الاقتصاد الدائري.. إرضاء الرأسمالية مع الحفاظ على البيئة

لم يكتف العلماء بانتقاد الرأسمالية الصناعية وتحميلها وزر التدهور البيئي والمناخي الذي يزداد يوما بعد يوم مهددا مستقبل البشرية، بل عملوا على تطوير بدائل والبحث عن حلول توازن بين الضرورة الصناعية والحاجة للحفاظ على ما تبقى من بيئة سليمة، وذلك من خلال تطوير نظام اقتصاد التدوير، ويعرف أيضا بالاقتصاد الدائري، الذي أطلق عليه والتر ستاهيل، المعماري والبيئي السويسري، وأحد مطوري هذا النظام، وصف “من المهد إلى المهد”، أي الاستفادة قدر الإمكان من المنتوج الصناعي عبر تدويره وإعادة إخراجه في أشكال واستعمالات جديدة، بحيث يكون الاقتصاد والبيئة رابحين.
السبت 2016/11/19
رولز رويس تطبق نظام "من المهد إلى المهد" مع محرك ترينت 1000

مراكش (المغرب) - تعهدت مجموعة كبيرة من الدول المشاركة في قمة المناخ، التي انعقدت مؤخرا، بمدينة مراكش المغربية، بالتحول بشكل كلي لاستخدام مصادر الطاقة المتجددة في أسرع وقت ممكن، كخطوة نحو تقليص الانبعاثات الغازية والتلوث البيئي، بما يضمن المزيد من سنوات الحياة السليمة على سطح الأرض.

ومنذ بدء التحذيرات من مخاطر التغيرات المناخية وممارسات سكان الأرض التي تهدد الحياة على سطحها، انكب الخبراء والمختصون والناشطون في مجال البيئة، على البحث عن وسائل وأنظمة يمكن أن تضمن الفائدة للجميع، وتكون محفزا وبدائل تساعد الدول والحكومات والمؤسسات على المضي قدما في سياسة مكافحة تغير المناخ، التي باتت مسألة ذات أولوية عاجلة.

من بين الحلول المطروحة، والتي شهدت اهتماما كبيرا في السنوات الأخيرة سياسة الدائرية أو التدوير، التي تطورت وأصبحت اقتصادا قائما بذاته، يمكن أن يسفر عن ميزان تجاري نام يوازي 90 مليار جنيه إسترليني في أنحاء الاتحاد الأوروبي وتوظيف 160000 شخص إضافي في قطاع استرداد المواد، وفق برنامج تطوير الموارد والنفايات.

تصف باربرا كايسر، الباحثة والكاتبة في دورية نيتشر العلمية، الدائرية بأنها من الأنظمة الصديقة للبيئة، وتعرفها بأنها منهجية إنتاج يتم فيها تغيير الغرض من المخلفات بإعادة تدويرها.

وتقدر أبحاث وإحصائيات صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة إلين مكارثر أن الاقتصاد الدائري يمكن أن يوفر على العالم تريليون دولار بحلول عام 2025، وسيولد 100 ألف وظيفة جديدة خلال خمس سنوات، فيما كشفت دراسات شملت نحو 7 دول أوروبية أنّ مضاعفات الاقتصاد الدائري قد تؤدّي إلى خفض انبعاث غازات الدفيئة بنسبة 70 بالمئة وإلى توفير 4 بالمئة من مجمل كتلة الوظائف.

الاقتصاد الدائري

“عندما يحاول أحدنا التمسك بعنصر واحد في الطبيعة، يجده مرتبطا ببقية العالم من حوله”، تصوّر هذه العبارة التي استحدثها عالم التاريخ الطبيعي الأسكتلندي الراحل جون موير (1838-1914) مشهدا مترابطا ومتجددا حيث كل مادة يتم إنتاجها تكون بدورها مادة مغذّية لشيء آخر. إنه وصف مناسب لنموذج الاقتصاد الدائري الذي بدأ يلقى رواجا في عالم الأعمال، وفق باربرا كايسر.

يعود مفهوم الاقتصاد الدائري إلى عام 1976، وفق المعماري السويسري والتر ستاهيل، أحد مؤسّسي هذا النموذج. ويضيف شارحا أن للاقتصاد الدائري أهدافا مختلفة عن اقتصاد الإنتاج بمعنى أنّه يعمل على الحفاظ على قيمة المنتوجات وإدارة المخزون ورأس المال الطبيعي والبشري والمصنّع والمالي.

