الاقتصاد التونسي يدخل مضيق الإصلاحات الهيكلية الملحة

محللون يتفقون على أن تهرب الحكومة التونسية من تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية أدى إلى تفاقم انحدار كافة المؤشرات.
الخميس 2018/06/21
ترقب رياح الاصلاح

تونس - تعي السلطات التونسية تماما أنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتأجيل الإصلاحات الهيكلية في اقتصاد البلاد المنهك وإعطاء نفس جديد لكافة القطاعات لتسريع دوران عجلة النمو التي تسير ببطء شديد.

ويقول سليم بسباس، عضو لجنة المالية والتخطيط والتنمية بمجلس نواب الشعب (البرلمان)، إنه لأول مرة يتم تسجيل ارتفاع نسبي في نسبة النمو مقارنة بحالة الركود في عامي 2015 و2016.

ويجد هذا التفاؤل الحكومي تشكيكا من كثير من خبراء الاقتصاد، الذين يرون أن البيانات الرسمية المعلن عنها حتى الآن لا تعدو أن تكون مسكنات لا تكشف بشكل دقيق عن المشاكل الرئيسية التي وضعت البلاد في وضع محرج.

ويعاني الاقتصاد التونسي بالفعل من مشاكل مالية واقتصادية هيكلية، وقد أقر بسباس بذلك قائلا إنه “لا يجب الاكتفاء فقط بمجرد الانتعاش إذ لا بد من تجاوز الاختلالات المالية المزمنة، مثل العجز في الميزان التجاري والتضخم والعجز في ميزان الدفوعات”.

وبلغت نسبة التضخم المسجلة في نهاية أبريل الماضي 7.7 بالمئة، وقد بقيت على حالها في الشهر الموالي، وفق بيانات رسمية، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع متوسط 3 بالمئة.

وسجل عجز الميزان التجاري، مستوى قياسيا في العام الماضي، عند 15.5 مليار دينار (6.2 مليارات دولار)، بحسب المعهد التونسي للإحصاء.

وجاء نمو اقتصاد البلاد في الربع الأول من العام الحالي، بأعلى وتيرة منذ 2014، ليحمل مزيدا من التفاؤل بعد سنوات عجاف، عانى فيها التونسيين من تداعيات العمليات الإرهابية التي ضربت البلاد في العام 2015.

وبحسب بيانات رسمية وتصريحات المسؤولين، فقد بلغت نسبة نمو الاقتصاد 2.5 بالمئة في الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يعكس انتعاشا للاقتصاد المحلي ولو أن عدة قطاعات حيوية مثل الفوسفات لا تزال تواجه تحديات الاحتجاجات والاعتصامات.

وأوضح بسباس أنه في العام الماضي أصبحت نسبة النمو ضعف معدل النسب السابقة، وأصبح هناك انتعاش تأكد في الربع الأول من العام الجاري.

وبلغت نسب النمو المحققة في الأرباع الماضية في حدود 2.3 بالمئة في الربع الأول من 2013، و2.3 بالمئة في الربع الأول من 2014، و1.1 بالمئة في الربع الأول من 2015، وواحد بالمئة في الربع الأول من 2016، و1.9 بالمئة في الربع الأول من العام الماضي.

عبدالجليل البدوي: تفاؤل الحكومة ينم عن غياب وعي بضرورة تغيير النموذج التنموي
عبدالجليل البدوي: تفاؤل الحكومة ينم عن غياب وعي بضرورة تغيير النموذج التنموي

وأرجع المسؤول التونسي النمو المحقق في الربع الأول الماضي، إلى أداء بعض القطاعات المنتجة مثل النسيج، والقطاع الزراعي، والسياحة، إضافة إلى قطاعات صناعية مثل الصناعات الإلكترونية وقطع غيار السيارات.

وقال إنه “انتعاش حقيقي تحقق بسبب بعض القطاعات المنتجة، وأيضا نتيجة تحسن المعاملات الخارجية، وتحسن تغطية الصادرات إلى الواردات، من 67 إلى 73 بالمئة”.

وتجاوزت عائدات التمور في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، 600 مليون دينار (233.4 مليون دولار)، في حين زادت عائدات زيت الزيتون لتبلغ 1.13 مليار دينار (438.9 مليون دولار)، وقد ساهما في ارتفاع معدل الصادرات بنحو 32.8 بالمئة، بمقارنة سنوية.

واعتبر الخبير عبدالجليل البدوي، أن نسبة النمو المسجلة في الربع الأول هي نتيجة ظروف طبيعية، مثل الموسم الزراعي الجيد، وليست نتيجة نجاحات اقتصادية. ووصف مؤشر النمو بـ”الهش”، وأن الفرح بهذا المؤشر ينم عن غياب وعي بضرورة إعادة النظر في منوال التنمية الحالي.

وشدّد على أن “نسبة النمو المسجلة هي لأسباب عرضية أكثر منها اختيارات تنموية جديدة تضبط النسق السريع المنشود. وقال إن “وجود طبقة سياسية هزيلة غير واعية وغير مسؤولة، ساهم في مزيد من الضبابية وهو ما سيعطّل النمو”.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، وأحد المعرقلين لخطط الإصلاح قد طالب خلال وقت سابق من الأسبوع الماضي، بضرورة إقالة الحكومة الحالية لفشلها في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح الخبير الاقتصادي، أنّ العائق الرئيس في تحقيق نسب نمو مرتفعة، هو اعتماد سياسات إغراق سواء كان تجاريا أو نقديا.

وحول التوقعات للعام بأكمله، يرى البدوي أن الفرضيات القائمة عليها موازنة الدولة لا يمكن أن تتحقق، وخاصّة فرضية سعر البترول والتي تمّ تحديدها بـ54 دولارا للبرميل.

وتتداول أسعار النفط في الأسواق العالمية حاليا بين 70 إلى 75 دولارا للبرميل، مدعومة باتفاق منظمة الدولة المصدرة للبترول (أوبك) ودول من خارجها في مقدمتها روسيا لخفض الإنتاج والذي أسهم بشكل كبير في إعادة التوازن للأسواق

وأكد البدوي أن الميزانية قائمة على فرضيات غير منطقية، وبالتالي لا مفرّ من صياغة موازنة تكميلية.

وزادت مصاريف دعم المواد الأساسية في تونس من 284 مليون دولار في 2010 إلى 583.6 مليون دولار في العام الماضي، وقد تزيد في موازنة العام الجاري عن الحدود التي تم رصدها والبالغة 610.8 مليون دولار، وفق ترجيحات الخبراء.

10