الاقتصاد الرقمي فرص مهدورة في الارتقاء بتشغيل المرأة في الدول العربية

يعد الاقتصاد الرقمي من الاقتصاديات الناشئة في الدول العربية، ورغم أنه يمثل حلا في دعم انخراط المرأة في التنمية عبر العمل عن بعد إلا أن اعتماده من قبل الحكومات العربية ما يزال محدودا رغم فوائده المباشرة للمؤسسات ولليد العاملة النسائية وللمجتمع إذ يتيح للمرأة فرصة أكبر في التوفيق بين عملها وواجباتها الأسرية.
الأحد 2015/11/15
العمل عن بعد يتيح للمرأة فرصة أكبر في التوفيق بين عملها وواجباتها الأسرية

تونس - أدّت الطفرة التكنولوجية وتطور وسائل الاتصال والتواصل عبر الإنترنت إلى خلق نوع جديد من الوظائف التي ترتكز بالأساس على العمل عن بعد وهو ممارسة العمل وتنفيذه دون حاجة ولا ضرورة للوجود الفعلي في الأماكن التقليدية للعمل.

وتبعا لانتشار هذه الوسائل الرقمية في العالم العربي تبنّت عديد المؤسسات الاقتصاد الرقمي لما فيه من فوائد ربحية أهمّها ربح الوقت الذي يقضيه العامل في التنقل من مقرّ سكناه إلى مقرّ عمله والربح من خلال إنقاص المصاريف والتكلفة حيث يغنّي عن توفير فضاء مؤسساتي ضخم لاستيعاب المكاتب والموظفين ومستلزمات شغلهم.

ويقول طارق بالحاج محمد، وهو باحث تونسي في علم الاجتماع، إنه من وجهة نظر "علم اجتماع الشغل" العمل عن بعد ليس وظيفة بحدّ ذاتها بالمعنى التقليدي بل هو وسيلة لأداء العمل.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والتفكك الأسري والاجتماعي وسيطرة النظام الأبوي القائم على التسلط والتمييز والعنصرية تجاه المرأة بشكل يكرس التقسيم التقليدي للأدوار بينها وبين الرجل، تبدو فرضية وإمكانية العمل عن بعد عن طريق استعمال التكنولوجيات الحديثة كإحدى الحلول الممكنة لفك الحصار الاجتماعي والاقتصادي عن المرأة. فهو يزيد من إمكانية مشاركتها في الدورة الاقتصادية والتنمية بالتوازي مع القيام بدورها التربوي بنجاعة أكبر.

ومن وجهة نظر النوع الاجتماعي والتمكين يمكن استعمال التكنولوجيات ووسائل الاتصال الحديثة في تغيير الصورة النمطية للمرأة التي تكرّس دونيّتها وضعف مردوديتها وتحمّلها المسؤولية عمّا وصل إليه المجتمع من أزمات اقتصادية وقيمية.

طارق بالحاج محمد: يبدو أننا نمتلك الوسائل لكننا لم نمتلك الثقافة المنسجمة معها وخاصة في علاقة دور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية

والعمل عن بعد بهذه الطريقة المبتكرة التي تجمع بين قيم المشاركة والحفاظ على التماسك الأسري فيه استعمال للتكنولوجيات الحديثة بما يستجيب لمتطلبات العصر وإكراهات التربية والوظائف الأسرية التقليدية ومقتضيات التطور الديمقراطي القائم على مبادئ الحرية والعدالة وتساوي الفرص واحترام العقل والإيمان بدور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في الحياة العامة والدورة الاقتصادية.

لأجل ذلك يمكن أن يعد هذا النوع من العمل أداة لتكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وفرصة للخلاص من الابتزاز والإذلال والتحرش التي تعاني منه المرأة في أماكن العمل التقليدية مما يتيح للكفاءات النسائية إثبات قدراتهن وفكّ العزلة المضروبة عليهنّ بدعوى الحاجة إليهنّ في المنزل بمبررات عنصرية لا ترى في المرأة إلا وظائف التدبير المنزلي والوظيفة الجنسية والإنجابية.

إن نجاح هذا التصور والتمشي، ورغم ما يوفّره من فرصة للقضاء على التعارض المفتعل بين ربّة البيت والمرأة العاملة، يفترض قبل المضي فيه توفير بعض الشروط الموضوعية والعملية والثقافية. ومن بينها ضرورة إجراء تقييم نقدي لواقع مشاركة المرأة في إنتاج الثروة ونصيبها من التنمية.

كما يفترض تطوير قدرات المرأة ومهاراتها في التعامل بكفاءة مع تحدّيات التنمية بأبعادها التقنية والثقافية والاجتماعية عبر توفير فرص تدريب مهني ينسجم مع هذه المهمة والوظيفة غير التقليدية ومع مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها في إنتاج الثروة والقيمة المضافة.

لقد غيّرت ثورة المعلومات والتقنية المتطورة من أساليب العمل وخاصة في العالم المتقدم تكنولوجيا خصوصا في الدول الأنكلوسكسونية. وفي ظل ارتفاع أعداد المنازل المجهّزة بإمكانيات الاتصال بالإنترنت، أصبح العمل من المنزل أمرا يسيرا وقد بدأ انتشار هذا النوع من الإمكانيات الإلكترونية في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية ابتداءً من الحواسيب ومؤتمرات الفيديو، وانتهاءً بأجهزة الهاتف العالمية التي لن تدع بقعة في العالم خارجة عن نطاقها.

لكن هذا لا يكفي وحده لتطوير مشاركة المرأة العربية من موقعها ومنزلها في الانخراط الفعلي والكلّي في مجال العمل نظرا لأن اقتصادنا مازال تقليديا إلى حدّ بعيد ونظرا لتضارب نظرتنا للمرأة بين النظرة التقليدية الموروثة والنظرة الحديثة التي تسعى إلى تحريرها من الإرث القديم وتوطين قيم العقلانية والحرية والتمكين.

فالتكنولوجيا ليست فقط أدوات ووسائل بل هي أيضا ثقافة. ويبدو أننا نمتلك الوسائل لكننا لم نمتلك الثقافة المنسجمة معها وخاصة في علاقة دور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
20