الاقتصاديات الصاعدة تسعى إلى تغيير المشهد التنموي في أفريقيا

الأربعاء 2015/01/14
قادة دول "البريكس" مصممون على سحب البساط من تحت أقدام القوى الغربية في المجال الأفريقي

ستوكهولم - المشهد التنموي في أفريقيا تغير بشكل كبير بظهور شركاء تجاريين جدد من دول الجنوب شأن البرازيل والصين والهند وتركيا، مما يوحي ببروز تبعات عديدة لاحقة، في حين يراها البعض “إصلاحية” يراها البعض الآخر “تحويلية” في ما يتعلق بسياسة التنمية العالمية. تداعيات ستؤثر لا محالة على العلاقة بين الأطراف الصاعدة من جهة والأمم المتحدة التي يبدو أنّ دورها ماض نحو الانحسار من جهة أخرى، وفق دراسة للباحث فانتو شيرو صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SPIRI).

منذ أواخر التسعينات من القرن الماضي، كان لإحداث شراكات استراتيجية بين بلدان أفريقية واقتصادات صاعدة مثل الصين والهند أثر ملحوظ. وعموما تمحورت الأهداف المعلنة لتلك الشراكات حول تعزيز التعاون من أجل تحقيق أهداف تنموية مشتركة.

وقد ساعد نهم الاقتصادات الصاعدة المتعلق بالمجال الأفريقي، لما تمتلكه أفريقيا من نفط وغاز وموارد معدنية، على الترفيع في قدراتها الإنتاجية ونقل السلع بشكل أسرع إلى الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية. ومن جهتهم، رحب الزعماء الأفارقة بهذا الخطاب التنموي الجديد، خاصة أنّهم سئموا من الوصاية الغربية على ثرواتهم ومستقبلهم التنموي.


ما هي حوافز التعاون الجديدة؟


تبقى مجموعة البلدان الـ77، التي بلغ عمرها نصف قرن، وهي تحالف مجموعة من الدول النامية تهدف إلى ترقية المصالح الاقتصادية لأعضائها مجتمعة بالإضافة إلى خلق قدرة تفاوضية مشتركة ضمن نطاق الأمم المتحدة، أكبر مصدر دعم لتقوية نظام التنمية الأُممي. لكن باستثناء إنجازاتها الأولية لم تحقق مجموعة الـ77 نتائج تذكر.

فقد أصبح تحرير الاقتصاديات الوطنية وتقليص دور الدولة فيها، الأيديولوجيا الأساسية التي تُسيّر سياسة التنمية الدولية منذ فترة الثمانينات من القرن الماضي وإلى حدود الآن، ومن ثمّة فقدت “المقاربة متعددة الأطراف تجاه حل المشاكل العالمية”، التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة رواجها. بالإضافة إلى أنّ البلدان المصنعة بزعامة الولايات المتحدة أعدّت مشروعا لبناء نظام تجاري عالمي جديد في سياق جولة الأروغواي للمفاوضات التجارية (1984- 1994) يفضل نظاما تجاريا منفتحا ومتحررا.

وبذلك ازداد نفوذ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وقوّتهما بشكل كبير، بينما تقلص نفوذ الأمم المتحدة كثيرا.

وفي سياق متّصل فقد قدّمت الآثار المنهكة لعقدين من التعديلات الهيكلية وإدراك البلدان النامية للأهداف الاستراتيجية الضمنية وطبيعة النظام التجاري العالمي الجديد غير المتوازن خلال جولة الأروغواي، حافزا جديدا لنضال العالم الثالث. وبزعامة عدد من البلدان الصاعدة، شأن البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا، اتّحدت البلدان النامية في مجموعات جديدة (مثل مجموعة الـ22، مجموعة الـ23 ومجموعة الـ33) بهدف الترويج لوجهات نظرها بخصوص قضايا التنمية الأساسية.

