الاغتراب اللغوي يضاعف غربة المهاجرين ويطيل طريق اندماجهم

تعتبر عملية إعادة توطين اللاجئين أداة حيوية في نظام الحماية الدولية. وهي توفر وسيلة لبلدان، مثل المملكة المتحدة، لتقديم الدعم والتضامن بغية التصدي لتحركات اللاجئين في أماكن أخرى، لكن هذه البرامج تبقى قاصرة في حال لم يتمكن اللاجئون من إتقان اللغة، وفق ما توصلت إليه دراسة بريطانية حديثة، بعد ثلاث سنوات من متابعة عينة مكونة من أكثر من 280 لاجئا من مناطق متفرقة من العالم؛ لتخلص إلى أن اللغة هي المفتاح الأساسي لتواصل البشر مع بعضهم البعض وتبادل الأفكار والمشاعر وغيرها من الأمور المختلفة، وأن الحواجز اللغوية وعدم التوافق بين نظم التعليم في جميع أنحاء العالم يتسببان في عوائق كبيرة تضعف الحماس لدى اللاجئين وتعقد عمليات التوطين.
الخميس 2016/11/17
من عالم آخر

لندن - يقول رئيس جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا “إذا تحدثت إلى رجل بلغة يفهمها فإنها تسري إلى رأسه أما إذا تحدثت إليه بلغته فإنها تسري إلى قلبه”، وجاء في بعض الأمثلة والأحاديث العربية في تأكيد أهمية اللغة أن “من تعلم لغة قوم أمن مكرهم”.

أحاديث وأمثال عديدة تأتي في سياق التدليل على أهمية اللغة كوسيلة رئيسية للتواصل وفهم الآخر وتجاوز الاصطدام معه. ويستحضر هذه الأمثال اليوم بالأساس اللاجئون والمهاجرون الذين دفعتهم ظروف الحرب في بلدانهم إلى حدود ثقافية ولغوية مختلفة جدا عما يجيدون التخاطب به.

وإذا كان زائر عربي إلى بلد عربي آخر، يجد صعوبة في فهم اللهجة العربية لذلك البلد، فكيف هو الحال مع لاجئ يجد نفسه وقد عجز لسانه عن الكلام لأن سمعه لم يستوعب ما يحدثه به الآخر، بسبب حاجز اللغة، الذي لن ينجح في الاندماج في عالمه الجديد وإعادة بناء حياته إذا لم يتجاوزه.

يعتبر بعض اللاجئين، المتحدثين باللغة الإنكليزية، محظوظين، نسبيا، مقارنة بالسواد الأعظم منهم، خاصة وأن الكثير منهم، مراهقون مازالوا في سنوات الدراسة الأولى، أو عمال متوسطو التعليم وأشخاص كبار في السن وربات بيوت غير متعلمات، ومنهم أيضا لاجئون من ذوي الكفاءات لكن لا يتقنون غير الحديث بلهجتهم العربية.

ففي بلد مثل ألمانيا، يجد اللاجئون صعوبة كبيرة في تخطي حاجز اللغة، الأمر الذي جعل المنظمات الإنسانية المشرفة على مخيمات اللاجئين تطلق دورات لتعليم لغة البلد المستضيف كأول خطوة لاستقبالهم. وفي المملكة المتحدة يجاهد الآلاف من اللاجئين والمهاجرين من أجل تجاوز الصعوبات في التواصل وكسر حاجز الخوف المتبادل بينهم وبين الآخر.

قصص اندماج مليئة بالتحديات
لندن – ماكيدة (40 عاما) أم لثلاثة أطفال تعيش في مدينة برايتون، في جنوب شرق بريطانيا، اضطرت إلى الفرار من إثيوبيا بسبب الاضطرابات السياسية. وقد حضرت دروس اللغة الإنكليزية منذ وصولها إلى المملكة المتحدة منذ 10 أعوام، ولكنها وجدت صعوبة في تعلّم اللغة وغالبا ما كانت تغيب عن الفصول لأنها كانت مشغولة برعاية والدتها المريضة.

احتاجت ماكيدة إلى استخدام مترجم لفترة طويلة، وقالت إنها تكافح، بشيء من الثقة بالنفس، عندما تحاول التواصل مع الناس في الأماكن العامة. وأضافت في تصريحات لصحيفة الغارديان، “كنت أبكي عندما تتاح لي فرصة التحدث إلى أي شخص. إنها الطريقة التي نشأت عليها، إنه أمر لا يحظى بالاحترام في إثيوبيا أن أتوجه إلى شخص ما وأتحدث معه، لأني امرأة”.

