الاقتصاد أزمة حقيقية تعصف بالشرق الأوسط

الخميس 2014/08/28
البطالة تضيق الآفاق أمام الشباب وتحوله إلى فريسة سهلة أمام دعاة الأفكار المتطرفة

واشنطن - قراءة الوضع الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط بما يشهده من أحداث سياسية ساخنة ولّدت حالة من الاقتتال، لا يمكن أن تولّد بدورها فهما دقيقا يساعد على الوقوف على أسباب المعضلة واستنباط حلول لإنهائها دون الإلمام بالجانب الاقتصادي الذي أسهم في تأزم الأوضاع بشكل أو بآخر، وفق دراسة للباحث مايكل سينغ، صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

فاجأ الرئيس الأميركي باراك أوباما الكثيرين، مؤخراً، حين شخّص الأزمة التي تعصف بالعراق بأنها جزء من محنة اقتصادية، مشيراً إلى أن السنة العراقيين كانوا “منفصلين عن الاقتصاد العالمي” ولهذا أخفقوا في تحقيق طموحاتهم. ومع أن حالة الاضطراب والفوضى في العراق تأتي من عدة مصادر، إلا أن الرئيس الأميركي يبدو أنّه لم يخطئ وفق منطلقاته التي استند عليها في قراءته للوضع؛ فليس السنة العراقيون وحدهم هم المعزولون عن الاقتصاد العالمي، بل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

وفي هذا السياق، يشير مايكل سينغ في دراسته هذه، إلى أنّ المنطقة تنفرد بنسبة واردات تزيد بقليل عن 4 في المئة من الواردات العالمية، وهي نسبة أقل من تلك المسجلة في عام 1983؛ علماً بأن ألمانيا وحدها تسجل نسبة 6.4 في المئة. ويبرز ركود المنطقة الاقتصادي بشكل واضح عند مقارنتها بالاقتصادات الآسيوية. فوفقاً لتقارير “البنك الدولي”، بلغ نصيب الفرد المصري من “الناتج المحلي الإجمالي” 406 دولاراً في عام 1965 بينما كان نصيب الفرد في الصين 110 دولارات فقط.

واليوم (باستخدام السعر الثابت للدوﻻر)، ارتفع نصيب الفرد المصري من “الناتج المحلي الإجمالي” أربعة أضعاف ليصل إلى 1566 دولاراً، بينما زاد نصيب الفرد في الصين ثلاثين ضعفًاً ليبلغ 3583 دولاراً. وكذلك الأمر بالنسبة لكلّ من إيران وكوريا الجنوبية، حيث كان نصيب الفرد من “الناتج المحلي الإجمالي” هو نفسه تقريباً في كلا الدولتين في عام 1965، أما اليوم فارتفع نصيب الفرد في كوريا الجنوبية إلى 24 ألف دولار، في حين أصبح مثيله في إيران 3000 دولار فقط.


ضيق اقتصادي


لا تعاني دول منطقة الشرق الأوسط من انفصال اقتصادها عن العالم فحسب، بل هي معزولة عن بعضها البعض أيضاً. فمعظم الصادرات في أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا تبقى في تلك المناطق، وثلثا الصادرات إلى أوروبا تأتي أيضاً من أوروبا. ولكن في الشرق الأوسط، تأتي نسبة 16% فقط من صادرات دول المنطقة ككل، من دول أخرى في الشرق الأوسط.

وفي حين يركز المراقبون الغربيون على القضايا السياسية في الشرق الأدنى، ينشغل أهل المنطقة أنفسهم بالشؤون الاقتصادية. ووفقاً لاستطلاع للرأي غير رسمي، أجري مؤخراً، ترغب غالبية سكان قطاع غزة بحالة من الهدوء مع إسرائيل للبحث عن فرصة للعمل هناك.

مساعدة دول المنطقة على تجاوز المحن الاقتصادية تعزز دور أميركا الدولي خارج الإطار الأمني بطريقة تعزز السلام والاستقرار

وفي استطلاع رأي آخر، يضع الإيرانيون “تعزيز فرص العمل” على رأس أولويتهم السياسية، بنسبة أعلى بكثير من “استمرار برنامجنا للتخصيب النووي.”

ولكن في حين يأمل سكان غزة بإنهاء الحصار المفروض عليهم ويتطلع الإيرانيون إلى رفع العقوبات، لن توفر أيٌّ من هاتين الخطوتين حلاً سحرياً للمشكلة. فالضيق الاقتصادي متوطّن في المنطقة، حتى في المناطق التي لا تعاني من الحصار أو العقوبات.

وفي هذا الإطار أشار مايكل سينغ إلى أنّه لا بدّ لصانعي السياسات الغربيين أن يهتموا لهذا الأمر. فالفصل بين المشاكل الاقتصادية والسياسية غير صحيح. فكما في أيّ مكان آخر، يرتبط الاقتصاد بالسياسة ارتباطاً وثيقاً، ويعتبر التقدم الاقتصادي العامل الرئيسي للحد من انعدام الاستقرار المزمن، الذي يهدد المصالح الأميركية في المنطقة.

وعلى صعيد الدول المستوردة للنفط، تقع القطاعات العامة المتضخمة في صميم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وفي دول مثل مصر، حيث يستخدم القطاع العام نحو 30 بالمئة من الموظفين، سعت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة – في إطار سعيها لإجراء إصلاحات اقتصادية سريعة – إلى زيادة اليد العاملة والرواتب في القطاع العام.

