الاغتراب عن القضايا الراهنة أفرغ الدراما العربية من محتواها

شهدت الدراما العربية على مدار العام الماضي العديد من المسلسلات الناجحة، خصوصا تلك التي تم عرضها في الموسم الرمضاني، إذ تبارى العديد من صناع الدراما لتقديم الكثير من الأعمال خلال هذا الموسم، وقد حظي أغلبها بالمتابعة الجماهيرية والنقدية، فضلا عن تلك التي تم تقديمها خارج الموسم الرمضاني والتي غلب عليها التشبه بالدراما التركية من حيث عدد حلقاتها الذي فاق لدى بعضها 90 حلقة، وتنوعت الأعمال المقدمة ما بين الكوميديا والتراجيديا والاجتماعي والسياسي وغير ذلك، وإن كان الكثير من النقاد والمتابعين يؤكدون أن الدراما العربية في العام الماضي قد شهدت حالة من انعدام الخصوصية في التعبير عن قضايا ومشكلات المجتمع العربي.
الأربعاء 2016/01/13
قدرات تمثيلية فاقت الموهبة الغنائية

الاغتراب عن واقع المجتمعات العربية، واللهث وراء التشبه بالدراما التركية كمّا ونوعا، كانا سمة الدراما العربية في العام المنقضي 2015، وهو ما أجمع عليه العديد من النقاد والمتابعين للشأن الدرامي العربي، “العرب” سبرت آراء بعض المهنيين في القطاع فكانت آراؤهم متشابهة وإن تباينت في بعض التفاصيل.

الناقد السوري غيث حمّور، في حديثه عن الدراما السورية، أكد أنها في السنوات الأخيرة كانت بعيدة عن الواقع السوري، وفي الموسم الماضي تحولت إلى نوع من التجارة حسب مبدأ لمن يدفع أكثر، وكانت لها اعتبارات أيديولوجية وثقافية بعيدة عن الشارع السوري.

وأضاف: كانت هناك عدة أنواع من الدراما خلال السنة الماضية منها ما انتهج سياسة الأجزاء مثل مسلسل “باب الحارة” وهي مسلسلات تعاني من الإفلاس على مستوى الأفكار والأطروحات المقدمة، كما أنها موجهة لخدمة فئة معينة بهدف التسويق أو الربح، أيضا كان هناك استنساخ لتجارب أجنبية كما حدث في “العراب” بنسختيه، وكأن القضايا العربية والسورية انتهت ولم يعد يبقى سوى الاستنساخ، وهو من الظواهر السيئة التي شهدتها الدراما السورية في العام المنقضي.

ولفت حمّور إلى أن بعض الأعمال التي تعدّ على أصابع اليد كانت على مستوى مقبول إلى حدّ ما، ولكنها تجارب لا تعمم، فعموم الأعمال في الموسم الماضي اجترار لأفكار تمّت استعادتها واستنساخها، كما أن هناك الكثير من الاستسهال في العمل وتقديم أي شيء على أمل أن يلقى رواجا، فهي أعمال لا تحترم عقل المشاهد أو فكره.

أعمال متواضعة

الناقدة المصرية نهى جاد لفتت إلى أن الدراما المصرية شهدت في العام الماضي ثراء كبيرا، إذ تم عرض الكثير من الأعمال الدرامية سواء في الموسم الرمضاني أو خارجه، ولكن أغلب هذه الأعمال كانت متواضعة، ولم يتميز منها سوى القليل مثل مسلسل “تحت السيطرة” للفنانة نيللي كريم، ومسلسل “العهد”، وافتقدت بقية الأعمال الكثير من العناصر الفنية مثل مسلسل “حارة اليهود” الذي جاء بالكثير من المغالطات والأخطاء الفنية ما جعله يخرج من دائرة التميّز.

بعيدا عن الموسم الرمضاني، تميزت الأعمال المعروضة خارجه بالتمطيط والتطويل بشكل كبير

أما الفنانة المصرية نشوى مصطفى فقد أكدت أنه في ظل الكم الكبير من الأعمال الدرامية المعروضة في مصر خلال العام المنقضي، والتي وصلت إلى ما يقرب من 60 مسلسلا، كان هناك الكثير من الأعمال المتميزة والجيدة، مضيفة: على المستوى الشخصي تابعت عددا من الأعمال منها “العهد”، و“حارة اليهود”، و“تحت السيطرة” و“بعد البداية”.