تقول ماكيدة إنها منذ بدأت تتحصل على تكاليف التعليم قبل عامين، بالإضافة إلى تلقيها دروس برنامج إيزول التعليمي، اكتسبت الثقة وبدأت في التقاط بعض العبارات الإنكليزية. وهي تدير الآن مع زوجها، شركة متخصصة في إعداد الطعام الإثيوبي للمناسبات، وكونت صداقات مع جيرانها.

وتضيف “في العامين الماضيين تعرفت على امرأة ألبانية تعيش في أحد الطوابق السفلى من نفس البناية. ونحن نشرب القهوة ونتحدث باللغة الإنكليزية معا كل يوم”.

وفيما كانت ماكيدة ربة بيت، غير متعلمة، كان مواطنها يارد (55 عاما) قاضيا في المحكمة العليا في إثيوبيا، ولكن التوترات دفعته إلى الهرب مع عائلته إلى مخيم للاجئين في كينيا منذ 17 عاما. وعاش في نيروبي لمدة سبع سنوات قبل أن يتم اختياره، وعائلته، لإعادة توطينهم في بريطانيا. عند وصوله إلى المملكة المتحدة، قدم طلبا للتوظيف في أكثر من 30 وظيفة قبل أن يحصل على عمل كمراقب مرور منذ سبع سنوات.

ويقول إنه يشعر بالامتنان لهذه المهمة، لكنه يضيف “حصّلت الكثير من الخبرة من السنوات التي قضيتها… ولكن بدلا من ذلك أقوم بالعمل الذي يؤدي فقط إلى المواجهة. أواجه الاعتداء والضرب. أرى الشعب البريطاني في أسوأ حالاته. وهو ما يجعلني أشعر بالاكتئاب”.

ويضيف يارد “أحيانا أواجه إهانات عنصرية. في وقت سابق من هذا العام رفعت قضية ضد أحد الأشخاص طلب مني العودة إلى وطني”. مع ذلك، يقول يارد إن معظم الناس ودودون وقد كوّن أصدقاء من مجتمعه المحلي.

وتدرس ابنتا يارد بالجامعة، وهو يكافح من أجل أن يصبح محاميا مختصا في قضايا حقوق الإنسان. وقد تلقى دورة في القانون في جامعة برايتون ومضى للقيام بدورة الدراسات العليا، لكنه لم يتمكن من إكمال التأهيل، كما أنه لا يستطيع تحمل رسوم أطروحته كمقيم خارجي. وأضاف “أنا في حاجة إلى 3 آلاف جنيه إسترليني لتحقيق تأهيلي… وكلاجئ لا يُسمح لي بالحصول على قرض”.

ويقول “ابنتي محامية، وهي تقول لماذا لا تترك عملك؟ سوف أساعدك يا أبي”. ولكني لا أريد الالتحاق بدورة الفوائد مرة أخرى. أنا في حاجة إلى المال لدعم ابنتي الأخرى وهي أم عزباء. وهي في حاجة إلى مساعدة إضافية نظرا إلى ضريبة كونسيل تاكس المفروضة عليها”.

تظهر ردود فعل يارد، وأمثاله، أنه حتى إذا كان اللاجئون مؤهلين للحصول على وظيفة، فإنه من الصعب أن يتولى أصحاب العمل تشغيلهم، بسبب عدم وجود مؤهلات تتطابق مع تلك الموجودة في المملكة المتحدة أو نقص الخبرة في مجال العمل.

وتكشف دراسة بريطانية، ستصدر قريبا، كشفت صحيفة الغادريان بعضا من تفاصيلها، أن عدم وجود دروس لتعليم اللغة الإنكليزية تستهدف بالأساس ما يحتاجه اللاجئ لتسهيل تواصله في سوق العمل يجعل عملية الاندماج صعبة وقد تطول لسنوات، لذلك يجب بذل المزيد من الجهد لتخفيف الصعوبات.

اهتمت الدراسة، وهي أكبر دراسة عن إعادة توطين اللاجئين في المملكة المتحدة، بمشكلة في خطة الحكومة البريطانية للتعامل مع اللاجئين وصعوبة اندماجهم في المجتمع البريطاني. ودامت الدراسة، التي أعدها أكاديميون من جامعة ساسكس، حوالي ثلاث سنوات، وقد ركزت على متابعة حالة أكثر من 280 لاجئا دخلوا المملكة المتحدة منذ سنة 2010، عبر برنامج حماية البوابة.