ويتطلع هذا النموذج إلى إطالة عمر المنتجات في مرحلة الاستخدام، من خلال الحفاظ على قيمتها، وإزالة المنتجات الثانوية الضارة، مثل المواد السامة؛ لخلق حاضنة مثالية لشركات تتسم بالابتكار في مجال البيئة.

وتعتبر عملية إعادة التدوير أفضل خيار لإعادة الاستخدام، نظرا إلى أنها لا تميل إلى تفكيك تكوين المواد الأصلية، خلافا لعملية إعادة التدوير التقليدية (أو إعادة تدوير لإنتاج منتج جديد أقل قيمة).

التفكير الدائري

تشير باربرا كايسر، في دراستها حول الإسـراع من وتيـرة الاقتصـاد الدائـري، إلى أن هذا النمط الاقتصادي البيئي برز مع فكرة التصميم المتجدد ـ بريادة مهندس المناظر الطبيعية جون تي. لايل ـ على استخدام الموارد المحلية المتجددة.

بإمكان التدوير أن يسفر عن ميزان تجاري نامٍ يوازي 90 مليار جنيه استرليني في أنحاء الاتحاد الأوروبي

وقد رتب والتر ستاهيل الأفكار التي سبقته، ووضع أفكارا جديدة أساسية. وفي الآونة الأخيرة، أسَّس الكيميائي الألماني مايكل براونجارت والمعماري الأميركي ويليام ماكدونا نظاما لاعتماد النظم والمنتجات، يحمل اسم “من المهد إلى المهد” -وهو تعبير ابتدعه ستاهيل- يتعامل مع التدفق الصناعي، باعتباره كائنات حية، ومع المخلفات باعتبارها عناصر غذائية.

وتبين الدراسة الصادرة في دورية نيتشر أن مفهوم الدائرية الصديق للبيئة أخذ يتّسع، حيث تعمل مشروعات تجارية جديدة على اتباع هذا المفهوم.

وتقوم شركة إنتيرا في فانكوفر بكندا بإعادة تدوير الطعام العضوي غير المباع لإطعام يرقات الذباب، التي تَستخدمها في تغذية الماشية.

وخفّضت شركة رولز رويس البريطانية -وهي شركة عمومية محدودة، تهتم بمحطات توليد الطاقة لمحركات الملاحة الجوية والفضائية- استخدام المواد الخام والتكاليف والانبعاثات، من خلال برنامجها لإعادة التدوير، المسمَّى ريفيرت الذي يعزز كلا من مفهوم الطاقة المستهلكة في الساعة ومفهوم إعادة التصنيع.

وبنت العلامة التجارية ألفيس آند كريس نموذج أعمالها على استرداد منتجات النفايات الصناعية مثل خراطيم المياه ولافتات المزاد العلني والمظلات العسكرية المصنوعة من الحرير التي لم تعد تُستخدم وإعادة تدويرها للأفضل في شكل ملحقات فاخرة مثل الأحزمة والحقائب والمحافظ.

وتقوم كل من شركة فورد وهاينز بالتحقيق في إمكانية استخدام قشرة الطماطم التي ترمى جانبًا كأساس لمواد تركيب جديدة لقطع غيار السيارات. يختبر الباحثون في فورد متانة ألياف الطماطم لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استخدامها كبلاستيك حيوي يمكن وضعه في أسلاك مساند المركبة وحاويات التخزين.

وتشير دراسة نشرها موقع شركة فيليبس إلى أن التوجه نحو الاقتصاد الدائري يحمل أيضا فوائد للمستهلكين.

وسيغيّر إنشاء نماذج من أعمال ذات قيمة مضافة كيفية تفاعلنا مع السلع والخدمات التي نشتريها.

سينتج السماح للعملاء بالوصول إلى المنتجات بدلا من امتلاكها نسبة أعلى من الاستهلاك المستدام بأسعار معقولة، مما يساعد في تحسين ولاء الحرفاء وسمعة العلامة التجارية.

فتلك الشركات التي تنظر معمّقا في استخدام الموارد والتي لا تخاف من الابتكار خطت فعلاً أول خطوة في هذه المسيرة.

