الاعتياد على القبح

الاثنين 2015/11/09

من سنة الخالق في خلقه أن يستسيغ البشر الجمال ويتذوقوه، ويبحثوا عنه في كل شيء. ابتسامة طفل، عيون صبية في عمر الزهور، شجرة وارفة الظلال، رائحة الورد البلدي تداعب الأنوف، تعانق الأيادي لصبي وصبية وطزاجة الحب الأول تعقد رهانا خاسراً على الوفاء للطرف الآخر حتى آخر العمر.

زرقة البحر حين تميل عليه شمس الغروب في دلال تغتسل في نهاية اليوم قبل أن تسحب خيوطها الذهبية وتأوي إلى غياب يقطعه شروق اليوم التالي، والسماء الصافية هي الشاهد غير الوحيد على تعانق الشمس والبحر في جلال نهايات الرؤية البعيدة، والعشاق يستمتعون باحمرار وجه السماء خجلا من مشهد العناق الجميل.

لكننا للأسف اعتدنا على القبح، ولم نعد نشعر بالجمال، ومشاهد دموية تلطخ وجه العالم وتصفع إنسانيتنا كل صباح، صور أطفال يتجرعون الذل والهوان على أيدي من هم أولى برعايتهم، وعلى بعد خطوات يقف الراعي حارسا للذئاب، يا للخجل!

حتى إذا ما شاهدنا بعد شحن حواسنا بكل هذا القبح والظلم، بعضاً من الرأفة بحال الصغار استحسناها وكأنما ربحنا غنيمة كبيرة.

اعتادت بعض النساء في مجتمعات فقدت رشدها على الكثير من الأوصياء وعلى معاملة سيئة وحال يرثى له، حتى أن ضرب الأب أو الزوج أو الأخ ومنعه لها من ممارسة حق الحياة أصبح وجبة يومية تقتاتها دون إمكانية الرفض أو الاعتراض، وفي بعض الأحيان تكون على مرأى ومسمع من امرأة أخرى مقهورة مثلها ولا تملك لها حلا وهي الأم. حتى أن إحداهما إذا ما مر اليوم بسلام دون أن تتلقى حصتها من الضرب والإهانة كانت سعادتها بالغة، وهكذا استحسنا القبح واعتدنا عليه حتى إذا ما قلت نسبته على بقاء وجوده غمرتنا سعادة عجيبة ومخزية.

هل حقاً تعودنا على القبح والنذالة، حتى أن أحدهم إن ساومنا على القبح ولكن بنسبة أقل مما تعودناه نقبل بثغر باسم وبلاهة شديدة هذه المساومة، لم نعد نقتنع بفكرة أن من حقنا الأفضل على كل المستويات، وأن الجمال نعمة من الله تعالى وهبنا إياها للاستمتاع بحياة يريدها لنا جميلة تملك بداخلها مقومات فرحنا وسعادتنا.

لو أن امرأة عاشرت رجلاً شديد البخل أعواماً نسيت فيها طعم الكرم وجمال الجود والعطاء، رجل بخيل حتى في مشاعره، شحيح في تلبية كل الاحتياجات، لا ينفق إلا على ذاته، يختزل العالم في نفسه وكيانه فقط، ستفرح إذا فاجأها يوماً بإحضار أصناف عديدة من الفاكهة، حتى وإن دخل البيت حاملاً ثمرة جوافة ونبقة واحدة.

الابن المدلل الذي اعتاد على تلبية رغباته كاملة غير منقوصة وبالمقابل يعامل أهله بكثير من السخافة والصلف تكون جملة “صباح الخير” من بين شفتيه قمة الحب والاحترام.

الجارة سليطة اللسان التي تجهل حقوق الجار وآداب التعامل بالحسنى، إذا داعبت طفلاً يمر بالشارع دون أن تبادل أمه السباب أو تلوك سيرتها بعد ذهابها نعتبر هذا منها قمة المحافظة على حقوق الجار، يا للقبح الذي لازمنا حتى أضحى جزءاً من الحياة.

والصديقة التي تظهر الحب لصديقتها ثم تطعن ظهرها خلسة، على الرغم من وفاء تلك المطعونة حتى بلغ الوفاء مداه، قد تقبل اعتذارا فاترا يخرج من اللسان دون أن يمر على القلب ولا يحمل من النفس شيئاً، وتفرح بكلمات مكذوبة فقد اعتادت الكذب.

لم نترب على رفض القبح وعدم المساومة عليه والتمسك بالحق في الجمال لأننا نستحقه.

21