الاقتصاد الأردني وفرص خفض عجز الموازنة

تقليل فجوة العجز السنوي في الموازنة العامة هو مدخل جاد لوقف نمو الدين العام. وهنالك الكثير من السيناريوهات القابلة للتطبيق في الوقت الحالي.
الأربعاء 2018/05/02
الحكـومة تلجأ إلى الاقتراض لسد فجوة العجز في الإيرادات

يعتبر عجز الموازنة العامة المزمن في الأردن المصدر الأساسي لنمو الدين العام نسبـة وحجما؛ إذ تلجأ الحكـومة لسد فجوة العجز في الإيرادات سنـويا عـن طريق الاقتـراض بشقيه الـداخلي والخـارجي وهذا بدوره يراكم المديونية عاما بعد آخر.

وقد تجاوزت نسبة الدين العام من الدخل المحلي الإجمالي حوالي 91 بالمئة، حيث بلغت ما يقارب 26 مليار دينار (36.7 مليار دولار) وهذا شيء سلبي وله تأثير بالغ على تصنيف الدولة ائتمانيا ومـن حيث المخاطرة.

وبات تصنيف الأردن حسب مؤشر ستاندرد آند بورز في فئة “بي.بي سلبي” مع نظرة مستقبلية سلبية، الأمر الذي يعني تراجع جاذبية الإقراض ورفع نسبة سعر الفائدة على القروض لتعويض المخاطرة المتنامية.

ولعل ذلك الأمر هو ما دفع الدولة للاقتراض داخليا بالعملة المحلية، بدلا عن الاستدانة الخارجية، وهذا من شأنه تحويل الحكومة إلى العميل الأول للاقتراض من السوق المحلية، لتزاحم وتحرم القطاع الخاص والأفراد من تلك الفرصة نظرا لجدارة الحكومة ائتمانيا ومخاطرة مقارنة مع الشركات الخاصة، التي تبحث أحيانا عن فرصة للتمويل عبر الاقتراض من البنوك المحلية.

ويُمكن لنا الاستنتاج بأن تقليل فجوة العجز السنوي في الموازنة العامة هو مدخل جاد لوقف نمو الدين العام. وهنالك الكثير من السيناريوهات القابلة للتطبيق في الوقت الحالي، وأبرزها سيناريو وقف الازدواجية التي من شأنها مضاعفة التكاليف.

وتتجلى تلك الازدواجية على وجه الخصوص في تقديم الخدمات الصحية الحكومية، وفي إزدواجية الإدارات المحلية واللامركزية، وفي ازدواجيةالهيئات الخاصة المستقلة. وفي ما يتعلق بازدواجية الخدمات الصحية بالبلاد، تقوم الحكومة الأردنية بتقديم مضلة خدمات علاجية واسعة النطاق لجميع العاملين والمتقاعدين وعائلاتهم.

بالإمكان تقليص فجوة العجز السنوي في الموازنة عبر سيناريو وقف الازدواجية في عدة قطاعات والتي من شأنها مضاعفة التكاليف

ولكن ثمة تداخل و تكرار كبير في ذلك، بدءا بالجهة الأولى ممثلة بوزارة الصحة للمدنيين وعائلاتهم، ثم الخدمات الطبية الملكية للعسكريين وعائلاتهم، بالإضافة إلى جهات أخرى تتكفل بتغطية نفقات العلاج مثل الديوان الملكي ووزارة التنمية الاجتماعية والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.

وإلى جانب كل ذلك، هنالك مظلة التأمين الصحي الخاص تقدمه شركات التأمين الصحي. في كثيرٍ من الحالات نجد بأن الأسـرة الواحدة تتمتع بأربع مظـلات للتأمين الصحي في ذات الوقت مما يشكل ازدواجية و هدرا كبيرا في نظام الخدمات الصحية.

هناك مؤشرات تدل على أن الحكومة قادرة على وقف جميع أشكال الهدر والازدواجية بمجرد إعادة هيكلة نظام الخدمات الصحية العـام تحت هيكل مـؤسسة عامـة موحدة تقـوم بتنظيـم و إدارة كافة المظلات العـلاجية تحت باب واحد و إدارة واحدة و دائرة شراء موحد، الأمر الذي يحقق وفرا بملايين الدنانير سنويا.

أما ازدواجية الإدارات المحليـة، ففي كل محافظة من محافظات الأردن هنالك مجلس بلدي مُنتَخب أو أكثر، ومجلس تنفيذي للمحافظة برئاسة المحافظ المُعيَن، ومجلس لامركزي مُنتَخب ومُعيَن، وبعض مجالس الإعمار. جميع هؤلاء يتواجدون في ذات المكان كما يتنازعون الموارد المالية ويعيق كل منهم عمل الآخر بسبب الغموض القانوني والصراع على النفوذ والصلاحيات.

في المحصلة كل ذلك يمثل كلفة باهظة على الموازنة العامة و موازنة المحافظات دون تقديم خدمات ملموسة أفضل للمواطن، وبالتالي فإن الحكومة قادرة على توفير ملايين الدنانير سنويا بمجرد دمج كل هياكل الإدارات المحلية تحت مظلة إطار حكم محلي واحد واسع الصلاحيات، يؤدي بدوره جميع تلك الأدوار المتداخلة المكررة و المزدوجة.

وبخصوص الهيئات العامة المستقلة، فإنه منذ نشوء فكرة المؤسسات المستقلة ثبت عملانيًا بأنها لا تقدم شيئا أفضل مما كانت تقدمه سابقا عندما كانت جزءا من هيكل الوزارات التقليدي.

وعلى العكـس مـن ذلـك، فقـد تضخم حجم وعدد الهيئات والمؤسسات العامة المستقلة لتشكل عبئا إضافيا على كاهل الموازنة العـامة و بدون قيمة مضافة ملموسة على الواقع، تجاوز عددها الخمسين بمـوازنة تفوق الملياري دينار (2.82 مليار دولار) لتشكل هيكلا بيروقراطيا مكررا موازيا ومزدوجا من الحكومة المركزية.

وهنا، يمكن للحكومة توفير ما يقارب نصف المليار دينار سنويا (705 مليون دولار) في حال نجحت في دمج وهيكلة المؤسسات المستقلة تحت مظلة الوزارات التقليدية، مع منحها بعض المرونة القانونية لاستقطاب الكفاءات وتحفيز العاملين وتقليل الروتين غير المرغوب.

قد تكون فكرة خفض الإنفاق العام بحد ذاتها غير مستساغة، حيث يَعتَقد كثير من الاقتصاديين بأن تعزيز النمو سوف يتأثر سلبًا من جراء خفض الإنفاق العام؛ إذ أنه يشكل أحد العناصر الخمسة الرئيسة لدالة الدخل المحلي، وبالتالي فهو رافع للنمو بطبيعته، والنمو مؤشر مرغوب في ظل التباطؤ والركود الاقتصادي الذي تعيشه الدولة.

11