القوى الصاعدة لا تحاول بناء مشروع بديل لتقديم نظام ليبرالي جديد، رغم أنها تقدم نفسها على أنها كيانات تحولية

وفي هذا السياق طالبت هذه الدول النامية بـ”معاملة خاصة وتفاضلية”، اعترافا بانخفاض مستوى التنمية لديها. كما عارضت توسيع صلاحيات منظمة التجارة العالمية لتشمل مجالات استثمار جديدة في إطار ما سُمي بقضايا سنغافورة حول حرية التنقل وعمليات المستثمرين الدوليين. وكانت هذه هي المرة الأولى التي توحدت فيها البلدان النامية لتعطيل تفاوض تجاري متعدد الأطراف، وهو ما يؤشر على بداية نظام سياسي جديد ما بعد الحرب الباردة.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين تسارع تكوين تحالفات تكتيكية محسّنة بين بلدان الجنوب (مثلا يدل التعاون بين بلدان البريكس -البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا- على زيادة وزنها في الاقتصاد العالمي)، ثم تبع ذلك انتشار لمنابر التعاون الثنائي بين بلدان الجنوب حيث سعت هذه القوى الصاعدة، ومازالت، إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع البلدان الأفريقية.

وبينما كان النفاذ إلى النفط الأفريقي وغيره من الموارد الاستراتيجية الأخرى العامل المحفز الأول، اكتسبت هذه العلاقات أبعادا أخرى للاستفادة من أسواق القارّة السمراء غير المستغلة والسكان الشباب والطبقات الوسطى التي تزداد اتساعا. وبذلك أدى تزايد دخول القوى الصاعدة في أفريقيا إلى دق ناقوس الخطر لدى الشركاء الغربيين التقليديين المتمثلين أساسا في الولايات المتحدة الأميركية والبلدان الأوروبية.


هل تغيرت مقومات التعاون؟


كثيرة هي الفوارق بين الأشكال الجديدة والأشكال القديمة من التعاون بين بلدان الجنوب، وتتمثل في:


◄ أولا:

رغم أنّ المقاربة الأصلية كانت بوحي من مقاومة العالم الثالث للنظام العالمي ما بعد 1945، إلاّ أنّ الأشكال الجديدة من التعاون (ثنائية كانت أم متعددة الأطراف) فقد أضحت مضمنة في منظومة الليبرالية الجديدة ومركزة على توسيع علاقات الأعمال في أفريقيا، ومن ثم كانت هذه الترتيبات الجديدة إصلاحية أكثر من كونها “تحولية”. ولكن خلف خطاب “التعاون المربح للجميع”، يتم استخدام المساعدات والاستثمارات والمعاملات التجارية مع أفريقيا حيث تكون مصالح القوى الصاعدة أكبر.

وانغ يي: الصين حريصة على ألا تسلك طريق المستعمرين الغربيين في أفريقيا


◄ ثانيا:

لا تحاول القوى الصاعدة (وبلدان البريكس بالتحديد) بناء مشروع بديل لتقديم نظام ليبرالي جديد، ورغم أنها قد تقدم نفسها على أنها “كيانات تحولية”، إلاّ أنّ الأشكال الجديدة من التعاون بين بلدان الجنوب لا تمثّل تحوّلا في المنظومة في ما يخص الحوكمة العالمية أو التنمية العالمية.


◄ ثالثا:

أثرت التغييرات الكبرى في السياسة والاقتصاد العالميين منذ نهاية الحرب الباردة في تماسك مجموعة الـ77.

وفضلا عن التوسع العددي في العضوية (وصولا إلى 133 عضوا اليوم) هناك تمييز متزايد بين الأعضاء، وطبعا لا تتوافق مصالح البلدان النامية الكبرى دائما مع مصالح البلدان الأعضاء الأقل نموا. ومن المستبعد أن تدعم القوى الصاعدة القضايا المهمة التي تطرحها البلدان النامية بما في ذلك المساعدات المالية لمعالجة التغير المناخي أو الحاجة إلى خفض عمليات الدعم السخية الّتي تقدمها البلدان الغنية لفلاّحيها.

غير أنّ هذه الفوارق في التعاون بين بلدان الجنوب، وفق عدد من المراقبين، لا تحمل تغيرا جوهريا في المضامين أو على مستوى التوجهات الكبرى، مما يجعلها بمثابة شراب قديم في قوارير جديدة.

