الاقتصاد التونسي يقع في فخ أزمة ارتفاع التضخم

غليان الأسعار يعمق تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، فيما يرجح اقتصاديون تواصل ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة في ظل أزمة الوباء.
السبت 2020/05/09
للعرض فقط

ألقت أزمة وباء كورونا بالمزيد من التبعات المزعجة على الاقتصاد التونسي، نتيجة عودة أسعار الاستهلاك إلى الغليان مرة أخرى بما يفوق إمكانيات المواطنين وخاصة الطبقة الفقيرة، التي تضررت بشكل غير مسبوق من جبل الأزمات الذي يعترض محاولات السلطات ضخ دماء جديدة لإعادة عجلة النمو إلى الدوران.

تونس - أعطت انطباعات خبراء تونسيين حول عودة منحى التضخم إلى الصعود مرة أخرى صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي المتأزم، والذي زادت مشكلة جائحة كورونا من متاعبه بشكل لم يكن في الحسبان.

ورجح اقتصاديون تواصل ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة في ظل الظروف الراهنة والمتزامنة مع شهر رمضان، وهو ما قد يزيد من معاناة آلاف المواطنين وخاصة الذين يعيشون تحت خط الفقر.

وتأتي هذه المخاوف بعد أن أظهرت بيانات رسمية نشرها المعهد الوطني للإحصاء ارتفاع نسبة التضخم بنهاية الشهر الماضي لتبلغ مستوى 6.3 في المئة بعد أن كانت في حدود 6.2 في المئة خلال شهر مارس و5.8 في المئة خلال شهر فبراير الماضي.

وأرجع المعهد ذلك إلى تسارع وتيرة تطور أسعار السلع الأساسية والمشروبات من 5.1 في المئة خلال مارس إلى 6.2 في المئة في أبريل الماضي.

كما شهدت أسعار المواد المصنعة ارتفاعا بنسبة 7.6 في المئة في أبريل قياسا بالشهر السابق ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار مواد صيانة المنازل.

ويرى خبراء أن الارتفاع المستمر في معدلات التضخم، رغم أنه تراجع قياسا بالسنوات الثلاث الماضية، فهو بحاجة إلى معالجة سريعة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها التونسيون نتيجة تصاعد مؤشرات الغلاء وضعف القدرة الشرائية للمواطن خصوصا مع ظرفية مواجهة وباء كورونا المستجد.

وعزا الخبير معز الجودي ارتفاع نسبة التضخم إلى “تزايد الطلب على الاستهلاك من قبل المواطنين مقابل نقص كبير في العرض الراجع بالأساس إلى التوقف شبه الكلي لنشاط مختلف المؤسسات الاقتصادية من شركات ومصانع ومحال تجارية، بسبب الحجر الصحي الشامل الذي فرضته السلطات للتوقي من الوباء”.

وقال الجودي، الذي يرأس الجمعية التونسية للحوكمة، في تصريح خاص لـ”العرب”، إنه “لا بد من إعادة هيكلة عملية الإنتاج وتشديد الرقابة الاقتصادية بشكل أكبر مما هو عليه اليوم”.

معز الجودي: لا بد من إعادة هيكلة عملية الإنتاج بالكامل وتشديد الرقابة
معز الجودي: لا بد من إعادة هيكلة عملية الإنتاج بالكامل وتشديد الرقابة

وأوضح أن السلطات عليها مكافحة الاحتكار والمضاربة والأسواق الموازية والتهريب، بالإضافة إلى التحكم في الطلب مع ضرورة أن يعي المواطنون كيفية الاستهلاك وفق ما وصفه بـ”ذكاء حسب الحاجة”.

وفي ظل ما يحصل بدأت محنة صنّاع السياسات المالية التونسية تتفاقم بين مواجهة ارتفاع التضخم وغليان الأسعار وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش.

ويبدو أن هذه المشكلة القديمة الجديدة تطرح مسألة تدخل البنك المركزي بقوة باعتباره صمام الأمان في مثل هكذا ظروف، كما تفعل البنوك المركزية حول العالم.

وقال الجودي إن “السياسات النقدية للبنك المركزي تحتاج إلى مراجعة عميقة من أجل التعامل مع المشاكل الاقتصادية بأكثر مرونة، علاوة عن مساعدتها على تعديل التوازنات المالية للبلاد”.

واضطر المركزي في مارس الماضي بفعل الضغوط المسلطة على الاقتصاد بسبب كورونا إلى اتخاذ خطوة خفض أسعار الفائدة بنحو مئة نقطة أساس للمرة الأولى منذ أكتوبر 2015، لتصبح عند 6.75 في المئة.

ويؤكد المحللون أن تدخل البنك المركزي لتعديل التوازنات المالية، يمكن أن تكون له تأثيرات إيجابية على مستوى كبح مستوى التضخم، كما يمكن أن تكون له آثار على تكاليف تمويل المؤسسات وقروض الأفراد.

وتشهد نسبة التضخم في تونس ارتفاعا متسارعا. ورغم كل محاولات الحكومات السابقة للحدّ من غليان الأسعار، الذي تزايد مع تواصل انهيار قيمة الدينار أمام الدولار واليورو، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل.

ووفق بيانات المركزي، فإن سعر الصرف الرسمي للعملة المحلية عند 2.9 دينار لكل دولار ونحو 3.1 دينار لكل يورو.

ولا تستهدف السياسة النقدية لتونس تخفيضا في قيمة الدينار، حيث نفت السلطات في الكثير من المناسبات نيتها تحرير سعر الصرف رغم أن هذه القضية لا تزال تثير جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية.

ومن المتوقع أن تتواصل الضغوط التضخمية ليس بسبب تراجع قيمة الدينار ولكن أيضا بسبب العجز التجاري، الذي تراجع في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام نتيجة تراجع إيقاع نشاط المبادلات التجارية على مستوى العالم.

وبحسب معهد الإحصاء، بلغ العجز التجاري في الربع الأول من العام الجاري إلى حدود 3.5 مليارات دينار (1.2 مليار دولار) قياسا بحوالي 3.97 مليار دينار (1.37 مليار دولار) بمقارنة سنوية، أي بتراجع قدّر بنحو 11.8 في المئة.

10