الاقتصاد التركي يتجرع كأس السم

أردوغان لم يتخذ إجراءات صارمة لمكافحة فايروس كورونا لأن الدولة ببساطة لا تملك الموارد اللازمة لفرض الحظر الكامل.
الجمعة 2020/04/10
أزمة خانقة

دحض تقدم تركيا في تصنيفات انتشار وباء كورونا ادعاءات الحكومة بأن الوباء لن يؤثر على البلاد، بعد أن أصبحت تحتل المرتبة التاسعة عالميا من حيث تفشي فايروس كورونا.

ويحذر أطباء أتراك يعملون في الخارج من أن تركيا تسلك طريقها لتصبح مثل إيطاليا وإسبانيا. وليس مستغربا أن يتحفظ نظراؤهم في التداخل بسبب الاعتقالات اليومية بتهمة “نشرالذعر”.

ومن خلال فهمي للخبراء الأتراك والدوليين، أستطيع القول إن الفايروس لن يفقد تأثيره قبل شهر يونيو على أقرب تقدير، لذا سأستند في كل حججي على هذا الافتراض المتفائل.

ربما تكون السياحة هي القطاع الأكثر تضررا في تركيا، لأن معظم الفنادق في ساحل بحر إيجة والبحر المتوسط موسمية، أي أنها مفتوحة فقط من نهاية أبريل إلى نهاية أكتوبر.

عدم وجود موارد كافية هو السبب وراء إحجام أردوغان عن المضي قدما في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة

وبالنسبة لهذه الفنادق وشركات القطاع الأخرى، فإن ضربة كورونا لها جاءت قاضية. حيث أجلت جميع فنادق مدينة مرمريس رسميا مواعيد افتتاحها من أبريل إلى مايو، رغم علمها بأنها لن تفتح قبل يونيو على أقرب تقدير.

وكشف مسؤول مصرفي أن الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخزانة والمالية براءت البيرق تحدثا إلى رؤساء البنوك عند إعلان حزمة الإنقاذ الاقتصادي في 18 مارس، وشجعوهم على اتباع قيادة البنوك الحكومية في تسهيل التعامل مع الشركات.

لكن الفنادق حتى إذا لم تواجه الإفلاس، فإنها ستتعرض لضغوط رهيبة وسيكون لذلك تأثير كبير على الاقتصاد التركي، لأنها تمثل ثلثي عائدات السياحة وتساهم بنسبة 5 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الستة من أبريل إلى سبتمبر.

ومن المؤكد الآن، أنها لن تحقق أي دخل خلال هذه الأشهر الستة لأن السياحة لن تنتعش فورا حتى لو تبدد الوباء في شهر يونيو، حيث ستحتاج شركات الطيران لبعض الوقت لاستئناف الرحلات ويحتاج الناس لكسب بعض المال تدريجيا للعودة للرحلات السياحية.

وبناء على ذلك، تلقت الفنادق إلغاءات ليس فقط لشهري أبريل ومايو، ولكن طوال فصل الصيف.

يمكننا أن نتوقع خسارة ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من العملات الأجنبية، الأمر الذي سيشطب مكاسب انخفاض أسعار النفط من رصيد ميزان المدفوعات.

أضف إلى القائمة 18 مليار دولار من مدفوعات الديون الخارجية قصيرة الأجل المستحقة في الأشهر الثلاثة المقبلة، واستمرار هجرة المستثمرين الأجانب.

وهذا ليس كل شيء. حيث سينضم العاطلون عن العمل في هذا المجال، البالغ عددهم في المجمل أقل من مليون شخص، إلى 4.4 مليون عاطل عن العمل بالفعل. وبإضافة قطاع السياحة إلى القطاعات الأخرى، سيتضح أن تركيا تتجه نحو أزمة توظيف أيضا.

ولسوء الحظ، وعلى عكس العديد من الدول الأخرى، تعاني تركيا بالفعل من أزمة ارتفاع معدل البطالة البالغ 13.7 في المئة. ومن المرجح أن تصل البطالة إلى أكثر من 20 في المئة بحلول الصيف.

وتتوقع بيانات شركة البحوث الاقتصادية كابيتال ايكونومكس أن يتراجع استهلاك السلع والخدمات في تركيا بفعل التباعد الاجتماعي، مثل النقل العام والترفيه والمطاعم والفنادق، التي تمثل 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى المعدلات في الأسواق الناشئة.

وهنا نتساءل: إذا كانت تركيا قد وقعت في أزمة الوباء بالفعل، فلماذا يتخذ المسؤولون الحكوميون سوى إجراءات وتدابير واهية؟

السياسة النقدية في تركيا تعاني من صعوبات أكبر من معظم الأسواق الناشئة
السياسة النقدية في تركيا تعاني من صعوبات أكبر من معظم الأسواق الناشئة

وبالتأكيد، فإن سياسة بدل العمل قصير الأجل، حيث تقدم الدولة جزءا من أجور الموظفين المهددين بفقدان وظائفهم، وكذلك دعم الدخل المحدود تعد من التدابير الجيدة، لكن ذلك لن يكفي الأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل.

وتعد حزمة الدعم البالغة 15 مليار دولار ضئيلة مقارنة بالدول الأخرى، خاصة في ظل محدودية الموارد المتوفرة لدى الحكومة والبنك المركزي.

وتؤكد كابيتال إيكونوميكس أن السياسة النقدية في تركيا تعاني من صعوبات أكبر من معظم الأسواق الناشئة، حيث تتمتع تلك الدول بأسعار فائدة منخفضة جدا بالفعل.

إن عدم وجود موارد كافية هو السبب وراء إحجام أردوغان عن المضي قدما في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، فالدولة ببساطة لا تملك الموارد اللازمة لتأمين الحظر الكامل.

في الواقع، سمعت من عدة مصادر قريبة من حزب العدالة والتنمية عن وجود توتر بين البيرق ووزير الصحة، الذي يضغط من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.

ولا تترك قلة الاحتياطات المالية أمام أنقرة سوى خيار واحد فقط هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

لكننا نعلم أن تركيا ليست من 81 دولة تقدمت بطلب إلى صندوق النقد، بسبب استياء أردوغان من الصندوق، لكنه سوف يلجأ إليه حين يتضح له وللبيرق وللاقتصاديين أنه لا يوجد طريق آخر.

10