الاقتراب من التوصل لعلاج الفصام بتحديد جذوره الجينية

الأحد 2014/07/27
انفصام الشخصية يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الواقعي والخيالي

لندن - انفصام الشخصية أو ما يطلق عليه الفصام أو الشيزوفرينيا هو مرض دماغي مزمن يمسّ جانبا من وظائف المخ، وهو مرض معقد مازال العلماء والباحثون يعكفون على فك تفاصيله والتعرف على مسبباته لإيجاد الحلول الطبية والعلاجية التي يمكنها أن تحمي الإنسان من الإصابة به ومن أعراضه التي تظهر في مجموعة من التعبيرات النفسية والعقلية المضطربة.

يؤثر الانفصام على سلامة الاستجابة الذهنية لما يعيشه الإنسان حيث يكون المريض عرضة للخلط بين الواقع والمفاهيم ويتجلى هذا الخلط من خلال اضطرابات وجدانية وسلوكية وعقلية بدرجات متفاوتة، وعموما يميل المصاب بالفصام إلى البعد عن الواقع وعدم التناغم الانفعالي، وتداخل المسار السليم في التفكير والسلوك الارتدادي، ويعتبر انفصام الشخصية من أكثر الأمراض النفسية شيوعا، إذ تبلغ نسبة المرضى المصابين به نحو 1 بالمئة من البشر، ويؤكد الأطباء أن الفصام هو أحد الأمراض النفسية العصبية في آن واحد.

وفي إطار البحث العلمي المتواصل الهادف لإيجاد علاج نهائي لهذا المرض الذي يؤثر على السير الطبيعي للحياة الإنسان، كشفت دراسة حديثة عدت من قبل الخبراء أنها الأكبر من نوعها ونشرت في مجلة “نيتشر”، عن إمكانية تحديد الجذور الجينية المرتبطة بمرض انفصام الشخصية “الشيزوفرينيا”.

ووجد الباحثون من خلال تحليل الحمض النووي لـ150 ألف شخص أن المرض يرتبط بـ108 مراكز في الحمض النووي للإنسان، فيما كانت دراسات سابقة قد حددت ارتباط المرض بـ30 مركزا فقط.

وتجدر الإشارة، إلى أن مرض انفصام الشخصية يجعل من الصعب على الأشخاص المصابين به فصل الواقع عن الخيال، ورغم أن أعراضه تبدأ في مرحلة مبكرة من سن المراهقة، إلا أن تشخيصه يتم في سن الـ45 عاما.

وأشار المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة الأميركية إلى أن مرض انفصام الشخصية يصيب ما نسبته 1 بالمئة من السكان، موضحا أن وجود شخص مريض بالعائلة مثل الأم والأخ يزيد من احتمال إصابة الأشخاص المقربين جدا في العائلة بالمرض أكثر بـ10 مرات من غيرهم.

فهم التركيبة الجينية لمرض انفصام الشخصية أو ما يطلق عليه الفصام يمكن أن يساعد في علاجه بشكل أفضل

وساد الاعتقاد لفترة طويلة من الزمن أن هناك نوعا من الارتباط بين أمراض المناعة الذاتية وانفصام الشخصية، ولكن أكد العلماء على ارتباط المرض بالجينات الوراثية المتصلة أساسا بوظيفة الدماغ العصبية والجهاز المناعي.

وقال الباحث المشارك في الدراسة جوردان سمولر، إن فهم التركيبة الجينية للمرض يمكن أن يساعد في علاجه بشكل أفضل.

وأوضح الباحث مايكل أودونوفان في معهد “برود” أحد المعاهد المشاركة في الدراسة أن “الكم الهائل من النتائج الجديدة تتضمن إمكانية تطوير علاجات لمرض انفصام الشخصية، في ظل توقف العمل على تلك العلاجات على مدى الـ60 سنة الماضية”.

ورأى سمولر أن وجود علاقة بين الجينات الوراثية والمرض لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكّن من استخدامها بمثابة اختبار تشخيصي.

وبالتزامن مع هذه الدراسة، أعلن معهد “برود” عن حصوله على منحة بقيمة 650 مليون دولار قدمها رجل الأعمال، تيد ستانلي في ولاية كونيتيكيت الأميركية، بمثابة هدية من أجل دعم أبحاث وعلاجات الاضطرابات النفسية، وتجدر الإشارة، إلى أن هذه المنحة تعتبر الأكبر للبحوث النفسية في التاريخ.

ومن ناحية أخرى وفي إطار التعرف على مسببات هذا المرض كشف باحثون إيرانيون أن دراسات سابقة ربطت بين نقص فيتامين “د” وزيادة شيخوخة العظام، لكن دراستهم الحديثة كشفت أن الأفراد الذين يعانون من نقص هذا الفيتامين أكثر عرضة للإصابة بمرض انفصام الشخصية.