وتم تصميم نماذج الأعمال الدائرية لتكون مرنة من حيث الموارد كونها تشتمل على إعادة التخصيص المادي للمنتجات القديمة أو تطويعها لأغراض أخرى لخدمة المطالب الجديدة.

ويعدّ جهاز آيفون مثالا بارزا على ذلك؛ فقد أظهرت دراسة حديثة أن هاتف آيفون المعاد استخدامه يحتفظ بحوالي 48 بالمئة من قيمته الأصلية.

وقد لا تعطي السلع الأخرى مثل هذه النتائج الإيجابية تماما، إلا أن قيمة إعادة الاستخدام لا تزال أعلى بكثير.

نجاح ولكن…

تعدّ دورات المحيط الحيوي -من الماء إلى التربة- من عجائب الاقتصاد. لذا، تمسّ فكرة الدوائر وترا حساسا في نفوسنا، بيد أن نظرة واحدة إلى أيّ مدينة كبيرة تكشف عن وجود انفصال وتلوث وتفاوت اجتماعي، فهل سنتمكن من تحقيق اقتصاد دائري؟

الإجابة على تساؤل باربرا كايسر، وفق النظرة الواقعية لا تبعث على التفاؤل، فإطالة عمر المنتوج تؤدّي إلى هدر أقلّ وأيضا إلى إنتاج أقلّ، وهذه الإستراتيجية تؤدي إلى تقليص النفايات إلى النصف، لكن المشكلة كما يقول ستاهيل تكمن في أنّ ذلك قد يؤدّي إلى خفض الناتج الإجمالي المحلّي لأنّنا ننفق أقلّ ونشتري أقلّ من المعتاد، والمجتمعات ليست كلّها مستعدّة لهذا التحوّل.

وثمة مشكلات أيضا في النموذج الدائري نفسه، حيث يشير مارتن تشارتر، مدير مركز التصميم المستدام في جامعة الفنون الإبداعية في فارنهام بالمملكة المتحدة، إلى أن عدد الشركات التي تبنَّت الفكر الدائري الحقيقي كإستراتيجية أساسية لا يتجاوز المئة شركة فقط على مستوى العالم.

وعلى الرغم من أن دراسة الجدوى للمشروعات الدائرية تبدو لافتة، حيث يقدّر المستشارون في شركة ماكنزي وشركاه أن بوسع تلك المشروعات أن تضيف 2.6 تريليون دولار إلى الاقتصاد الأوروبي بحلول عام 2030، فإن استحواذ الجدوى الاقتصادية على الاهتمام يُعَدّ نقطة ضعف؛ إذ قد يتعارض اقتصاد النمو مع الاستدامة، وفق دراسة كايسر. في عام 2014، على سبيل المثال، انسحبت شركة شيفرون، وعدد من كبرى شركات البترول من استثمارات في قطاع الطاقة المتجددة، بسبب ضعف المردود.

ويمكن للطابع التنافسي للأعمال أن يعوق التعاون الذي هو في صلب التصميم الصديق للبيئة.

ويشير مهندس التصميم البريطاني كريس وايز إلى أن تطبيق استخدام الحد الأدنى من المواد يتعارض مع الهدف الأساسي لقطاع الإنشاءات، المتمثل في بيع مواد أكثر.

التأكيد الذي خرج به القادة والمسؤولون من قمة مراكش للمناخ على ضرورة تفعيل اتفاقية باريس للتقليص من الانبعاثات الكربونية والدخول جديا في مرحلة استخدام البدائل الإنتاجية والطاقة النظيفة، يعطي أملا في إمكانية تجاوز مشكلات البيئة والمناخ.

وهذه البدائل، والتي من بينها الاقتصادي الدائري، لا تعني، وكما أشار والتر ستاهيل، القطع مع الاقتصاد الصناعي بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر، فالاقتصاد الدائري لا يمكن أن يقوم بذاته، فهنالك دوما الحاجة للاقتصاد الصناعي الذي يقوم على إنتاج سلع وأجهزة من موادّ جديدة.

وبالتالي، فإن الإبداع ضروري واستخراج الموارد ضروري هو الآخر لأنّ هنالك تقنيّات جديدة ومواد جديدة تظهر باستمرار.

لذلك فالتعامل بتوازن بين النظامين الاقتصاديين من شأنه أن يساعد على تجاوز المخاطر البيئية التي يتسبب فيها الإفراط في الإنتاج الصناعي.

7