الاقتصاد التركي يدفع ثمن استعصاء تشكيل الحكومة

اتسعت مخاوف المستثمرين والمحليين من تأثير غموض الآفاق السياسية التركية وتصاعد وتيرة العنف على اقتصاد يعاني من التخبط. ويخشى المراقبون من موجة هروب واسعة لرؤوس الأموال، خاصة إذا تم رفع أسعار الفائدة الأميركية في الشهر المقبل.
الأربعاء 2015/08/19
تراجع الليرة يمكن أن يفاقم احتجاجات العمال على تدني أجورهم

إسطنبول - تعمقت خسائر سوق الأسهم التركية أمس وانحدرت الليرة بشكل حاد، بسبب حالة الغموض الناتجة عن فشل حزب العدالة والتنمية في التوصل إلى اتفاق مع أي من أحزاب المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية.

وانخفض سعر الليرة التركية إلى مستويات قياسية مقابل الدولار، لتتجاوز حاجز 2.9 ليرة للدولار أمس بعد تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية لتتضاعف خسائرها منذ يوم الجمعة. كما تراجعت مقابل اليورو وانحدر المؤشر الرئيسي لبورصة اسطنبول مرة أخرى لتصل خسائره منذ يوم الجمعة إلى نحو 5 بالمئة.

خسرت بورصة اسطنبول نحو 21 بالمئة من قيمتها منذ بداية العام الحالي. وانخفضت الليرة بنسبة 18 بالمئة مقابل الدولار واليورو من بداية العام لتصل خسائرها إلى أكثر من 50 بالمئة من بداية العام الماضي.

ويقول محللون إن انحدار الليرة يمكن أن يفاقم وتيرة تباطؤ الاقتصاد على المدى القريب، في ظل وصول الدين العام في تركيا إلى نحو 400 مليار دولار.

وسيؤدي تراجع الليرة الحاد إلى زيادة معدلات التضخم المتصل بالاستيراد من الخارج وإلى عواقب كبيرة على قطاع التصدير التركي الذي تراجع بالفعل كنتيجة طبيعية لحالة عدم الاستقرار التي تجتاح أوروبا والشرق الأوسط.

وتدخل البنك المركزي التركي بشكل عاجل يوم الجمعة لدعم الليرة عبر خفض الفائدة على الودائع بالدولار غداة فشل المفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية بعد أن خسر حزب العدالة والتنمية الإسلامي الغالبية في البرلمان في الانتخابات التشريعية في يونيو الماضي. وطالب محللون البنك المركزي مرارا بتشديد السياسات النقدية. وقال أوزغور ألتوغ كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بي.جي.سي بارتنرز، إن “البيانات المخيبة لن تتيح للبنك المركزي مجالا لخفض الفائدة”.

17 بالمئة خسائر الليرة هذا العام لتفقد نصف قيمتها من بداية العام الماضي

وأكد ألتوغ وجود حاجة لسياسة نقدية أكثر تشددا للسيطرة على الضغوط التضخمية في إشارة تعارض الضغوط التي مارسها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة.

ويرى أردوغان أن أسعار الفائدة تسبب التضخم، ويضع رفع الفائدة في مصاف الخيانة، وهي وجهة نظر تتعارض مع الرأي السائد بين خبراء الاقتصاد.

لكن البنك المركزي قاوم ضغوط أردوغان وأبقى أمس سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 7.5 بالمئة متجاهلا انخفاض قيمة الليرة.

ويتوقع جيرمي تشيشولم المحلل الاقتصادي في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية استمرار المعدلات الحالية لتراجع الليرة التركية وأنها لن تعود للارتفاع مرة أخرى عبر سياسات البنك المركزي.

ورغم تباطؤ التضخم العالمي بشكل ملحوظ نتيجة لتراجع أسعار النفط، يظل معدل التضخم التركي ثابتا عند حاجز 7 بالمئة، وهو ما يتسبب في تعميق تراجع القدرة الشرائية للأتراك.

ولا يبدو أن المركزي التركي يمتلك الأدوات الفعالة التي قد تمكنه من وقف نزيف قيمة العملة المحلية.

ويشير استمرار هروب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الخارج إلى أن البنك المركزي يقوم بتمويل عجز الحساب الجاري من احتياطاته، لذلك فلن يكون لديه ما يستطيع فعله لإنقاذ أسعار صرف العملة.

وتعتمد أنقرة بشكل كبير على تدفقات الأموال من الخارج لتمويل العجز في حسابها الجاري، الذي ينشأ في جزء كبير منه من اعتماد الحكومة على واردات الطاقة.

أوزغور ألتوغ: البيانات الاقتصادية المخيبة لن تتيح للبنك المركزي مجالا لخفض الفائدة

ويشكل هروب الأموال إلى الخارج ضغطا إضافيا على احتياطات البنك المركزي الذي يسعى إلى توجيهها لسداد ديون تركيا الخارجية، وهو ما يتركه في مساحة ضيقة لا تسمح له بالمناورة لتمويل قطاعات أخرى.

ومنذ الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 7 يونيو، مازالت حكومة تسيير الأعمال بقيادة أحمد داود أوغلو تحاول التوصل إلى اتفاق مع حزبي الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان، وحزب الحركة القومية.

لكن يبدو أن حكومة أوغلو لم تعد تمتلك خيارات أخرى غير الاتجاه لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وهو ما فاجأ المحللين الاقتصاديين الذين توقعوا في السابق إمكانية تشكيل الحكومة.

ويرى مراقبون أن إجراء انتخابات مبكرة لن يغير من الواقع كثيرا، ولن يسهم في عودة تدفق الأموال والاستثمارات مرة أخرى في ظل حالة العنف التي اندلعت مؤخرا بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني، والتي ساهمت في تعميق أزمة البلاد الاقتصادية.

وإذا استمرت الاضطرابات السياسية التي تعصف بالبلاد لفترة أطول فسوف تؤثر بشكل غير مسبوق على مناخ الاستثمار في البلاد.

ويقول محللون إن السلطات التركية يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضا الاحتمالات القوية بأن يرفع مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي سعر الفائدة هذا العام لأول مرة منذ 10 أعوام، وهو ما يمكن أن يزيد من موجة هروب الأموال من تركيا والأسواق الناشئة.

وأضافوا أن تركيا ليست استثناء بين الأسواق الناشئة التي تسعى دائما إلى استقطاب رؤوس الأموال الخارجية لتوسيع مشروعات البنية التحتية ومشروعات الطاقة وغيرها.

ويمكن أن يؤدي رفع أسعار الفائدة الأميركية، المتوقع في الشهر المقبل، إلى تفاقم مخاوف المستمرين الأجانب بشكل غير مسبوق من ضخ أموال كبيرة في الاقتصاد التركي.

10