الاقتصاد الرقمي الحر ينهي عهد السلم الوظيفي

سهولة الخدمات بفضل الإنترنت تجعل العمل من المنزل أحد مقومات الاقتصاد العالمي الجديد.
الاثنين 2019/10/07
من فوائد العمل عن بعد إتاحة الفرصة للاهتمام بالعائلة

السلم المهني التقليدي بدأ يصبح في الدول الأكثر تطورا رقميا شيئا من الماضي، بعد أن بدأت تحل محله وظائف مرنة وحرة وغير ثابتة مستفيدة من تطور سرعة تدفق الإنترنت، وهذا هو المشهد المهني المستقبلي الذي ستلعب فيه المهارات الشخصية دورا مهما في تحقيق هدف الموظف وطموحاته المادية أكثر من الشهادات العلمية، لكنه سيواجه في نفس الوقت انعدام الأمان الوظيفي، وعدم التمتع بالحماية القانونية والاجتماعية.

 يشكل الاتصال بالإنترنت في الوقت الراهن ملامح الاقتصاديات في العالم، حتى أن المهن الافتراضية باتت تمثل جزءا لا يتجزأ من المشهد المهني للدول الأكثر تطورا رقميا. ويوما بعد يوم تؤدي سرعة الإنترنت وسهولة الحصول على الخدمات إلى جعل العمل من المنزل أحد مقومات الاقتصاد العالمي.

وساهم التقدم الرقمي الحاصل في عدة دول، في فتح آفاق جديدة أمام الناس للعمل عن بعد والتخلص من أعباء الالتزام بالحضور والانصراف في مواعيد محددة والتنقل يوميا إلى المكتب.

وأصبحت الحياة المهنية للكثيرين تعتمد وبشكل ملحوظ على عقود عمل قصيرة الأجل، بدلا من الوظائف الدائمة، فيما بات النجاح المهني ليس مرادفا للوصول إلى مرتبة عليا في السلم الوظيفي.

لكن رغم أن الوظائف المؤقتة والمرنة تعد فرصة مهمة للكثير من العاطلين عن العمل غير أن مخاوف عديدة أثيرت بشأن انعدام الأمان الوظيفي لهؤلاء العمال، الذين قد لا يتمتعون بأيّ حماية قانونية واجتماعية.

وتكمن المشكلة  في أن الوظائف المؤقتة والمستقلة لا تتيح للعمال الترقي والتطور المهني، ومن ثم تجعلهم عرضة  لتقلبات سوق الشغل ومتطلباتها.

ويعتبر مارك غرايام، أستاذ جغرافيا الإنترنت في معهد أكسفورد للإنترنت، أن توسيع نطاق خدمات الإنترنت، لن يؤدي فقط إلى شيوع الوظائف متواضعة الأهمية في الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، وإنما سيوفر كذلك لمواطني هذه البلدان، فرصا للعمل في مجالات البرمجة والتصميم وتطوير الشبكة العنكبوتية.

ويعلق على ذلك “أعتقد أنه يتعين علينا جميعا، أن نكون حريصين على ألا يؤدي أي تحول في بيئة العمل أو أي إعادة تنظيم لها، إلى تآكل جوهري في الحقوق التي نحظى بها كعاملين، أو إلى الإضرار بنوعية الوظائف التي نؤديها”.

ومن المتوقع أن تصبح جداول العمل المرنة أكثر شيوعا وانتشارا في مختلف دول العالم، وقد بدأت بعض الشركات في تبني مبدأ توفير عدد محدود من المكاتب في إطار جهودها لتوفير المال وتشجيع الموظفين على إنجاز متطلبات العمل من خارج المكتب، في ما يعرف بأيام الدوام عن بعد.

وفي عام 2018 طبقت شركة المحاسبة العملاقة برايس ووترهاوس البريطانية برنامجا للعمل المرن يحمل اسم شبكة المواهب المرنة.