واستطردت: أعتقد أن الدراما المصرية في السنوات الأخيرة استطاعت أن تتقدم بشكل كبير سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو التقنيات المستخدمة، فأنا راضية جدا عن الدراما الرمضانية هذا العام، وأرى أنها أفضل بكثير من الأعوام السابقة.

أما المخرج المصري أحمد شفيق فقد أكد أن الدراما العربية كانت جيدة جدا في عام 2015، إذ شهدت العديد من الأعمال المميزة والبارزة، وعلى رأسها مسلسل “تحت السيطرة” الذي ناقش قضية الإدمان والعلاج، ومسلسل “حارة اليهود” الذي تناول العلاقات بين الأديان الثلاثة، ومسلسل “ذهاب وعودة” وهو من إخراجه، وقد تناول فيه قضية خطف الأطفال وتجارة الأعضاء البشرية في العالم كله وفي أكبر الدول التي تقوم بذلك.

واستطرد: أيضا، شهد العام المنقضي عددا من الأعمال الكوميدية البارزة مثل مسلسل “أستاذ ورئيس قسم” للفنان عادل إمام، ومسلسل “لهفة” للفنانة دنيا سمير غانم، وإن كان هناك غياب شبه تام للدراما الدينية والتاريخية عربيا.

وبيّن شفيق أن المشاكل الإنتاجية تعصف بالدراما التاريخية والدينية في العالم العربي، فالمنتجون يبحثون عن الربح في المقام الأول، ومثل هذه الأعمال تحتاج إلى تكاليف عالية جدا للتمكن من تطبيق التقنيات اللازمة، لذلك يضطر المنتج إلى الابتعاد عن مثل هذه الأعمال التي لا تعود عليه بالمردود المادي المأمول، خاصة وأن القنوات لا تعرض مقابلا ماديا مناسبا على المنتجين، في مقابل عرض أعمال على هذا القدر من الأهمية، وهي مشكلة لا بد من تداركها في الأعوام المقبلة لأن الوطن العربي بحاجة إلى المسلسلات التاريخية والدينية التي تصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة عنه في العالم أجمع.

اجترار أفكار

انعدام الخصوصية

الناقد الفني المصري نادر عدلي أشار إلى أن الموسم الدرامي في رمضان قد شهد تنوعا على مستوى الموضوعات المقدمة، فمنها ما تحدث عن الثورات مثل “أستاذ ورئيس قسم” لعادل إمام، ومنها ما هو بوليسي مثل “لعبة إبليس”، “ذهاب وعودة”، “حق ميت” و“وش تاني”، ومنها ما هو تاريخي مثل “حارة اليهود”، أو اجتماعي مثل “بين السرايات”، والكوميدي مثل “لهفة”، و“يوميات زوجة مفروسة أوي” و“الكبير أوي”، والأسطوري مثل “ألف ليلة وليلة”، وإن كان من أفضل الأعمال مسلسل “أستاذ ورئيس قسم” للفنان عادل إمام، ومسلسل “تحت السيطرة” للفنانة نيللي كريم.

واستطرد: أما الأعمال التي تم عرضها خارج الموسم الرمضاني فهي رديئة جدا على المستوى الفني، لأنها استهلاكية وتقوم على التطويل والتمطيط، واختلاق الأحداث والمعالجة الساذجة والتطور غير المنطقي، وهي مسلسلات لم تكن تجد متابعين لها سواء خلال الموسم الرمضاني أو خارجه. وعلى صعيد الدراما السورية أكد عدلي أنها قائمة بشكل أساسي على الشكل التاريخي في مجمل الأعمال، وربما هناك انعدام لتناول ما هو معاصر من الواقع السوري، كما أن الأحداث المأساوية في سوريا دفعت النجوم والمخرجين السوريين إلى الاتجاه للمشاركة في الدراما المصرية.