وهذا البرنامج هو مخطط تديره الحكومة البريطانية في شراكة مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمساهمة الاتحاد الأوروبي. ويقدم البرنامج، الذي تم العمل به ووضعه أساسا قانونيا في مارس 2004، طريقة قانونية لتخصيص حصة لاستيطان اللاجئين في المملكة المتحدة. وحظي بدعم واسع من الأحزاب السياسية الرئيسة في المملكة المتحدة.

استفاد من هذا البرنامج في البداية اللاجئون من ليبيريا والكونغو والسودان وبورما وإثيوبيا والعراق وفلسطين، ومن دول أخرى شهدت صراعات في تلك الفترة، ثم جاءت أزمة اللاجئين السوريين بعد 2011، لتسلط الضوء على أهمية مثل هذه البرامج ومعالجة مكامن النقائص فيها لتجاوز عائق إدماج اللاجئين، خاصة وأن الدراسات كشفت أن هناك علاقة وطيدة بين السلوك المتطرف لبعض الشباب من أبناء المهاجرين وبين الصعوبة في الاندماج.

خلل في القدرة على الاندماج

قارن الباحثون بين حالة التكامل والرفاه الاجتماعي لدى لاجئين من إثيوبيا والعراق والصومال والكونغو، يعيشون في أربع مناطق مختلفة من المملكة المتحدة (برايتون أند هوف، وغريتا مانشستر، ونورويتش، وشيفيلد).

توصلت الدراسة إلى أن هناك خللا في القدرة على الاندماج لدى المجموعات الأكثر هشاشة وضعفا من اللاجئين، وهي المجموعة التي وجدت صعوبة في الالتحاق بصفوف تعلم اللغة الإنكليزية وإيجاد طرق مناسبة للحصول على فرص عمل والتدريب على ما يحتاجون إليه.

وتعتبر النساء من أكثر مجموعات اللاجئين غير القادرين على الاندماج بشكل سلس وسريع؛ حيث تكشف الدراسة، التي تحمل عنوان “إعادة توطين اللاجئين في المملكة المتحدة: تحليل مقارن” أن النساء والمراهقين الذين تعذر عليهم مزاولة التعليم الأساسي بسبب الاضطرابات في بلادهم، يواجهون أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق التكامل في مجتمعاتهم الجديدة.

كما يشير الخبراء إلى وجود فروق في القدرة على التعلم والاستيعاب بين الأطفال والشباب والكبار، إذ يقبل الأطفال على تعلم اللغة أكثر من الكبار، ويسهل تحفيزهم على التعلم كما يكوّنون صداقات مع زملاء الدراسة، وهو ما يسهل ويسرع في الاندماج.

وكانت دراسة أعدتها حكومة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، في يناير الماضي، كشفت أن حوالي “38 ألف امرأة مسلمة لا يستطعن التحدث باللغة الإنكليزية و190 ألفا مهاراتهن محدودة في اللغة”. وأعلن حينها كاميرون عن إطلاق برنامج جديد لاختبارات اللغة يهدف إلى بناء دولة أكثر تماسكا ويخلق الفرص للمهاجرين، لذلك اعتبر البرنامج أن النجاح في اختبار اللغة شرط لبقاء المهاجرين.

ساهمت في إعداد دراسة إعادة توطين اللاجئين في المملكة المتحدة مجموعة من الباحثين المتخصصين في الجغرافيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، والتعليم، من بين أفردها ليندا موريس التي تعرف اللغة بأنها “في نفس الوقت مفتاح وحاجز لمؤشرات الرفاهية والنجاح".

وتضيف موريس “وجدنا أن أغلبية ساحقة من الأشخاص الذين تركز عليهم الدراسة يرغبون في تعلم اللغة، وهذا أمر حيوي للغاية لتحقيق التكامل وإيجاد عمل، وأيضا لتحقيق الاستقلال المطلوب. وأكثر شيء أرادوه هو أن تكون لديهم خطة ومستقبل هنا”، لكن المشكلة لم تعد في قدرة هؤلاء اللاجئين على الاندماج بل في البرامج الحكومية التي ستساعدهم على تحقيق ذلك. وتقول موريس “المشكلات تنشأ لأن الحكومة تميل إلى استخدام برنامج واحد وتطبقه على مختلف النماذج من اللاجئين، وقد تبين أن هذا الحل ليس مناسبا للكثير من الناس"، فمثلا هناك لاجئون جاؤوا إلى المملكة المتحدة مع مؤهلات ومهارات جيدة في اللغة الإنكليزية، وهم هنا يواجهون مشكلات مختلفة، وفي الكثير من الأحيان لا يتم التعرف على مؤهلاتهم الأخرى.