باراك أوباما: "الأزمة التي تعصف بالعراق هي جزء من محنة اقتصادية"

وتأتي الإعانات الحكومية السخية، وخاصة في ما يتعلق بالوقود، لتشجع الاستهلاك المفرط وتعطي الأفضلية للقطاعات الصناعية غير الفعالة التي تستهلك كمية كبيرة من الطاقة. وإلى جانب الأجور الضخمة للقطاع العام، ترهق هذه الإعانات كاهل مالية الحكومة وتسبب حدوث عجز في الموازنة العامة (الميزانية)، الأمر الذي يزيد بدوره من تكلفة الاقتراض.

هذه السياسات التي لا تبدو صائبة، إلى جانب العقبات التي تعترض ممارسة الأعمال التجارية، تمنع أنشطة القطاع الخاص التي من شأنها تعزيز النمو والعمالة. فنسبة البطالة في دول المنطقة – وخاصة بين الشباب - تعتبر في كثير من الحالات أعلى مما كانت عليه عند انطلاق شرارة الانتفاضات العربية المسمّى بـ”الربيع العربي”، في الوقت الذي تتباطأ فيه وتيرة النمو الاقتصادي إلى حدٍّ يمنعه من عكس هذا الاتجاه.


حلول بديلة


في سياق آخر يلفت مايكل سينغ في دراسته الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى المشاكل الاقتصادية سالفة الذكر لا تقتصر على الدول المستوردة للنفط، فقد حذر “صندوق النقد الدولي” من أنّ السنوات التي شهدت فيها الدول المصدرة للنفط فوائض ضخمة، تُشرف على نهايتها نتيجةً لتنامي عدد السكان وتضخم إنفاقهم. وهذا الأمر يجعلها في وضع أكثر هشاشة وعرضة للانخفاض في أسعار النفط، وهو احتمال يبدو مرجحاً على نحو متزايد مع دخول مصادر جديدة للطاقة إلى الساحة الدولية.

ومع ذلك، من الممكن معالجة هذه المشاكل الاقتصادية. فباستثناء المعضلات السياسية التي تواجهها المنطقة – والتي غالباً ما تبدو مستعصية – ليس بوسع الغرب مد يد المساعدة فحسب، ومساعدتهم هذه لن تكون دون مقابل أو حفظ للمصالح طبعا بحسب ما يرى عدد من المراقبين، بل إنّ القادة الإقليميين أنفسهم مستعدون لتلقي المساعدة. والأردن خير مثال على ذلك: ففي خضم فوضى الانتفاضات العربية، نفذت عمان وبهدوء إصلاحات صارمة بمساعدة من الولايات المتحدة و”صندوق النقد الدولي”.

وبناء على ماسبق، يخلص مايكل سينغ إلى أنّ الدول المستوردة للنفط، عليها أن تستبدل الإعانات النفطية المُكلِفة بمساعدات هادفة للفقراء، وإقامة شبكات تأمين اجتماعي. وهي تحتاج أيضاً إلى تخفيف اعتمادها على المساعدات الخارجية والحد من الفساد وإجراء تغييرات تنظيمية لتشجيع نمو القطاع الخاص. ومن جهتها، تحتاج الدول المصدرة إلى خفض إنفاقاتها وتنويع اقتصاداتها. كما يجب على المجموعتين تقليص حجم القطاع العام لديهما وتحديث النُظم التعليمية.

24 ألف دولار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية

المشورة وحدها لا تكفي

من جهة أخرى، نبّهت الدراسة إلى أنّ الولايات المتحدة وحلفائها، لا يجدر بهم الإكتفاء بإعطاء المشورة حول كيفية تخطي هذه التحديات بل عليهم أيضاً تحفيز الحكومات الإقليمية على تقبلها.

ويعني ذلك العمل مع الحلفاء الإقليميين الذين يسعون إلى تنويع اقتصاداتهم وتحديثها، وتنسيق المساعدات الاقتصادية وربطها بالتقدم في مجال الإصلاح، بما في ذلك اتخاذ الخطوات السياسية اللازمة لنجاح الإصلاحات.

حيث يقولمايكل سينغ: “يجب على الولايات المتحدة أن تشجع الاندماج الاقتصادي الأكبر من خلال التعاون مع الدول الغنية المنتجة للنفط على الاستثمار في ازدهار جيرانها الأكثر فقراً، وكذلك من خلال تزويد دول الشرق الأوسط بإمكانية نفاذ أفضل إلى الأسواق الغربية، وخاصة الاتحاد الأوروبي”.

كما يشير سينغ إلى أنّ النصائح التي تحث الولايات المتحدة على “فعل المزيد” في الخارج غالباً ما تُنتقد باعتبارها دعوات مستترة لاستخدام القوة العسكرية، إلاّ أن دمج فن الحكم الاقتصادي في الدبلوماسية، حسب رأيه، من شأنه أن يساعد على تعزيز دور أميركا الدولي خارج الإطار الأمني بطريقة تعزز السلام والاستقرار على المدى الطويل، وربما هي سياسة من شأنها أن تنتشل أميركا ذاتها من براثن سياسة “التآمر والتخريب” وسياسة “المحافظة على المصالح الجافة المتوحشة”، التي يتهمها مراقبون بتنفيذها في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم المستضعفة.

وفي خاتمتها، تخلص دراسة مايكل سينغ، الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أنّه من السذاجة الاعتقاد بأن النمو الاقتصادي سوف يحل جميع المعضلات الشائكة في الشرق الأوسط؛ ولكن من السذاجة أيضاً الاعتقاد أنّه بالإمكان حل تلك الأزمات في ظلّ غياب الازدهار الاقتصادي.

6