الاقتصاد الجزائري على شفير أزمة جديدة بعد إهدار فرص النهوض

الخميس 2014/12/11
عجز جزائري على توظيف سنوات الطفرة النفطية في تنويع مصادر الاقتصاد

الجزائر- أجمع خبراء اقتصاديون في الجزائر، على أن التطمينات الحكومية حول عدم تأثير انهيار أسعار النفط على الاقتصاد المحلي، هي تطيمنات قصيرة المدى، لا يمكن الاعتماد عليها لأن الأسعار لن تعود إلى مستوياتها السابقة، إلا بعد مرور ثلاث سنوات.

أكد خبراء اقتصاديون لـ”العرب”، أن الحكومة الجزائرية لجأت العام الماضي لاقتطاع حوالي مليار دولار من صندوق ضبط الإيرادات، لتغطية عجز الميزانية.

وكشفت مصادر مطلعة أن الحكومة ستلجأ إلى الصندوق نفسه هذا العام لتغطية العجز المسجل، خاصة بعد التراجع الكبير في الإيرادات بسبب تدهور أسعار النفط.

وأشار المحلل المالي الجزائري لـ”العرب” فرحات آيت علي أن الصندوق يكتنفه الكثير من الغموض بدليل خروجه كليا عن دائرة الموازنة العامة، ورقابة هيئات المحاسبة المختصة وقد وُجّهت إليه عدد من الانتقادات من رئيس المجلس الأعلى للمحاسبة بسبب غموض مداخيله ونفقاته.

وأضاف آيت علي إلى أن غياب أية معلومات عن الأموال التي ترصد لهذا الصندوق غير مستبعد أن يكون قد نفذ بالنظر للعجز المسجل في سنوات متتالية.

وتم إنشاء صندوق ضبط الإيرادات في العام 2000، بهدف امتصاص الفارق بين ما يعرف بالسعر المرجعي للميزانية السنوية، وبين المداخيل الحقيقية المتأتية من تصدير النفط، حيث عكفت الحكومات الأولى لبوتفليقة لوضع سعر 19 دولارا للبرميل الواحد كسعر مرجعي للموازنة، ثم تم رفعه خلال السنوات الأخيرة إلى 37 دولارا.

ويقول مراقبون للوضع الاقتصادي أن الجزائر حققت مداخيل تقترب من 600 مليار دولار خلال الطفرة النفطية الأخيرة وقامت بإنفاق ثلثها في مساهمات اجتماعية على غرار دعم أسعار المواد الغذائية والتكفل بالفئات الاجتماعية الهشة، والسكن، والأجور.

وينظر خبراء اقتصاديون إلى الخطوات الحكومية في هذا المضمار على إنها شراء للسلم الاجتماعي وسعي نحو تكريس قبضتها دون التفكير في ضخ استثمارات لتطوير الاقتصاد وتنويع مصادره.

ويرى المدير العام السابق لشركة سوناطراك (شركة حكومية جزائرية شكلت لاستغلال الموارد البترولية في الجزائر) عبد المجيد عطار، أن تدهور أسعار النفط يعود لوفرة الإمدادات وتباطؤ الاقتصاد العالمي وخاصة الأوروبي ما عجّل بتطبيق سياسات تقشفية في هذه الدول.

600 مليار دولار إيرادات الجزائر خلال الطفرة النفطية الأخيرة أنفقت ثلثها في مساهمات اجتماعية

وأردف عطار قائلا أنه بالإضافة إلى هذه المعطيات لابد من الإشارة أيضا إلى حرب الأسعار الخفية التي تقودها واشنطن وحلفاؤها لخنق اقتصاديات خصومها وخاصة روسيا وإيران وفنزويلا.

وذهب المسؤول الحكومي السابق إلى أن أسعار النفط ستحافظ على مستوياتها المتدنية إلى غاية شهر يونيو المقبل موعد اجتماع منظمة أوبك التي قد تتخذ قرارات أخرى في صالح خفض الإنتاج بهدف إجبار الأسعار على الصعود.