ويستفيد من برنامج حماية البوابة حوالي 750 لاجئا سنويا تستقبلهم المملكة المتحدة، دون احتساب طالبي اللجوء الذين دخلوا المملكة المتحدة على نفقاتهم الخاصة وفي ظروف مختلفة عن ظروف اللاجئين الهاربين من الحروب والصراعات.

وهناك تنوعا كبيرا واختلافات عديدة بين مجموعات اللاجئين، ما يجعلهم في البداية في حاجة إلى التأقلم مع بعضهم البعض ثم مع بقية المجتمع الجديد؛ واللغة هي السبيل الوحيد والرئيسي لإيجاد هذا الرابط المشترك وتحقيق التكامل في وقت لاحق.

ويبدو الأمر أصعب بالنسبة إلى أولئك الذين وصفتهم الدراسة بـ”المراهقين الضائعين”، والمقصود بهم المراهقون والشباب الذين اضطروا إلى قطع دراستهم وهم في منتصف الطريق أو في سنتهم الدراسية الأخيرة، ليجدوا أنفسهم في مخيم للاجئين.

وعبر العديد ممن تمت محاورتهم عن رغبتهم في دراسة المهن، مثل البناء والسباكة وتصفيف الشعر، فيما يحلم آخرون بالالتحاق بالجامعة، لكن يعيقهم على تحقيق ذلك، بدرجة أولى، عدم حصولهم على الشهادة المطلوبة، وفق قوانين الجامعات في المملكة المتحدة؛ وحتى عندما يتوجهون للبحث عن عمل يفشلون رغم تمكنهم من اللغة.

ويتحدث جايمس، عن تجربته، قائلا إنه اضطر إلى الانقطاع عن الدراسة أربع سنوات، بعد أن قررت عائلته اللجوء إلى المملكة المتحدة هربا من الحرب في الكونغو واستقرت بهم الحال في نورويتش. وعندما ذهب ليسجل في مكتب العمل كان عليه أن يجري مقابلة لوظيفة منظف، لكنه فشل في المقابلة لأنه لم تكن لديه أي خبرة في مجال الوظيفة المطلوبة.

اللاجئون يجلبون الكثير من الإمكانات ومن مصلحة المجتمعات المضيفة أن توفر لهم فرصة لتقديم تلك الإمكانات

الوضع أكثر صعوبة في بقية أوروبا

لا يختلف الوضع كثيرا في بقية الدول الأوروبية، بل إنه يزداد صعوبة في بلدان مثل ألمانيا ودول أوروبا الشرقية، فاللغة الإنكليزية، وإلى حد ما الفرنسية، تدرسان في المدارس والجامعات في دول الشرق الأوسط، والدول الأخرى التي يأتي منها اللاجئون، فيما يشكل عدم معرفة الألمانية، وبقية اللغات الأوروبية، عائقا كبيرا، حتى أمام أصحاب الخبرة والكفاءات.

ويؤكد روبرت تروسين، مسؤول الحماية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في برلين، أن الحواجز اللغوية وعدم التوافق بين نظم التعليم في جميع أنحاء العالم يتسببان في حدوث تأخيرات كبيرة تضعف الحماس لدى اللاجئين، الذين يأملون في مواصلة تعليمهم في ألمانيا، والراغبين في الاندماج. وأضاف أن اللاجئين يجلبون الكثير من الإمكانات إلى بلد اللجوء ومصلحة المجتمعات المضيفة أن توفر للاجئين فرصة لتقديم تلك الإمكانات.

ووصل نحو 1.1 مليون مهاجر إلى ألمانيا منذ بداية 2015؛ حيث فرّ الكثير منهم من الحرب والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا وأماكن أخرى. وأجرت إدارة الأبحاث بالمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين ومعهد بحوث التوظيف والمعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية” المسح المتعلق بحالة العمل والتوظيف والخلفية التعليمية والقيم عند اللاجئين. وأظهر المسح أن من بين اللاجئين الذين وصلوا العام الماضي وفي يناير 2016 هناك 13 بالمئة يعملون، وبين أن الكثير من الوافدين الجدد لا يزالون في مرحلة تقييم طلبات اللجوء.

وقال هربرت بروكر، من معهد بحوث التوظيف، إن التجربة أظهرت أن نحو 50 بالمئة من المهاجرين وجدوا عملا بعد العيش في ألمانيا 5 سنوات، وأن ما لا يقل عن 60 بالمئة وجدوا وظيفة بعد 10 سنوات، و70 بالمئة بعد 15 عاما. ويتوقع أن يجري ذلك بشكل أسرع على المهاجرين الجدد، خاصة أنهم يتلقون برامج لتعليم اللغة والمساعدة من مراكز التوظيف والشعب الألماني أكثر مما سبق.

6