الاغتراب يفقد الانسان لذة الوجود

الأربعاء 2014/02/12
الاغتراب الأسري يؤدي إلى إحباط عمليات التواصل والتفاعل بين الأفراد

القاهرة - قد نشعر أحيانا بالعزلة والضياع والوحدة وفقدان الأمان العاطفي، لأننا نعيش في عصر المتناقضات، عصر التنافس والتغيرات الخاطفة المتلاحقة، وطغيان المادة على حياة الإنسان، ونتيجة لطبيعة هذا العصر أصيب الإنسان بالكثير من الاضطرابات والمشاكل الاجتماعية والنفسية، وفي مقدمتها ظاهرة الاغتراب.

المعاناة من الضغوط النفسية قد تؤدي بالفرد إلى الشعور بعدم الانتماء، وفقدان الثقة، والإحساس بالقلق والعدوان، ورفض القيم والمعايير الاجتماعية، والاغتراب عن الحياة الأسرية، ويمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية امتد وجودها لتشمل مختلف أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وأشار علماء الاجتماع إلى أن الاغتراب من أهم وأخطر المشاكل الاجتماعية التي تواجه أفراد المجتمع في الوقت الراهن، وخصوصاً فئة الشباب، فالاغتراب يرتبط بمتغيرات ومفردات المجتمع.

ومشاكل المجتمع المحيط بالشخص تنعكس عليه سلبا وخاصة فئة الشباب، وتؤدي مشاكل التفكك الأسري إلى إحباط عمليات التواصل والتفاعل بين الأفراد، ناهيك عن ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستوى الدخل، كل ذلك يجعل منهم أفرادا غير فاعلين في المجتمع قلقين من المستقبل بسبب العوز المادي الذي يعتبر من أهم العوامل في إيجاد مفهوم الاغتراب الاجتماعي لدى الشباب.

فالاغتراب هروب من الواقع، ومشكلة من أهم مظاهرها رغبة الفرد في الابتعاد والجلوس منعزلاً عن الآخرين، وشعوره بالنقص، وعدم الثقة بالنفس، وعدم قدرته على إقامة علاقات اجتماعية قوية مع الآخرين، فيصبح شخصيةً سلبيةً في المجتمع. تتعدد أسباب الاغتراب الأسري، وأهمها الإهمال والتراخي في الواجب وزيادة الهموم الحياتية، فنجد الأب منشغلاً بعمله ساعات طويلة من النهار، وربما يتابعه في البيت عبر اتصالاته الهاتفية وما يحضره معه من ملفات، والأم مشغولة بصديقاتها وزيـاراتها ونشاطاتها الاجتماعية، فلا يبقى من وقتها شيء تعطيه لأسرتها، والأبناء مشغولون بهواياتهم واهتماماتهم المختلفة عن أسرهم فلا يعودون إلى بيوتهم إلا للنوم، فنقص المودة وندرة التعاطف والألفة وضعف أواصر المحبة والروابط الاجتماعية داخل الأسرة تجعل المرء يشعر بالاغتراب.
مع نهاية القرن العشرين فقد الشباب الانتماء بعد أن ضاعت أحلامهم وتاهت طموحاتهم وتحطمت آمالهم وفقدوا هويتهم

وفي هذا الإطار توضح الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع قائلة: “تثير قضية الانتماء لدى الشباب جدلا واسعا بين المفكرين والباحثين، فالأغنيات الوطنية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت تلهب حماس الجماهير لاجتماعهم حول قضية واحدة، وفى أعقاب نكسة 1967 كان الشباب والشيوخ والكبار والصغار والنساء والأطفال يجمعهم هدف واحد، وهو ضرورة تخطى الهزيمة وتوحد الجميع لتحقيق هذا الهدف وبالتالي تحقق الانتصار في حرب السادس من أكتوبر 1973.

