الاقتراض لتأمين أضحية العيد.. نقاش يشعله السلفيون في المغرب

أدعياء الفقه يتصيدون المناسبات الدينية لبث سموم الفرقة، والحياة المغربية تغلّب الاحتفالية على نكد المهاترات الأصولية.
الأربعاء 2018/08/15
بهجة اجتماعية متأصلة في المغرب

ارتفع مرة أخرى النقاش في المغرب حول ضرورة الاقتراض من البنوك لتأمين أضحية العيد وهل يجوز مع هذه المناسبة الدينية التعامل بالفائدة الربحية، بالرغم من أن علماء الدين يؤكدون أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، ومن لم يقدر فلا تلزمه، كما يعتبر باحثون في علم الاجتماع أن المناسبة أضحت عند الكثير من الأسر مظهرا احتفاليا بعيدا عن البعد الديني.

وفي هذا الموسم أثار رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة تمارة، لحسن سكنفل، جدلا واسعا بعدما أجاز شراء أضحية العيد بقرض ذي فائدة ربحية من البنوك، بتعلة الاضطرار، رابطا المسألة بالبعد الاجتماعي، لأسباب تبدو في نظره وجيهة ومنطقية.

وهناك من اعتبر رأي لحسن سكنفل بمثابة فتوى دينية جلبت معها حملة من السخط والاستنكار ضده على اعتبار أن علماء المالكية يؤكدون عدم جواز كل قرض جرّ منفعة كونه محرما بالإجماع.

ويعتقد إدريس الكنبوري، الباحث في الفكر الإسلامي، في تصريح لـ”العرب”، أن قضية الاقتراض تطرح فقط في عيد الأضحى مع أن المواطنين يقترضون طوال العام.

وجادل رئيس المجلس العلمي المحلي في مدينة تمارة مدافعا عن رأيه بكون العلماء يختلفون في حكم الفائدة على القروض البنكية بين محرم وغير محرم، وأنه
حتى من يقول بتحريمها لا بد أن يستحضر البعد الاجتماعي في شعيرة عيد الأضحى من حرج عندما يكون الجيران في حالة بهجة واحتفال يوم الأضحى، متحلقين حول موائد الشواء، بينما يصاب المحتاج من العاجزين عن اقتناء خروف العيد بمشاعر إحباط وألم وانكسار أمام أطفاله، وفي هذه الحالة يجوز له اقتناء القرض ذي الفائدة الربحية لأنه مضطر، وذلك في سبيل إدخال الفرحة على أسرته، مستدلا على ذلك بالآية القرآنية “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه”.

قروض عيد الأضحى لا تستحق كل هذا النقاش، وليست من الدين في شيء، على اعتبار أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها

وقال الباحث الحسن شهبار “ما درسناه هو أنه لا خلاف بين الفقهاء في ربا النسيئة، وتسمى أيضا ربا الديون أو ربا الجاهلية أو ربا القرآن، وإنما وقع خلاف في ربا الفضل ويسمى أيضا ربا البيوع، وأن المقترض بفائدة لأجل شراء أضحية العيد يقع في ربا الديون، وهو أشد أنواع الربا قبحا، وهو الذي كان منتشرا في الجاهلية وحرمه القرآن الكريم والسنة النبوية”.

وتساءل الداعية خالد مبروك، “هل مراعاة الجانب الاجتماعي يبيح لنا القرض ذا الفائدة الربحية لشراء الأضحية أم أنه يدفعنا إلى مقاطعة البنوك التي تقرض بفائدة مالية التي سببت تمزقا اجتماعيا، وذلك من خلال ديون أنتجت لنا مرضى الاكتئاب ومسجونين ومتشردين ومطلقين؟”.

فيما ذهب أحمد عروبي، الباحث في علوم الشريعة، إلى حد القول إن ما جاء على لسان لحسن سكنفل يعد مفسدة عامة وهي التشجيع من أهل الفقه على الاقتراض ذي الفائدة الربحية، في جميع الأحوال دون تمييز بين الضرورة الشرعية وبين الضرورة الوهمية.

واعتبر الباحث إدريس الكنبوري أن كلام رئيس المجلس العلمي المحلي في مدينة تمارة، مجرد رأي بعدما ترك للناس مساحة للاختيار بين الاقتراض وعدم الاقتراض، ولم يكن جازما بل أكد أن الأصل عدم الاقتراض، مضيفا لـ”العرب” أن الذين هاجموا لحسن سكنفل غالبيتهم من السلفيين الذين ينظرون إلى النص بمعزل عن الواقع المحيط. فالرجل لم يعط فتوى بل أعطى رأيا فقط وترك مساحة حرة لمن يريد الاقتراض ولمن لا يريده.

وتزامنت أقوال وآراء لحسن سكنفل، الباحث في قضايا الشريعة الإسلامية، مع انتشار عروض القروض لشراء الأضحية والتي تنتشر ملصقاتها في الشوارع وبعض وسائل الإعلام، ما اعتبره مناهضون لهذا النوع من القروض خدمة كبيرة للمؤسسات البنكية.

