الاغتراب في اللغة

المبدع العربي يظل يعيش بشخصيتين اثنتين، شخصية الكاتب أو الشاعر الذي تشكل اللغة الفصحى فضاء التخييل والتعبير الجمالي والفكري، وشخصية ابن الواقع الذي يستخدم اللغات المحكية وسيلة للتواصل.
الثلاثاء 2018/10/23
هناك ازدواجية على مستوى اللغة الفصحى والعامية (لوحة: شادي أبوسعدة)

يعيش كتاب المنفى حالة من الاغتراب في اللغة، تنبع من وجود مستويين من العلاقة مع اللغة الأم ولغة المنفى. الأثر الذي يخلفه هذا الاغتراب يبدو واضحا في التباين في مضمون هذه العلاقة وأثرها النفسي والفكري على كاتب المنفى. لكن ماذا عن الازدواجية التي نعيشها في علاقتنا مع اللغة العربية الأم.

يستخدم الكاتب أو الشاعر اللغة العربية الفصحى في كتابته، بينما هو يستخدم اللهجة المحلية في حياته اليومية وفي علاقته مع محيطه الاجتماعي، وحتى داخل مؤسسات التعليم التي تلقن الطلبة لغتهم الفصحى.

لم يتحدث أحد من الباحثين في قضايا اللغة عن هذا الموضوع وأثره على علاقتنا بالكتابة وعلى واقع القراءة. تبدو اللهجات المحلية التي هي لغة الحياة اليومية، لغة الوجدان والوعي الأول الذي نكوّنه عن العالم، واللغة الحسية المكثفة التي نعبر بها عن ذواتنا. صحيح أن هذه اللغات المحكية لا تخلو مفرداتها من فصحى مخففة تتباين من مجتمع إلى آخر، ومن بلد عربي إلى آخر، إلا إنها تظل ابنة المكان والثقافة التي سبقت انتشار الفصحى كلغة للتعليم والطقس الديني.

والسؤال هنا هل يمكن لنا أن نعتبر هذه الازدواجية التي نعيشها على مستوى اللغة الفصحى والعامية اغترابا، يمكن أن ينعكس أثره على عملية الإبداع، وعلى علاقة الكاتب باللغة. بعض كتاب الرواية العربية في المشرق والمغرب العربيين حاولوا أن يحلوا هذه المشكلة باستخدام اللغات المحكية، في حوار شخصيات الرواية، وهنا نتساءل إلى أي حد استطاعت هذه المحاولات أن تعبر عن حالة الازدواجية في استخدام لغة الأدب والتعبير عن الواقع.

لقد خلقت هذه المحاولة مشكلة أخرى أكثر تعقيدا تجلت في فهم مفردات هذا الحوار باللغات المحلية، ما خلق عند القارئ شعورا آخر بالاغتراب، بسبب عجزه عن فهم هذه المفردات واستيعاب دلالاتها وكثافة معانيها الحسية كما يستوعبها من يتكلمها. هنا نحن أمام اغترابين هما اغتراب الكاتب في علاقته المزدوجة مع الفصحى والعامية، واغتراب القارئ في علاقته مع هذه اللغات المحكية، التي يجدها في مثل هذه الأعمال الروائية.

قد يكون الشاعر أقل شعورا بهذا الاغتراب من الكاتب الروائي لسبب بسيط هو أن الشعر العربي يشكل إرثا ثقافيا عاما هيمن على الثقافة العربية تاريخيا، في حين أن الرواية العربية هي فن وافد، لكن وعلى الرغم من ذلك يظل المبدع العربي يعيش بشخصيتين اثنتين، شخصية الكاتب أو الشاعر الذي تشكل اللغة الفصحى فضاء التخييل والتعبير الجمالي والفكري، وشخصية ابن الواقع الذي يستخدم اللغات المحكية وسيلة للتواصل في حياته اليومية.

15