الاقتباسات القرآنية أسلوب أدبي أم استغلال للدين

اللفظ القرآني له دلالات وعمق روحي يتجاوز حدود اللفظ نفسه لذلك فإن استخدامه في المجال الإبداعي أمر مغر للكاتب.
الجمعة 2020/05/15
اللغة ليست ملكا لأحد (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

جددت إحالة التونسية آمنة الشرقي إلى المحاكمة، على خلفية كتابتها خواطر بعنوان “سورة كورونا” حاولت فيها محاكاة النص القرآني، الجدل الدائر، وفتحت طريقا لمناقشة الاقتباسات القرآنية في النصوص الأدبية. وهو أسلوب شائع رغم أن الناس ينقسمون حوله بين مؤيد ورافض.

القاهرة- بات استخدام اقتباسات قرآنية كعناوين جاذبة لبعض الكُتب أمرا لافتا في الآونة الأخيرة، في ظل اهتمام كثير من المؤلفين ودور النشر باختيار عناوين مختلفة وغير مسبوقة للكتب الجديدة لإغراء القراء بالإقبال عليها.

تعددت عناوين الاقتباسات القرآنية المستعملة، وتنوعت بين عبارات كاملة ومصطلحات لا تكاد تستخدم في حياتنا المعاصرة ما فتح بابا للجدل حول مدى قبول المجتمع الثقافي لذلك.

إذا كان اختيار عناوين قرآنية للكتب أمرا معمولا به في ما مضى، فربما كان ذلك قاصرا على الكُتب الدينية أو الوعظية مثل كتاب “ففروا إلى الله” لأبي ذر القلموني، وكتاب “إن شانئك هو الأبتر” لسيد العفاني، وقليلا ما كان الأمر يتعدى ذلك إلى الروايات والمجموعات القصصية والسير الذاتية وغيرها من الكُتب.

سير ونصوص أدبية

كان من الغريب أن تصدر خلال السنوات الماضية سير ذاتية تعتمد كليا على ألفاظ ومصطلحات قرآنية، ربما أبرزها سيرة الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى، الذي عمل أيضا وزيرا للخارجية في مصر، وكان مرشحا رئاسيا سابقا، حيث حملت عنوان “كتابيه”، وكأنه يقول للناس “هآوم إقرأوا كتابيه” في سورة الحاقة.

وأطلق الأديب المصري محمد سلماوي على الجزء الأول من سيرته عنوان “يوما أو بعض يوم” وهو عنوان مقتبس بالكامل من القرآن الكريم، وورد في مواضع عديدة. ولم يقتصر الأمر على السير الذاتية، إنما امتد كذلك إلى سوق الرواية ليُطلق الكاتب الكويتي عبدالوهاب الحمادي على إحدى رواياته كلمتي “الطير الأبابيل” المذكورة في سورة المسد.

وقامت الروائية التونسية خولة حمدي بعنونة إحدى رواياتها بـ”أرني أنظر إليك” الواردة على لسان النبي موسى مخاطبا الله تعالى. كذلك سمى الكاتب الأردني أيمن العتوم إحدى رواياته بعنوان “يا صاحبي السجن” مقتبسا العبارة من سورة يوسف.

من بين الروايات التي تحمل عناوين قرآنية
من بين الروايات التي تحمل عناوين قرآنية

بالطبع طالت الظاهرة كبار الكتاب، ووجدنا روايات في قوائم البوكر العربية تحمل عناوين قرآنية كان من أمثلتها رواية “ترمي بشرر” للروائي السعودي عبده خال، والتي فازت بجائزة البوكر العربية قبل عدة أعوام.

ولم تكن باقي صنوف الكتب الأدبية بعيدة عن الظاهرة، لنقرأ مثلا عنوانا لديوان شعر مثل “مساكين يعملون في البحر” للشاعر المصري عبدالرحمن مقلد. يُفسر البعض من النقاد ذلك بأنه تأثر أدبي مشروع، ويسمونه التوظيف الإبداعي للمصطلح القرآني، وهو يجوز ولا غضاضة لغوية فيه.

يقول الكاتب أسامة السعيد، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان “هيت لك” المستوحى من سورة يوسف، إن اللفظ القرآني له دلالات وعمق روحي يتجاوز حدود اللفظ نفسه لذلك فإن استخدامه في المجال الإبداعي أمر مغر للكاتب.

ويوضح لـ”العرب” أنه استخدم “هيت لك” تعبيرا عن لحظة إغراء مشابهة لقصة امرأة العزيز مع النبي يوسف، فمثل هذه الألفاظ تحمل شحنات دلالية وإيحائية يصعب إيجادها في ألفاظ أخرى. وهناك مَن يرون أن التعبيرات قرآنية صارت جزءا من اللغة المتداولة، مثل “تلك الأيام” أو “شهد شاهد من أهلها”، أو “قاب قوسين أو أدنى” ولا يمكن للمبدع تجاهلها.