تركيب كوابل الاتصال بالإنترنت وتوفير خدمات الهاتف النقال لكي ينتفع بها المليارات الأربعة من المحرومين من الشبكة، سيشكل عملية بطيئة الوتيرة إلى حد بعيد لعدة أسباب
تركيب كوابل الاتصال بالإنترنت وتوفير خدمات الهاتف النقال لكي ينتفع بها المليارات الأربعة من المحرومين من الشبكة، سيشكل عملية بطيئة الوتيرة إلى حد بعيد لعدة أسباب

ويسمح هذا البرنامج لأصحاب المهارات بتسجيل المهارات التي يتمتعون بها وعدد ساعات العمل التي يرغبون في قضائها بالشركة والأوقات التي يفضلون العمل فيها.

وتقول الشركة إن هذا البرنامج يهدف إلى تلبية ميول عدد متزايد من الناس الذين لا يحبذون العمل كما جرت العادة في ما بين الساعة التاسعة صباحا والخامسة مساء.

وبموجب هذا البرنامج يمكن للموظفين اختيار ما بين عدد أيام عمل أقل في الأسبوع أو العمل لمدة بضعة أشهر في السنة فقط.

وتسعى الشركة إلى محاولة التوفيق بين طلبات المتقدمين للعمل مع المشاريع التي تنفذها، بدلا من التوفيق بين مؤهلات المتقدم والوظائف، على أمل أن يساعد ذلك في جذب المزيد من المؤهلات والطاقات إلى الشركة.

وتشير بيانات المكتب الوطني للإحصاء بالمملكة المتحدة إلى أن 4.2 مليون بريطاني قد عملوا بانتظام من منازلهم في عام 2015 وأن معظم هؤلاء الموظفين ينحدرون من مهن مختلفة مثل الزراعة والمعلومات والاتصالات أو البناء، ومن المتوقع أن يجذب العمل عن بعد نصف القوى العاملة في بريطانيا بحلول العام 2020. ومع ذلك، فهناك قطاعات أخرى لا تسمح للموظفين بالعمل من المنزل.

وفي عام 2017 كشف استطلاع أجرته مؤسسة غالوب للأبحاث عن أن 43 في المئة من بين 15 ألف أميركي شملهم الاستطلاع يقولون إنهم قضوا بعض فترات حياتهم في العمل عن بعد، وذلك بزيادة قدرها أربعة في المئة عن عام 2012.

وتبدو فنلندا، الدولة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، والواقعة في المنطقة الفينوسكاندية في شمال أوروبا، من أبرز الدول التي بدأت فيها الشركات بتطبيق نظام العمل المرن منذ أكثر من عقدين، وذلك بعد صدور قانون ساعات العمل في عام 1996، الذي يجيز للموظفين تغيير مواعيد الحضور والانصراف في مكان العمل بما يصل إلى ثلاث ساعات قبل أو بعد المواعيد الرسمية.

وتعتزم الحكومة الفنلندية إصدار قوانين جديدة تتيح للمواطنين تقديم مواعيد الحضور والانصراف باكرا، وادّخار أيام الإجازات وتخصيص أوقات لممارسة التمرينات الرياضية.

ومن المقرر أن يدخل قانون ساعات العمل الجديد حيز التنفيذ في عام 2020، ويحق بموجبه لمعظم الموظفين الفنلنديين العمل بدوام كامل، واختيار الوقت والمكان اللذين يعملون فيهما لنصف مدّة الدوام على الأقل.

نظام العمل المرن

أشارت دراسة أجرتها شركة “غرانت ثورنتون” العالمية للمحاسبة عام 2011، إلى أن فنلندا لديها أكثر أنظمة العمل مرونة في العالم، إذ تسمح 92 بالمئة من شركاتها للعاملين بتغيير ساعات العمل بما يتوافق مع متطلباتهم، مقارنة بـ76 بالمئة من الشركات في المملكة المتحدة و18 بالمئة فقط في اليابان.