من جهة اخرى يلاحظ عدد من المراقبين أنّ نفوذ النظام الأممي يشهد تراجعا مطّردا خلال السنوات الأخيرة، وبينما ستحتفظ الأمم المتحدة بدورها كمنتدى للحوار، ستصبح أغلب وكالاتها المختصة غير ذات علاقة. وهي منذ الآن تتعرض للعديد من المخاطر شأن تقلص الميزانيات وانحدار الميزات المقارنة، وذلك بظهور فاعلين غير حكوميّين جدد. غير أنّ تفاقم المسائل العالمية مثل التغير المناخي وندرة الموارد والأمن والأوبئة، سيحافظ بشكل من الأشكال على النظام الأممي كونه المنتدى الأساس والمناسب للحوار والتفاوض حول مثل هذه المسائل.

من جهة أخرى، ورغم أن نفوذ القوى الصاعدة وأهميتها في ما يتعلق بتطور أفريقيا سيزداد نموا، يجب ألاّ يتم شطب الشركاء التقليديين من جلّ الدراسات والتحاليل التي تعمل على استشراف المستقبل، لأهميتها ودورها في خلق التوازن. وفي هذا السياق سيبقى الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة شركاء تجاريين كبارا وضروريين للبلدان الأفريقية، حتى وإن كانت هذه العلاقات غير متساوية واستغلالية أحيانا. لذلك فالمطلوب اليوم من الأفارقة أكثر من أي وقت مضى هو الموازنة بين الشركاء الجدد والتقليديين من أجل تحصيل فوائد أكبر في عالم متعدد الأقطاب.

وفي إطار هذا العالم، ستكون هناك مجالات اهتمام متداخلة حيث تدخل البلدان في علاقات “تعاون بناء” بهدف دفع مصالحها الوطنية قدما بدل الدخول في تنافس مدمر.


ما الذي يروج إليه الصاعدون؟


في إطار وعيها بالمزاج الأفريقي العام الذي أضحى ينفر من نهب القوى الغربية لثرواته دون مراعاة للمصالح الأفريقية من أدناها التنموي إلى أقصاها البيئي والمناخي، عمدت الدول الصاعدة إلى الترويج لصورة متعلقة بها، تختلف عن السائد المذكور سلفا، من خلال تأكيدها على أنها لن تسلك طريق “المستعمرين الغربيين”. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال جولة يقوم بها هذه الأيام، وتشمل خمس دول أفريقية: “إنّ الصين لن تسلك طريق المستعمرين الغربيين في أفريقيا”، في إطار ردّه على انتقادات تفيد بأن شغف بلاده للموارد أدى إلى انتهاج سياسات منحازة ومشروعات تسبب أضرارا.

سيبقى الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة شركاء تجاريين كبارا وضروريين للبلدان الأفريقية، حتى وإن كانت هذه العلاقات غير متساوية واستغلالية أحيانا

ولأنّ الصين التي تعدّ أكبر شريك تجاري لأفريقيا، سعت، وفق عدد من المراقبين، خلال العشرين سنة الماضية، إلى استغلال الموارد الغنية للقارة السمراء لتحفيز نموها الاقتصادي فحسب، فقد وصف بعض الزعماء الأفارقة تدخل بكين ذلك بأنه “استعمار جديد”، حيث يخشى أولئك الزعماء ألاّ تؤدي المشروعات الصينية إلى فائدة تذكر للسكان المحليين، خاصة في ظلّ استيراد المواد بل والعمالة أيضا من الصين.

غير أنّ الوزير الصيني، من جهته أصرّ، خلال زيارته لكينيا على أنّ “بلاده لن تسلك قطعا الطريق القديم للمستعمرين الغربيين ولن تضحي بالتأكيد بالبيئة الأفريقية والمصالح على المدى الطويل”.

وكانت الصين قد أعلنت في وقت سابق عن أنّ تعاونها مع الدول الأفريقية يشمل مشروعات زراعية وصحية ومشروعات مرتبطة بالبنية الأساسية.

وفي يوليو الماضي، أوضحت الصين أن أكثر من نصف مساعداتها الخارجية التي زادت عن 14 مليار دولار في ما بين سنتي 2010 و2012 تمّ توجيهها إلى أفريقيا.

هذا ويبقى التحدي المطروح على البلدان الأفريقية، والذي يبقى ماثلا على الدوام، هو اغتنام الفرص وتطوير مقاربات استراتيجية وإحداث علاقات متوازنة مع كلّ من الشركاء التقليديين والصاعدين.

6