الاغتيالات السياسية تحت غطاء الدين والمذهب

السبت 2017/12/09

بعد أن تبين أن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح تعرض للخيانة من أحد المقربين منه، وأن رأسه بيع لعصابات الحوثي الإيرانية في صفقة لم يكن نظام الدوحة بعيدا عنها، كما حدث مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي خانه أحد أقربائه فكانت نهايته يوم 20 أكتوبر 2011، ومع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي تعرض للخيانة من قبل أحد الموالين له، ليقع بين أيدي الميليشيات المتطرفة التي نفذت فيه حكم الإعدام يوم 30 ديسمبر 2006.

في الحالات الثلاث لم تختلف الهتافات، ففي لحظة اغتيال صالح هتف القتلة “يا حسين”، إشارة لنجاحهم في الانتقام لحسين بدرالدين الحوثي الذي قتل أثناء الحرب الأولى بين الحوثيين والدولة اليمنية عام 2004. وعند لحظة اغتيال صدام، كان الهتاف “يا حسين” في إشارة إلى عقيدة الثأر الطائفي المترسبة في نفوس الميليشيات، والتي صورت لهم أنهم ينتقمون بإعدام الرئيس العراقي الأسبق للإمام الحسين الذي قتل بكربلاء على أيدي رجال يزيد بن معاوية.

وفي لحظة مقتل القذافي كان المسلحون يهتفون “الله أكبر”، بعد أن تم شحنهم بفتاو تضعهم في خانة أبطال الصحوة الإسلامية، وتضع القتيل في خانة الكفار وأعداء الدين.

وفي الحالات الثلاث، تم انتهاك حرمات الموتى، وتبادل القتلة التهاني في ما بينهم على ما ارتكبوه، وخرجت الأصوات المتحدثة عن انتصار الإسلام على أعدائه، وارتفعت الحراب في وجه أنصار القادة المغدورين، فكانت الحرب على سنّة العراق كون صدام رمزا لهم، ثم الحرب على أبناء القبائل من أتباع القذافي، فالحرب على أنصار علي عبدالله صالح في صنعاء والمناطق المجاورة.

لم يقف الأمر عند ذلك وإنما تمت ملاحقة الجثث، ففي العراق تم تسليم جثمان صدام حسين إلى أعيان قبيلته لدفنه ليلا في مسقط رأسه، العوجة من محافظة تكريت، بهدف منع أنصاره من توديعه الوداع الأخير، وفي صيف 2014 وصلت الميليشيات المتطرفة إلى الضريح وقامت بتفجيره، بشكل يتناقض مع كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، والهدف أن لا يتحول قبر صدام إلى مزار لمؤيديه.

وفي ليبيا، تم عرض جثمان القذافي للعموم في مستودع بمصراتة ليلتقط “المنتصرون” صورا تذكارية معه، ثم تقرر دفنه في مكان لا يزال مجهولا، وذهب الثوار إلى قبر والدته، وقاموا بنبشه، ثم إخراج عظامها وحرقها، والسبب أن إحدى مسوغات انتفاضة 2011 كانت تقول إن القذافي يهودي وأن أمه، المرأة البدوية، تبين أنها يهودية، ما يدلّ على الأكاذيب التي اعتمدتها غرف عمليات الخريف العربي لتجييش العوام وتحريضهم على القتل بخطاب عنصري تكفيري لا يزال البعض مصرا عليه إلى اليوم.

وفي حالة صالح، لم تختلف الصورة كثيرا، فقد تولى الحوثيون دفنه ليلا على ضوء مصباح، حتى لا يحضر مناصروه ومؤيدوه، ولا الفضوليون، تلك اللحظة، وحتى لا يتم توثيقها من خلال وسائل الإعلام.

رغم أن اليمن في جنوب الجزيرة، والعراق في أقصى الشرق العربي، وليبيا في شمال أفريقيا، إلا أن ثقافة واحدة تكاد تحكم الجميع، فنحن أمام غدر وخيانات وتشف وروح انتقام ودوس للقيم الإنسانية، وأمام فهم قاتل للدين، وأمام حالة من الحقد الأعمى زادها الإسلام السياسي عماء وغباء وضلالا.

وما ييسر لنا تفسير هذا الواقع، أن تاريخنا مليء بالمشاهد المماثلة، فمنذ وفاة الرسول والتاريخ يشهد الاغتيالات السياسية كجزء أصيل من ثقافتنا كمسلمين، وسيبقى الأمر على ما هو عليه، طالما هناك من يجد في الخطاب الديني مبررا للقتل، وطالما هناك من يعتمد الدين سلما للوصول إلى الحكم أو المنافسة عليه، ويستعمل القتل باسم الدين أو المذهب أداة لقتل المختلف، وبث الرعب في الآخر.

كاتب تونسي

8