ومع نهاية القرن العشرين فقد الشباب الانتماء بعد أن ضاعت أحلامهم وتاهت طموحاتهم وتحطمت آمالهم وفقدوا هويتهم. فحالة ضعف الانتماء هي التي قادت الشباب إلى الاغتراب النفسي، الذي يعتبر خاصية وجودية مميزة للإنسان، فهو المخلوق الوحيد الذي ينفصل عن نفسه، وقد ينفصل عن مجتمعه، ويعيش الاغتراب كجزء من حياته ومكون من مكوناته النفسية والاجتماعية، دون أن يعرف أنه مغترب ومنفصل عن ذاته أو مجتمعه أو دينه”.

وأشار الدكتور أكرم محمود أستاذ علم النفس إلى أحد أبرز العوامل التي تساهم في إيجاد مفهوم الاغتراب الاجتماعي لدى الشباب، وهو التطور التكنولوجي الذي تمر به المجتمعات البشرية الآن، فقد ساهم استخدام الانترنت بشكل كبير في إيجاد نوع من العزلة الاجتماعية لدى الشباب، من خلال ارتفاع معدلات استخدامه للمحادثة داخل المجتمع الالكتروني الكبير ضمن الشبكة العنكبوتية، وقد انعكس هذا الوضع سلباً على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، وخصوصا الشباب بسبب فقدان عمليات التفاعل الاجتماعي بينهم، الأمر الذي ساهم في إيجاد نوع من الفتور و العزلة الاجتماعية التي تتحول مع مرور الزمن إلى ما يسمى الاغتراب الاجتماعي لدى الشباب.

الاغتراب الاجتماعي بكل تجلياته يدخل في علاقة جدلية مع الواقع الاجتماعي أي في علاقة تأثير وتأثر

واعتبر الدكتور أكرم الاغتراب بمثابة متغير تابع للمتغيرات التكنولوجية التي تعتبر المتغير المستقل. فالاغتراب الاجتماعي بكل تجلياته يدخل في علاقة جدلية مع الواقع الاجتماعي أي في علاقة تأثير وتأثر.

وأوضح الباحث الاجتماعي جمال العزيزي، أن القيم الدينية هي الأساس لحماية الإنسان من الاغتراب، فعندما نرى القدوة، سواء كان الأب أو المعلم أو الأخ الأكبر، متمسك بتعاليم دينه ويطبقها في كل أمور حياته فإن ذلك يدفع الشاب إلى الهدوء والسكون النفسي، واستنكر العزيزي أن يشعر الإنسان بالغربة وهو مع الله سبحانه وتعالى، داعيا إلى ضرورة الاهتمام بالتربية الدينية داخل المدارس وفي المنازل وفي وسائل الإعلام، لأنها المؤثرات الأساسية في شخصية الإنسان.

وقال: “الاغتراب في الإسلام إيجابي لأنة يقود الشخص إلى الابتعاد عن الرذائل، وترْك حياة العبث، ويقود إلى الزهد في مُتَع الدنيا”.

كما يقصي الإسلام من دائرته من لا يهتم بأمور المسلمين ومشكلاتهم الداخلية والخارجية، ويكون الاغتراب مقبولا في الإسلام ومستحسنا إذا فهمناه الفهم السليم.

أما في الغرب، فنجد الاغتراب يمثل ظاهرة مَرَضية تكشف عن واقعٍ يحْكُمُه منطقُ المادة في غيابٍ مُطْلق للقيَم الروحية، وعليه، فقد اختلَّ التوازن، وعمَّ الاضطراب، وتفشى الانحرافُ بشتى ألوانه. وعن طرق العلاج قال الدكتورعبد العزيز إن العالم: “وضَع ‘هيغل’ الحل لتلك المشكلة بقوله، “الحب يجعل الاغتراب يتلاشى”، فعندما يشعر الإنسان بالحب يبدأ إحساس الاغتراب في التلاشي، كما أن الاتساق بين الإمكانيات والطموح تساهم في ذلك أيضا، وأكد على أهمية أن نراعي عند تربية الأبناء أن ندعم قدراتهم الموجودة دون إفراط ودون تفريط.

21