وأوضح الباحثون بجامعة “أصفهان” للعلوم الطبية، في دراستهم التي نشروا تفاصيلها في دورية “علم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي” العلمية، أن نقص فيتامين “د” يؤدى إلى تطور مرض انفصام الشخصية.

ووفقا لفريق البحث، فإن مرض انفصام الشخصية، أكثر انتشارا في المناطق الباردة، التي تعانى من قلة ساعات سطوع الشمس، وهو ما دفعهم لبحث العلاقة بينهما، ووجدوا أن سكان تلك المناطق يعانون من انفصام الشخصية أكثر بمرتين من غيرهم.

ومن المعلوم أن الشمس هي المصدر الأول والآمن لفيتامين “د”، فهي تعطي الجسم أكثر من حاجته من الأشعة فوق البنفسجية اللازمة لإنتاج الفيتامين، كما أن الفترة بين العاشرة صباحا والثالثة بعد الظهر، هي أفضل فترة لتعرض الجسم لأشعة الشمس حيث تكون الأشعة متعامدة على الأرض.

ولاحظوا أنه في البلاد المشمسة لا يعانى السكان عادة من نقص فيتامين “د”، حيث يتكون هذا الفيتامين بواسطة أشعة الشمس في الجلد والبشرة ويتوزع على الجسم، لذا لا يحتاج الشخص لتعريض نفسه لأشعة الشمس أكثر من اللازم لتوليد هذا الفيتامين، بل يكفي أن يتصرف بشكل معتاد وهو الحال في البلدان العربية.

وأضاف الباحثون أنه يمكن تعويض نقص فيتامين “د”، بتناول بعض الأطعمة مثل الأسماك الدهنية كالسلمون والسردين والتونة، وزيت السمك وكبد البقر والبيض، أو تناول مكملات غذائية لفيتامين “د”.

وراقب الباحثون حالة 2804 من الأشخاص البالغين، لكشف العلاقة بين فيتامين “د” وانفصام الشخصية، ووجدوا أن 65 بالمئة من الأشخاص المصابين بانفصام الشخصية، كانوا يعانون من نقص هذا الفيتامين في دمائهم.

وقال الدكتور أحمد إسماعيل زادة، الأستاذ بجامعة أصفهان للعلوم الطبية، قائد فريق البحث: “دراستنا تعد أول بحث شامل لكشف العلاقة بين نقص فيتامين “د” وانفصام الشخصية، وهناك اتجاه متزايد في مجال علم التغذية لبحث علاقة نقص هذا الفيتامين بأمراض مثل السكري والسرطان وأمراض القلب والاكتئاب”.

وأضاف إسماعيل زادة: “النتائج التي توصلنا إليها تدعم نظرية أن نقص فيتامين “د” قد يؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية، وهناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد آثار مشكلة نقص هذا الفيتامين على الصحة العامة”.

كما أفادت دراسة طبية جديدة قام بها علماء من جامعة “كامبريدج ” البريطانية اكتشاف جين نادر يتواجد في شخص بين كل 200، لكن هذا الجين النادر يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالفصام وبإدمان الكحوليات والهوس الاكتئابي.

وجود علاقة بين الجينات الوراثية والمرض لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكّن من استخدامها بمثابة اختبار تشخيصي

ووجدت الأبحاث أن الأشخاص الذين يعانون من خلل جيني في جين “GRM3″، الذي يعتقد بأنه من الجينات الهامة المعنية بالإشارات بين خلايا المخ، هم أكثر عرضة بما يقارب 2 إلى 3 أضعاف لتطوير قابليتهم للإصابة بالفصام.

وتأتي هذه النتائج في الوقت الذي تركز فيه الاستراتيجيات العلاجية لمرض الفصام على مكافحته والقضاء على أعراضه إلا أن أسبابه تظل غير معروفة، ويرى الباحثون أن البحوث الجديدة، يمكن أن تؤدي إلى علاجات جديدة. وقد أظهر الباحثون أن المشاركين في الدراسة الذين يعانون من هذه الاضطرابات المرضية يعانون خللا في جين ” GRM3″ ليصبحوا أكثر عرضة لتطور هذه الحالات المرضية بصورة حادة.

وفي الوقت الحاضر، أشار الباحثون إلى أن نشاط مادة “الدوبامين” وهى مادة كيميائية في المخ تعد المفتاح لعلاج الفصام، حيث يعد الدوبامين ناقلا عصبيًّا يساعد في نقل الإشارات بين خلايا المخ، ويُعتقد أن فرط نشاطه يمكن أن يؤدي إلى تواصل بعض مناطق في المخ من المفترض أن تظل منفصلة.

كما يعتقد بعض العلماء أن نشاط الدوبامين يمكن أن يكون مسؤولا عن واحد من الأعراض البارزة لمرض انفصام الشخصية عند “سماع الأصوات” الذي قد يكون راجعا إلى مناطق من الدماغ عند التواصل.

19