تأثير الخطاب

يؤكد الروائي طارق إمام، الحاصل على جائزة ساويرس في الرواية بمصر، أن لغة القرآن في الأساس كانت لغة تستخدمها مجموعة من البشر قبل أن تصبح لغة كتاب مقدس، ومن الطبيعي أن تتكرر تعبيرات استخدمها القرآن واستقاها أدباء ومبدعون في أعمالهم.

وخلّف اتساع تأثير الخطاب الديني على المجتمع انتشار كثير من المصطلحات والتعبيرات القرآنية في اللغة المتداولة بين الناس في مجتمعات عربية عدة.

وأوضح الروائي والسيناريست المصري أحمد مراد أن هناك بالفعل تركيبات لغوية صارت مُعتادة على الأذن، ووردت في القرآن واستخدامها يُمكن أن يُمثل حلا لإشكالية العنوان لدى المؤلف، وهو أمر مشروع ومعمول به، وحسبنا أن بعض كبار الأدباء في العالم استقوا عناوين خالدة من الكتاب المقدس.

ويضيف أنه لا يرى في ذلك انتهاكا للقرآن أو ازدراء له، فمن حق الأدب التعبير عن المجتمع بشكل واقعي، واللغة المستخدمة هي أحد ما ينبغي التعبير عنه.

من هنا لا يجد الكثير من الأدباء حرجا في استخدام اقتباسات قرآنية كعناوين للكتب، لكن هناك مَن يشترطون أن يكون العنوان مُعبرا بالفعل عن محتوى النص وألا يكون مفتعلا.

وتشير الأديبة سمر نور والحاصلة على جائزة ساويرس في القصة القصيرة منذ عامين، إلى أنه من حق الكاتب الاستعانة بمخزونه الثقافي بكل روافده، ومادامت العناوين جزءا من العمل فمن الطبيعي أن يختار الكاتب عنوانا جاذبا من وجهة نظره، لكن المهم أن يكون مشتبكا مع النص الأدبي ونابعا من بين سطوره حتى لو كان مأخوذا عن نص قرآني.

تعددت عناوين الاقتباسات القرآنية المستعملة، وتنوعت بين عبارات كاملة ومصطلحات لا تكاد تستخدم في حياتنا المعاصرة ما فتح بابا للجدل حول مدى قبول المجتمع الثقافي لذلك

وبشكل مشابه يعبر الروائي أشرف العشماوي عن اتفاقه مع الظاهرة، بشرط أن تكون لها علاقة بالمحتوى وليس مجرد عنوان جاذب. ويشدد على أنه لا مانع من اقتباس دلالات وعناوين أو خلافها، لكن المشكلة الوحيدة تخص شخص المؤلف وعلاقة تجربته الذاتية بالعنوان المستمد من القرآن.

 ولا شك أن هناك تأثيرات تسويقية إيجابية لاستخدام اقتباسات قرآنية في عناوين الكُتب، لذا تقبل دور النشر اختيارات المؤلفين لتلك الاقتباسات.

ويؤكد الناشر هاني عبدالله، مدير دارالرواق للنشر، أن العناوين القرآنية لها وقع أفضل على الأذن وتعد أكثر لفتا للأنظار عن العناوين العادية، فعين القارئ تقف كثيرا عند العنوان الذي سبق أن قرأه باعتياد في كتاب مقدس أو في أغنية شهيرة أو في مثل شعبي، عندما يلمحه على غلاف كتاب.

وعلى الجانب الآخر، هناك مَن يعتبرون استخدام مصطلحات وتعبيرات قرآنية بمثابة استغلال للعاطفة الدينية لدى الناس، والغرض منها تسويقي بحت، ويدللون على ذلك بأن كثيرا من العناوين المقتبسة من القرآن لا تعكس بالضرورة ما يحتويه العمل الأدبي. كما يرون أن العنوان المقتبس من القرآن يمثل نوعا من الاستسهال للمؤلف، ولا يعكس إبداعا ذاتيا منه، على عكس العنوان المُبتكر والمستحدث.

ويقول الناشر محمد هاشم، مدير دار ميريت للنشر، إنه لا يتفق مع الظاهرة ويعتبرها تحمل قدرا من الانتهازية، وفي كثير من الحالات يمكن لكتب متوسطة القيمة أن تحقق مبيعات مرتفعة لأنها تلعب على العاطفة الدينية.
ويرى أن وضع آية قرآنية أو جزء من آية كعنوان لكتاب يمثل اعتداء على نص ديني المفترض أنه ملك للإنسانية جميعا، وليس من حق أحد أن يدمجه بإبداعه الخاص، وهو لا يقبل كناشر إصدار كتب بعناوين قرآنية، خاصة إذا لم تكن تعالج قضايا دينية.

14