ويعتقد علي الشعباني، الباحث في علم الاجتماع، أن المسلم كان يعتبر أن الاقتراض لغير الضرورة حرام، وأن الدين دين يسر وليس دين عسر، ففي الماضي كان لهذا المفهوم طابع ديني، وذلك تنفيذا للسنة النبوية، أما الآن فأصبح مظهرا مرتبطا بالولائم والزيارات والعادات الاجتماعية التي لا يمكن تجاهلها.

عيد الأٌضحى عادات وتقاليد راسخة وفرحة لا تخلو من المعاناة
عيد الأٌضحى عادات وتقاليد راسخة وفرحة لا تخلو من المعاناة

 من جهته استرسل الكنبوري موضحا لـ”العرب”، أن القروض البنكية تعيش مع المغاربة يوميا كظاهرة عامة، لكن عقول الكثير من أدعياء الفقه والتخصص في علوم الدين، ما زالت تعيش عزلة تامة عن الواقع، فهم يُضَيِّقونَ على المواطن بعدم السماح له بالاقتراض، ويضيقون عليه عندما لا يطرحون بديلا، معتقدا أن القروض البنكية ليست بالضرورة ذات فائدة ربحية في حد ذاتها، لكنها تصبح كذلك بالنظر إلى الفائدة المرتفعة التي تفرضها على المستدين، فالمشكلة إذن هي هامش الربح الكبير لدى البنوك وليس القرض في حد ذاته.

وفي السياق ذاته علق توفيق الغلبزوري، رئيس المجلس العلمي المحلي للمضيق الفنيدق، قائلا “الربا لا يباح للضروريات بل للحاجيات ناهيك بالتحسينيات، إذ قد ورد فيه من الوعيد ما لم يرد في ذنب سواه إلا الشرك”.

وتطرح مسألة الاقتراض من وكالات بنكية ومؤسسات خاصة لأجل اقتناء أضحية العيد باعتبارها مشكلا أخلاقيا وعقديا كبيرا حتى عند بعض الاقتصاديين، وهنا تساءل عمر الكتاني، الخبير الاقتصادي المغربي، عن المغزى من وراء اللجوء إلى القروض ذات الفائدة الربحية، وهي مُحرمة تحريما واضحا في الدين ما يوضح الجهل بأبجديات التشريع الإسلامي. والمشكلة التي تطرح في المغرب هي عدم جرأة المؤسسة الدينية على سن اقتراض بديل أو الاجتهاد في موضوع القروض البنكية من طرف ما يسمى بالبنوك التشاركية، عوض الاكتفاء بالتضييق على المواطن.

الذين هاجموا لحسن سكنفل، أغلبهم من السلفيين فالرجل لم يعط فتوى بل أعطى رأيا فقط وترك مساحة حرة لمن يريد 

ويعتقد الكنبوري أن هناك مشكلة، وهي أن العلماء يعتبرون البنوك الموجودة همها الوحيد الربح وبالتالي هي مؤسسات محرمة، لذلك هم لا يستطيعون الاجتهاد في القروض وفي الوقت نفسه لا يتجرأون على اتهام البنوك بأنها مؤسسات تصنف في خانة الحرام.

وقضية قروض عيد الأضحى بالنسبة إلى أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية، لا تستحق كل هذا النقاش، وليست من الدين في شيء، على اعتبار أن الأضحية سنّة مؤكدة للقادر عليها، موضحا أن الحديث يجب أن يتوجه نحو استعادة قيم عيد الأضحى والقيم بصفة عامة التي شهدت انحدارا في السنوات الأخيرة بشكل كبير.

ويُعتبر القرض الاستهلاكي في رأي الباحث المتخصص إدريس الكنبوري أمرا يُطرح فقط في عيد الأضحى مع أن المواطنين يقترضون طوال العام، وهناك نسبة عالية جدا من المغاربة الذين يقترضون من أجل السكن، تليهم فئة المقترضين من أجل اقتناء سيارة، كما يقترضون في مناسبات عدة مثل شهر رمضان الذي يشهد ارتفاعا في الإنفاق، وفي العودة المدرسية، وفي مناسبات عدة مثل الزواج وغير ذلك.

ويرى الكثير من علماء الاجتماع والمتخصصون في الشأن الاقتصادي أن اللجوء إلى الاقتراض بالفائدة لأداء شعيرة دينية، حاجة اجتماعية وسيكولوجية لا علاقة لها بالتدين في شيء، معتبرين أن تجاوز هذه المسألة مرهون بوجوب تغيير الذهنية والنظرة الواقعية لمقتضيات التشريع الإسلامي الذي لم يلزم الفقير وغير القادر بوضع نفسه رهينة قروض غير ضرورية تقصم الظهر وتسيء إلى النصوص القطعية في هذا الصدد.

13