وبصفة عامة، فإن الدراما العربية في السنوات الخمس الأخيرة، ونظرا لاعتمادها على المشاركة في الإنتاج بين المحطات الفضائية، طرأ عليها نوع من انعدام الخصوصية في التعبير عن المجتمع، ليتم تناول الموضوعات بشكل عام وليس خاصا، فضلا عن عدم وجود إنتاج ضخم، فكانت أغلب الأعمال استهلاكية وفي خدمة الإعلانات.

ومن ناحيتها لفتت الناقدة المصرية ماجدة خير الله إلى أن العام الحالي شهد عددا من الأعمال البارزة والناجحة، التي كانت لافتة سواء على مستوى الكتابة أو التمثيل أو الإخراج، منها مسلسل “تحت السيطرة” للفنانة نيللي كريم، و“بعد البداية” للفنانة درة والفنان طارق لطفي، فضلا عن تجارب لا بأس بها مثل تجربة المطربة شيرين في مسلسل “طريقي” الذي ساعد على نجاحه وجود فريق عمل جيد.

وأشارت خيرالله إلى أن عرض بعض الأعمال الدرامية خارج الموسم الرمضاني من الظواهر الجيدة التي يجب تشجيعها منعا لتكدس الكثير من الأعمال في موسم واحد، فلا بد أن تكون الأعمال المعروضة خارج الموسم الرمضاني مميزة حتى لا يشعر المشاهد أنها “بواقي”، فمثلا مسلسل نادية الجندي “أسرار” الذي تم عرضه خارج الموسم الرمضاني مستواه أقل من المتوسط، فالفنانة نادية الجندي تعتمد على شهرتها في جذب المشاهد الذي لم يعد يُلق بالا لأعمالها التي لا تجيد اختيارها.

المطـربـون الـذيـن دخلـوا المنافسة في رمضان الماضي لديهم قدرات تمثيلية ربما تفوق مواهبهم الغنائية

واستطردت: وسط الكم الهائل من المسلسلات التي تعرض خلال العام، دائما ما يكون الكيف دون مستوى هذا الكم الكبير؛ إذ لا نخرج في العام بأكثر من ستة أو سبعة أعمال درامية مميزة على الأكثر.

الناقدة الفنية خيرية البشلاوي قالت: أنتجت الدراما المصرية في العام الماضي عددا لا بأس به من المسلسلات، ولكن القليل منها هو الجيد الذي كانت له علاقة بمناقشة مشكلات المجتمع وأحلامه في السنوات الأخيرة حيث طرأ عليها الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية، والتي كان ينبغي على صناع الدراما أن ينتبهوا إليها جيدا ويسعون إلى تجسيدها في الأعمال المقدمة.

واستطردت: الكتاب في السنوات الأخيرة بعيدين عن الواقع المصري والعربي بصفة عامة، فعدد قليل من المسلسلات نتوقف أمامه، كما أن القضايا الاجتماعية الكبرى التي تشغل المواطن المصري ليس لها وجود قوي في المسلسلات، فضلا عن عدم وجود أثر للمسلسل الديني أو التاريخي في الأعمال الدرامية المعروضة.

ميزان دقيق

الناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس قالت: الدراما المصرية في مهرجانها الأكبر خلال الموسم الرمضاني الماضي كان فيها بعض النقاط المضيئة مثل مسلسل “تحت السيطرة” الذي تناول مسألة الإدمان وتأثيره على المجتمع كله وعلى العلاقات المختلفة بين الأفراد، وهو عمل استطاع أن يخلق نوعا من الوعي الاجتماعي بعد أن كان العديد من المسلسلات يحفز في كثير من الأحيان على تناول المخدرات، فضلا عن مسلسل “بعد البداية” الذي أضاف إلى ممثل مثل طارق لطفي كثيرا.

وأضافت: أرى أن الكثير من المطربين الذين دخلوا المنافسة في الموسم الدرامي الرمضاني الماضي لديهم قدرات تمثيلية ربما تفوق الموهبة الغنائية، مثلما هو الحال عند الفنانة روبي والفنان خالد سليم، كما أن شيرين في مسلسلها “طريقي” قدمت عملا ناجحا كشف عن موهبتها في التمثيل، فالمغني الجيد في هذا العصر لا بدّ أن تكون لديه قدرة تمثيلية بشكل أو بآخر.

16