع التحدي والبرهنة على تماسك الاقتصاد المحلي في مواجهة الصدمات”.

وكتب العبّاسي في سياق تطرقه إلى سنة 2019، التّي يغطّيها التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي، أنه كان من المفترض أن تستمر البلاد في المنحى التصاعدي للنمو، الذّي انطلق منذ سنة 2017، لولا تواتر مجموعة من العوامل الداخليّة والخارجيّة غير الملائمة.

وأوضح أن جهود تحقيق الاستقرار المبذولة خلال السنوات الأخيرة مكّنت من تجنّب المزيد من اختلال التوازنات الجمليّة بما من شأنه تعميق الصعوبات التي تثقل هوامش التصرّف على مستوى الميزانيّة والقطاع المالي.

ويرى خبراء أنه في حال تواصل تعطل الإنتاج فإن البلد يتجه نحو خطر محدق بنفاد إمدادات الغاز عن محطّات الإنتاج الكهربائي التي تعتمد بشكل شبه كلّي على الغاز الطبيعي لتزويد البلاد بالكهرباء، وذلك بالتزامن مع فترة الصّيف التي يصل فيها الاستهلاك إلى مستويات قصوى.

وحسب أحدث بيان للبنك المركزي التونسي، تقدر احتياطات تونس من العملة الأجنبية بنحو 136 يوم توريد بتاريخ 27 يوليو 2020، والذي توقع أن يشهد النمو خلال السنة الحالية انكماشا حادا بحوالي 6.5 في المئة مدفوعا بتراجع نشاط جل القطاعات لاسيما الصناعات الموجهة للتصدير وكذلك السياحة والنقل وبدرجة أقل الصناعات غير المعملية.

11