وهناك العديد من الإيجابيات للعمل عن بعد، سواء بالنسبة للموظف أو بالنسبة للمؤسسات والشركات الاقتصادية حيث أظهرت الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة الماضية أن الأشخاص الذين يعملون من المنزل يكونون أكثر حبا وتعلقا بوظائفهم من أولئك الذين يعملون في المكاتب.

وخلص تقرير حديث أجرته جامعة ستانفورد الأميركية إلى أن الموظفين الذين سمح لهم بالعمل من المنزل بساعات مرنة، زادت إنتاجيتهم بنسبة 13 بالمئة وانخفض عدد أيام إجازاتهم المرضية.

وكشفت دراسة أجرتها مؤسسة “يوغوف” أن 30 بالمئة من موظفي الشركات في بريطانيا يكونون أكثر إنتاجية إذا عملوا من خارج المؤسسة التي ينتمون إليها.

Thumbnail

ويرجح بعض الخبراء أن زيادة حجم الاتصال بالإنترنت يمكن أن يساهم في توفير فرص أكبر لمن يقومون بأعمالهم عن بعد. فبوسع موظفي البنوك، مثلا، تقديم خدماتهم للعملاء عبر الهاتف المحمول. كما يمكن إجراء تدريبات عن بعد، لمن يعملون في مجال تقديم الخدمات للعملاء أو من يضطلعون بأدوار استشارية، ويمكن لهؤلاء أيضا القيام بجانب كبير من العمل الفعلي عن بعد كذلك. ومع توفير خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، يمكن أن يشهد عدد من يتقدمون للعمل في مثل هذه الوظائف قفزة هائلة.

وبيّن تقرير أعدته مؤسسة “ماكنزي” أن المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة المملوكة لنساء في إندونيسيا تدرّ نحو 35 بالمئة من عائدات البلاد من التجارة الإلكترونية. أما المشروعات المماثلة في الحجم والمملوكة لنسوة كذلك من تلك التي لا تعتمد على الإنترنت، فلا يزيد إسهامها في العائدات عن 15 بالمئة تقريبا.

لكن مثل هذا الأمر لا يخلو من مفارقة، فنطاق تغطية خدمات الإنترنت لا يزال محدودا في العديد من دول العالم، إذ تقل نسبة الهنود القادرين على الاتصال بالشبكة أو اقتناء هواتف ذكية، عن 25 بالمئة من السكان، وقد تتدنى في المناطق الريفية إلى ما لا يزيد عن 14 بالمئة.

تحدي تغطية الشبكة

لا يختلف هذا الوضع كثيرا عما هو سائد في دول أفريقيا جنوب الصحراء مرورا بأميركا اللاتينية وصولا إلى غالبية بلدان جنوب شرق آسيا.

وتفيد بعض التقديرات بأن أكثر من نصف سكان العالم غير قادرين على الاتصال بشبكة الإنترنت. وعلى الرغم من أن مساحة التغطية تتزايد في تلك المناطق، فإن تركيب أبراج وكوابل للاتصال بالإنترنت وتوفير خدمات الهاتف النقال لكي ينتفع بها باقي المليارات الأربعة من المحرومين من الشبكة العنكبوتية، سيشكل عملية بطيئة الوتيرة إلى حد بعيد لعدة أسباب، ليس أقلها أن المسافات التي تتعين تغطيتها في هذا الصدد هائلة.

وهكذا، فبينما يؤدي توفير خدمات الاتصال الفائق والسريع بشبكة الإنترنت إلى توفير فرص عمل أفضل للأشخاص الموجودين بالدول المتقدمة، فإن من يعيشون في دول فقيرة يحرمون من ذلك، لكن ربما لا يدوم هذا الوضع إلى الأبد، وسينتهي الأمر بشعوب هذه الدول إلى الحصول على حرية العمل من حيثما يريدون.

12