الاعتياد على الحب

الاثنين 2015/01/12

نحلم سوياً، نفرح ونحزن، نحب ونكره، تقتسم شفتانا حروف الكلمات، نتحاور فنختلف ونتشاجر لكنْ يسمو حياؤنا عن اللوم والتجريح ليقيننا بأن التصالح يطرق الأبواب ويأتي على عجل. نختلف لدرجة التنافر، ونتفق لدرجة التوحد، حتى ملامحنا تشابهت إلى حد أن أحد الزملاء الجدد كان يتساءل عني فقال له “سلامة أختك متغيبة منذ فترة لعلها بخير” فضحك إنها زوجتي، تعلل السائل المحرج بمبررات كثيرة أولها التشابه بعبارة دمكم واحد.

الحب رغبة مجنونة في الامتلاك وصراع من أجل الاستحواذ فإذا ما تملكنا قلوب أحبائنا اعتدنا على الحب ووضعناه على أرفف مشاعرنا يتوه في طيات تفاصيل حياتنا اليومية.

يدهشنا الإحساس الجميل بأول لمسة أياد مرتجفة في براءة المراهقة ثم نعتاد على الدهشة. نهزم كل القوانين الاجتماعية البالية. نأخذ قراراً بالحب والزواج، نحارب من أجل مشاعرنا وسرعان ما نجنبها من مفرداتنا، نتعفف عن كلمة “أحبك” لأننا أعتدنا على الحب. وما بين الاعتياد على الحب والاعتياد على الدهشة تسقط قلوبنا في ثلوج باردة، تتجمد أحاسيس كانت بالأمس قادرة على إذابة ثلوج “ياكوتسك” أبرد مناطق روسيا والعالم.

إلى جانبا كثير من الأحبة أعتدنا على رؤيتهم دائماً فلماذا نقول “أحبك” نهمل كلمات العشق ونخفق في التعبير مبررين قسوتنا بأن الحب ليس بالكلام.

وحين تفصلنا الجدران الباردة وتحول بيننا أبواب الغرف المعقمة وأنابيب الأكسجين الموضوعة بإحكام على أفواه فقدت القدرة على الثرثرة الجميلة بأمر الأطباء، ندرك أنه مازال أمامنا الكثير الذي يمكننا فعله، ندرك أن قلوبنا مازالت تنطق بالحب بلا كلمات وأن مشاعرنا تنزف ألماً بقدر ما نزفه جسد الحبيب الراقد بلا حراك.

أعلم أنني وحدي أسكن قلبك المرهق بالعشق وإدمان العمل وحب الصغار، وحدي أعتلي عرشه وأزهو بهذا العرش لم تزحزحني إلا تلك الجلطة الملعونة التي باغتتك في خلسة وجبن فاجأتني أكثر منك، صدمتني وأفاقت مشاعري الخجولة الكسولة.

الجميع يتعامل بمنطق المتاح والممكن وينسى أنه قد يصبح يوماً كل المتاح مستحيلاً، أدركتها اليوم وقلبك حبيبي يصرخ وجعاً وقلبي ينفطر خوفاً ولوعة.

تستحضرك عيناي فأرى اليوم كل البشر يشبهونك، أسير وحدي في الزحام ولكنني أرى الجميع بذات الملامح، كلهم أنت، يتحدثون فأسمع نبراتك المتحشرجة تصدم أذنيّ بوصية على الأبناء وأنا أكثر من الصغار ضعفاً واحتياجا لك.

أحبك طفلي الكبير البالغ العاقل الرشيد، أعشق جنونك وثرثرتك، أحترم صمتك حين تختاره بمحض إرادتك، ليس هذا الصمت المقيت الذي يفرضه عليك القلب العليل. تهوي يديك وهي تحتضن يدي.

لماذا لا نقول “أحبك” بملئ الفم لا نعبر عن مشاعرنا حين تتسع الحياة وتتشعب المسؤوليات لندرك مؤخراً أنه أمامنا الكثير لنقوله ونفعله”.

أترك نصف عمري طائعة ينام، بعيداً عني في برد الشتاء، محاطاً بأطباء وممرضات لا يعرفون عنه إلا كونه “حالة” مجرد رقم سرير.

أحبك عدد الحروف وزخات المطر، أعشقك عدد ذرّات الرمال وأوراق الشجر.

أستحلفكم بالله أن تهبوا الآن من سبات مشاعركم ليحتضن كل محب حبيبه وصديقه وقولوا كلمات الحب الجميل بلا خجل.

21