الاغتصاب إحالة بامتياز على الانحلال المجتمعي

للأسرة جانب تربوي استباقي وقائي هام يجب أن يرافق تربية الأطفال ويجعلهم يحترمون المرأة في ذاتها وفي جسدها، للحيلولة دون ارتكاب جرائم الاغتصاب.
الأحد 2018/09/09
لماذا الاغتصاب أصلا، ولماذا كل هذه البشاعة التي يتمّ بها؟

ظاهرة الاغتصاب ظاهرة اجتماعية كونية ليس في ذلك أدنى شك، فأكثر المجتمعات تطورا أو تدينا أو ديمقراطية تشهد حالات متواترة للاغتصاب، صحيح أن النسب تختلف من مجتمع إلى آخر ومن فئة إلى أخرى، ولكن الظاهرة موجودة وجديرة بالدرس ومحاولة البحث لها عن حلول وقائية قبل أن تكون زجرية.

المستفزّ في الأمر أننا أصبحنا نستفيق كل يوم على أنباء عن حالات اغتصاب شنيعة وغريبة مصحوبة بالعنف المادي والمعنوي والهرسلة النفسية. ففي الأيام الأخيرة من شهر أغسطس طالعتنا وسائط الإعلام الاجتماعي بقصة خديجة ذات السبعة عشر ربيعا وهي فتاة مغربية احتجزت لما يقارب الشهرين ووقع اغتصابها مرارا وتكرارا من طرف عدد كبير من الشبان، وشوهوا جسدها الغض بوشوم بكل اللغات والرموز، وهي حادثة تتجاوز مجرد الاغتصاب إلى التعمّق في فلسفة إذلال الأنثى والتشفي بتعذيبها.

قصتان وقعتا في تونس أيضا، ضحية إحداهما طفلة رضيعة لم تتجاوز الثلاث سنوات، لا تعرف من الدنيا شيئا ولا تفقه أمرا من وجودها، وقع اغتصابها بوحشية غائرة في الحيوانية وانعدام العقل.

أما القصة الثانية فانتهت بوفاة الجدة والابنة واغتصاب الحفيدة من طرف مجموعة من الشباب، وهنا اقترن الاغتصاب بجريمة القتل العمد.

السؤال المحير والملح: لماذا الاغتصاب أصلا، ولماذا كل هذه البشاعة التي يتمّ بها؟

الاغتصاب ظاهرة قديمة وكونية ولكن الإخبار عنها لم يكن متاحا كما اليوم، فبخلاف الوسائل الإعلامية التقليدية كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور ريادي في نشر هذه الحوادث والتشهير بها وبفظاعتها، وهو ما دعانا لتضخيم الظاهرة وكأنها جديدة على مجتمعاتنا، فتعالت الأصوات من كل مكان منددة بفعل الاغتصاب داعية إلى القصاص من مرتكبيه، حتى أن هناك حملات نظمت لغاية الضغط من أجل إقرار عقوبة الإعدام في حالات ارتكاب عمليات الاغتصاب.

وخلال البحث في أسباب انتشار الاغتصاب نجد أن الأسر تتحمّل جانبا كبيرا من المسؤولية عن ذلك، فالاغتصاب “شذوذ جنسي” ناتج بالأساس عن نقص الوعي بمسألتين شديدتي الأهمية؛ أولا عدم دراسة الجسد ووظائفه الطبيعية واعتبار الخوض في تفاصيل جسد المرأة عيبا وإسفافا أخلاقيا وتعديا على حرمة الدين والأخلاق، وبذلك يبقى الجسد مستفزا ومطمحا للكشف عن أسراره خاصة لدى منعدمي أو متوسطي التعليم.

وثانيا حظر الخوض في المواضيع التي تتعلق بالجنس في الفضاءات العائلية، والسبب دوما ديني وأخلاقي من منظور الفهم والوعي السائدين في المجتمع.

الأطفال لديهم قابلية لتعلّم كل شيء، ولذلك كان من الأجدر أن ننزع عن مواضيع الجسد والجنس صفة “التابوهات” ونتدارس ذلك مع أطفالنا بأسلوب علمي منهجي مدروس يعلّم ويحافظ عن المستوى الأخلاقي الذي يجب أن يسود بين أفراد الأسرة الواحدة.

سمة الدونية، التي لحقت المرأة و”أنقصت” من إنسانيتها مقارنة مع الرجل، الذي -بحكم الطابع الذكوري للمجتمع- لا ينظر إلى المرأة إلا كونها مصدرا للمتعة وآلة للإنجاب، كانت وراء سعي البعض من الرجال للنيل من المرأة بأي طريقة كانت والاغتصاب أبشع الطرق على الإطلاق لأنه يمثل تعديا على الذات البشرية وسمة الإنسانية فيها، فالمغتصب لا يغتصب الجسد فقط بل يمعن في إذلال النفس وإيذاء الروح، وتستمر التداعيات الوخيمة تنغص حياة الضحية في كامل مراحلها العمرية.

كما للأسرة جانب تربوي استباقي وقائي هام يجب أن يرافق تربية الأطفال ويجعلهم يحترمون المرأة في ذاتها وفي جسدها، للحيلولة دون ارتكاب جرائم الاغتصاب، فإن المجتمع بكل أطيافه وشرائحه مدعوّ للمشاركة الإيجابية والفعّالة في التصدّي لهذه الظاهرة التي زادت حدتها وآثارها السيئة.

أما الطرق المؤدية إلى ذلك فهي عديدة؛ أولها إدماج التربية الجنسية ضمن البرامج التعليمية وإيلاء الذات البشرية ذكرا وأنثى ما تستحق من الدراسة المعمّقة لغاية التعليم والتثقيف.

وثانيها محاولة احتضان الشباب الضائع بلا دراسة ولا شغل في عمق الأرياف والقرى وفي الأحياء الشعبية حول المدن الكبيرة، وذلك بتوفير الحد الأدنى من كرامة العيش اللائق بتوفير موارد الرزق -مهما كانت بسيطة- والاعتناء بالبنى التحتية من إنارة وطرقات ونظافة وتعليم وصحة..

وثالثها تركيز الوحدات الثقافية القارة والمتنقلة لملء الفراغ بما يساهم في خلق مناخ إيجابي يسوده التفاؤل بالحياة والسعي إلى الترفيه وتهذيب الأذواق وترسيخ قيم المواطنة وعلى رأسها احترام المرأة في ذاتها وفي جسدها.

ورابعها التصدي لظواهر الإدمان على الكحول والمخدرات والأدوية المخدرة والتي ترتكب أغلب جرائم الاغتصاب تحت تأثيرها المباشر، ويكون التصدي إما بتكثيف وسائل التوعية والتعريف بمضار هذه الآفات وإما بالأساليب القضائية الزجرية والتي لا تكون نتائجها دائما إيجابية.

وفي ظل تواتر ارتكاب جرائم الاغتصاب في بلدان عديدة نشطت صفحات ومواقع عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتمت المناداة بتفعيل جميع الإمكانيات الفردية والجماعية للوقاية من هذه الآفة، واعتماد الأساليب الزجرية.

وعلى هذا الأساس يبقى الموضوع هاما وجدليا بامتياز تختلف فيه الآراء إلى حدّ التناقض ولا بد من التصدي لهذه الظاهرة بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.

21