وأضاف عطار أن توجه الولايات المتحدة الأميركية نحو أن تصبح دولة مصدرة للنفط بفضل ثروة النفط الصخري في غضون سنوات قليلة قد يبرر موقف السعودية الأخير في رفض خفض الإنتاج لأن استمرار انخفاض الأسعار يقلص حظوظ الاستثمار في الطاقة الجديدة وفي انتزاع حصص من سوق دول منظمة أوبك.

ويتابع ”الجزائر في جميع الحالات ستتضرر من هذا الوضع، وليس أمامها أيّ خيار عدى تنويع الاقتصاد والتحرر من التبعية النفطية، لأن الصراعات الجيو استراتيجية فوق إمكانياتها، بالرغم من أن عدة دلائل تشير إلى امتلاكها لثالث مخزون عالمي من النفط الصخري لكن حجم الاستثمارات المطلوبة وخروج لعبة السوق من يديها، يحتم عليها التسريع بتنويع اقتصادها قبل الغرق في الأزمات”.

ويشدد مراقبون على أن الجزائر ليست في معزل عن صدمة مؤلمة على مستوى التوازنات الاقتصادية الكلية، في غضون سنوات قليلة في حال لم يضع صناع القرارفي الجزائر إجراءات استباقية، للتحرر من الريع النفطي.

عبد المجيد عطار: "ليس أمامنا أي خيار سوى تنويع الاقتصاد والتحرر من التبعية النفطية"

ويتوقع هؤلاء أن تكون الأزمة المقبلة أخطر من صدمة الثمانينات عندما حصل الانهيار الكبير لأسعار النفط في العام 1986، وما نتجت عنه من آثار سلبية على الاقتصاد المحلي، وتدهور في المستوى المعيشي وارتفاع نسبة البطالة.

وكشفت صدمة الثمانينات عن هشاشة المنظومة الاقتصادية التي أصابتها إختلالات هيكلية ووصل حجم التضخم إلى 42 بالمئة، وانخفض معدل النمو الاقتصادي في عامي 1986 ـ 1987 إلى 1 بالمئة بعدما كان 3.5 بالمئة، عام 1985.

واضطرت الجزائر في ذلك الوقت إلى طلب قروض ومساعدات خارجية وتبني خيار الإصلاحات من المؤسسات الدولية التي كانت تعتبر ورقة ضغط خارجية عليها.

وتمكنت الجزائر من تأمين عائدات مالية معتبرة، مستفيدة من فترات ارتفاع الأسعار، خصوصا في العام 2008 عندما ارتفع سعر البرميل إلى 140 دولاراً، ما أتاح لها تسديد معظم ديونها التي بلغت في العام 2000 نحو 20.4 مليار دولار.

وانخفضت هذه الديون تدريجياً حتى أصبحت لا تزيد عن 375 مليون دولار بنهاية العام 2013.

ثم قامت في العام 2010 بإلغاء ديون قيمتها نحو 1.6 مليار دولار مستحقة لها على دول عربية وأفريقية، منها العراق واليمن وفيتنام والبينن. إضافة إلى بوركينا فاسو، الكونغو، إثيوبيا، غينيا، غينيا بيساو، موريتانيا، مالي وتنزانيا.

وبالرغم من التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة، والتهديدات المتنامية، إلا أن الإفراط في الإنفاق العسكري والأمني كان محل انتقادات دائمة من قبل المختصين حيث قدرت هذا العام بنحو 20 مليار دولار، أو ما يعادل 18 بالمئة من الإنفاق العام، وهي موزعة بين 13 مليار دولار لوزارة الدفاع و7 مليار لوزارة الداخلية. وهو ما يعتبر أول المعوقات في طريق ترشيد الموازنة وبناء اقتصاد منوع.

10